الصحافة الإيرانية: فرصة للدبلوماسية في ظل احتمال عودة الحرب
دخلت أزمة مضيق هرمز خلال الأسابيع الأخيرة مرحلة أكثر حساسية، تتزامن فيها التحركات الدبلوماسية الإقليمية المتزايدة مع استمرار التوترات العسكرية والاقتصادية.

ميدل ايست نيوز: دخلت أزمة مضيق هرمز خلال الأسابيع الأخيرة مرحلة أكثر حساسية، تتزامن فيها التحركات الدبلوماسية الإقليمية المتزايدة مع استمرار التوترات العسكرية والاقتصادية. وتشير مجمل هذه التطورات إلى أن المنطقة لا تتجه في الوقت الراهن نحو سلام مستدام، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة يمكن معها الجزم بالعودة إلى مواجهة واسعة النطاق. وهنا، تبرز الحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى تقييم واقعي للأوضاع وتجنب الحسابات القائمة على التفاؤل المفرط أو التشاؤم المبالغ فيه.
يقول عبد الرضا غفراني، الدبلوماسي الإيراني السابق، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إنه من أبرز التطورات التي شهدتها الأيام الأخيرة زيارة مسؤولين سعوديين وأتراك وباكستانيين رفيعي المستوى إلى طهران في 26 أكتوبر/تشرين الأول، وإجراء محادثات مع مسؤولين إيرانيين. وتكتسب هذه الزيارة، التي جاءت في إطار الجهود الرامية إلى منع تجدد اتساع الأزمة، أهمية من عدة جوانب. أولاً، يبدو أن السعودية وتركيا وباكستان، رغم اختلاف مصالحها وأولوياتها السياسية والأمنية، توصلت إلى قناعة بأن استمرار الحرب وعدم الاستقرار في المنطقة قد يترتب عليهما تكاليف باهظة لجميع دولها.
ثانياً، يشير وجود الدول الثلاث في طهران في الوقت نفسه إلى أن قنوات الحوار والوساطة الإقليمية لا تزال متاحة. لكن ينبغي عدم المبالغة في أهمية هذا التطور أيضاً، فالاتفاق على مواصلة المحادثات لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق سياسي أو أمني، ولا تزال الخلافات القائمة بين دول المنطقة جدية. ومع ذلك، فإن مجرد إنشاء مثل هذه القناة قد يتيح فرصة للحيلولة دون تصعيد الأزمة، وهي فرصة لا ينبغي التفريط فيها بسهولة.
وفي هذا السياق، تكتسب التطورات المتعلقة باليمن وهجمات الحوثيين على أهداف داخل السعودية أهمية خاصة. فتوسع التوترات من نطاق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى العلاقات السعودية اليمنية قد يزيد تعقيد المعادلات الأمنية في المنطقة. ويكتسب هذا الوضع أهمية خاصة بالنسبة إلى إيران، إذ إن أي اتساع للمواجهات بين السعودية والقوات اليمنية قد يؤثر في العلاقات بين طهران والرياض، وكذلك في الجهود الجارية لخفض التوتر.
أما المسألة الأخرى فتتعلق بوضع مضيق هرمز ودوره في الحسابات السياسية والاقتصادية الإيرانية. فعلى الرغم من اقتراب جزء من صادرات النفط في المنطقة خلال الأسابيع الماضية من مستويات ما قبل الحرب، لا تزال الملاحة البحرية تواجه قيوداً ومخاطر جدية. وينبغي الانتباه إلى أن زيادة صادرات النفط لا تعني بالضرورة عودة حرية حركة السفن وأمن الملاحة عبر مضيق هرمز بصورة كاملة. فاستخدام المسارات البديلة، ونقل الشحنات بين ناقلات النفط، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، كلها جوانب من الظروف الجديدة التي أثرت في سوق الطاقة الإقليمية.
لذلك، يبدو أن تقييم ورقة مضيق هرمز يجب أن يأخذ في الاعتبار مجمل الحقائق الجديدة. فلا يزال المضيق أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، وأحد العوامل المؤثرة في المعادلات الأمنية والاقتصادية للمنطقة، لكن لا ينبغي الاعتقاد بأن استخدام هذه الورقة سيكون خالياً من التكاليف والتداعيات المتبادلة. وفي ظل مواجهة الاقتصاد الإيراني أيضاً قيوداً مالية وعقوبات وضغوطاً ناجمة عن الحرب، تزداد أهمية الحساب الدقيق للتكاليف والمنافع المترتبة على كل قرار.
وفي هذا الصدد، تستحق وجهة نظر الرئيس التركي السابق عبد الله غُل، الواردة في مقال نشرته مجلة «بروجيكت سنديكيت» في 5 أكتوبر/تشرين الأول، الاهتمام. فقد أشار إلى الأضرار التي لحقت بإيران خلال الحرب، وشدد على ضرورة ألا يخلط القادة الإيرانيون بين المكاسب قصيرة الأمد والمصالح طويلة الأمد، وأن يستفيدوا من الفرصة المتاحة للتوصل إلى اتفاق وتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية. كما أكد غُل ضرورة تطبيع العلاقات بين إيران والسعودية وإرساء توازن جديد في المنطقة.
بالطبع، لا يمكن اعتبار وجهات نظر رئيس سابق انعكاساً بالضرورة للسياسة الرسمية للحكومة التركية. لكن أهمية تصريحاته تكمن في أنها تنظر، من منظور إقليمي، إلى ضرورة تجنب تصعيد الأزمة والاستفادة من الفرص الدبلوماسية المتاحة.
من جهة أخرى، ينبغي متابعة التطورات في واشنطن بدقة. فمن المقرر أن تُجرى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، في وقت أصبحت فيه الحرب مع إيران وتكاليفها الاقتصادية من القضايا المهمة في السياسة الداخلية الأمريكية. وكان دونالد ترامب قد أعلن في 8 أكتوبر/تشرين الأول أنه لن يصدر أمراً بشن هجوم جديد على إيران قبل الانتخابات. لكن تقارير نُشرت خلال الأيام الأخيرة تحدثت عن تحذيرات وجهها مسؤولون أمريكيون إلى حلفائهم الإقليميين بشأن احتمال استئناف الهجمات بعد الانتخابات.
وفي الوقت نفسه، تحدث ترامب مجدداً في تصريحاته يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول عن احتمال انتهاء الحرب قريباً، من دون أن يقدم تفاصيل واضحة بشأن كيفية تحقيق ذلك. ولذلك، لا يمكن الجزم بأن الإدارة الأمريكية ستتجه بعد الانتخابات نحو التوصل إلى اتفاق، أو أنها ستعيد الخيار العسكري إلى جدول أعمالها.
وينبغي أن يأخذ صانعو القرار في إيران كلا الاحتمالين في الحسبان عند وضع حساباتهم السياسية والدبلوماسية. وعليه، يبدو أن الحفاظ على المبادرة الدبلوماسية وتعزيزها يجب أن يكونا من أبرز أولويات إيران. فالدبلوماسية لا تعني القبول الأحادي بمطالب الطرف المقابل أو التخلي عن المصالح الأساسية للبلاد، بل يمكن أن تكون أداة لتحويل الإمكانات السياسية والاستراتيجية إلى مكاسب اقتصادية وأمنية مستدامة. كما أن المرونة في الأساليب، من دون التنازل عن المبادئ والمصالح الوطنية، تشكل جزءاً من الواقعية في السياسة الخارجية.
كذلك، ينبغي عدم إغفال أن استمرار الأزمة لا يقتصر على كونه مسألة عسكرية أو أمنية، فالاقتصاد الإيراني والإيرادات النفطية والتجارة الخارجية والاستثمارات وتكاليف النقل والحياة اليومية للمواطنين، كلها تتأثر بالتداعيات المباشرة وغير المباشرة لهذا الوضع. ومن ثم، يجب أن تحتل المصالح الاقتصادية والمالية للبلاد مكانة واضحة في الحسابات السياسية والأمنية.
ولعل أبرز ما شهدته الأيام الأخيرة هو تصاعد الجهود الدبلوماسية الإقليمية بالتزامن مع تزايد المخاوف من احتمال عودة الحرب. ويكشف هذان المساران المتعارضان أن الأزمة لم تحسم نتائجها بعد، وأن القرارات التي ستُتخذ خلال الأيام المقبلة قد تؤثر في مسار التطورات.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يقتصر السؤال الرئيسي على تحديد الطرف الذي ستكون له اليد العليا في الأزمة الراهنة، بل إن السؤال الأهم هو: كيف يمكن منع تحول أزمة باهظة التكلفة إلى حرب أوسع نطاقاً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المصالح الوطنية الإيرانية وضمانها؟
فالفرص الدبلوماسية لا تكون متاحة إلى الأبد، وقد تضيق مع تغير الظروف السياسية والعسكرية. لذلك، ربما حان الوقت لمتابعة المسار الدبلوماسي بمبادرة أكبر، مع مراعاة الحقائق الإقليمية والدولية الجديدة، قبل أن تفسح الفرص المتاحة المجال أمام ظروف أكثر صعوبة وكلفة.



