الصحافة الإيرانية: هل يدفع توقف الرحلات الجوية الإيرانية إلى التفاوض؟

يفرض توقف الرحلات الجوية الإيرانية واقعاً جديداً قد يدفع المسؤولين الإيرانيين، الذين تضرروا شخصياً هذه المرة من العقوبات، إلى التحرك والتفاوض مع الولايات المتحدة لاحتواء تداعيات العقوبات.

ميدل ايست نيوز: أوقفت حتى الآن 5 دول في المنطقة استقبال الطائرات الإيرانية، بعد قبولها بتنفيذ العقوبات الأمريكية. ونتيجة لذلك، عُلّقت الرحلات الجوية من إيران إلى مطارات جورجيا وأذربيجان والإمارات وعُمان والعراق.

يقول الصحفي الإيراني رضا غبيشاوي، في مقال لموقع عصر إيران، إنه في الخطوة الأخيرة، انضم مطارا النجف وأربيل في وسط وشمال العراق إلى العقوبات أيضاً، لتتوقف الرحلات فيهما. وهنا يمكن تسليط الضوء على خمسة نقاط:

1- حتى الآن، نفذت 5 دول عقوبات على الرحلات الجوية الإيرانية

في العراق مثلا، ورغم أن رئيس الوزراء ومعظم وزراء الحكومة من الشيعة ومقربون من إيران، فإن مطارات هذا البلد نفذت العقوبات الأمريكية.

وضع العراق بعد صدام حسين بشأن العقوبات واضح تماماً، وهناك إجماع وتوافق بين مختلف التيارات السياسية فيه حول هذا الأمر. فالعراق لا يقاوم أياً من العقوبات الأمريكية أو الأوروبية أو عقوبات الأمم المتحدة، بل ينفذها بالكامل حتى لو ألحقت به الضرر، لأنه لا يريد عودة العقوبات المفروضة عليه، أو الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة وأوروبا بسبب إيران أو أي دولة أخرى.

وتُعد الحكومة العراقية قريبة سياسياً من إيران، لكنها تستسلم أمام العقوبات الأمريكية، وتضع المصالح الاقتصادية والسياسية للعراق في الأولوية.

أما جورجيا، فعلى الرغم من وجود حكومة قريبة من روسيا فيها، فإن هذا البلد الصغير لا يريد أي نوع من التوتر أو الصراع مع الولايات المتحدة، ولا سيما بسبب إيران. لذلك فإن العلاقة مع الولايات المتحدة كبيرة وقيّمة إلى درجة تجعل جورجيا تتخلى بسهولة عن المصالح المادية الناتجة عن علاقاتها الاقتصادية والسياحية مع إيران.

والأمر مشابه في عُمان. فعُمان تتمتع بأفضل وأقرب العلاقات السياسية مع إيران بين دول الخليج، وقد عملت مراراً على الصعيد الاقتصادي بما يصب في مصلحة إيران، بما في ذلك في مجال الالتفاف على العقوبات. وحتى الآن، تُعد الموانئ العُمانية إحدى الطرق للالتفاف على الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران.

ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالعقوبات الأمريكية، فإن العُمانيين أيضاً يرفعون أيديهم استسلاماً، ولا يريدون التضحية بمصالحهم الاقتصادية والسياسية بسبب إيران.

وقيل في وقت سابق إن الدول التي تواجه عقوبات على إيران إما تكون كبيرة إلى درجة تربطها بالولايات المتحدة علاقات مهمة وقيّمة، ولذلك تنفذ العقوبات على إيران للحفاظ على علاقاتها مع واشنطن، أو تكون صغيرة وضعيفة إلى درجة تجعلها تنفذ العقوبات على إيران أمام أصغر ضغط أمريكي.

أما أذربيجان، فالوضع فيها مشابه للعراق وعُمان. فالعلاقات السياسية مع حكومات هذه الدول جيدة، لكن عندما يتعلق الأمر بالاختيار بين إيران والولايات المتحدة، فإن خيارها هو واشنطن.

أما الإمارات، فكانت في السابق أيضاً في حالة توتر وصراع مع إيران. فقد أوقفت إصدار التأشيرات للإيرانيين، بل ومنعت المسافرين الإيرانيين من استخدام الرحلات التابعة لشركات الطيران الإماراتية. ومؤخراً، علّقت جميع العلاقات الاقتصادية مع إيران. كما تعرضت الإمارات خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً لأكبر عدد من الغارات الجوية الإيرانية، واستهدفت تلك الهجمات، إلى جانب القوات الأمريكية، المنشآت النفطية ومراكز أخرى في هذا البلد.

ويؤدي توقف الرحلات إلى العراق وجورجيا وعُمان والإمارات إلى تعليق جزء مهم من الرحلات السياحية للإيرانيين، كما يلحق أضراراً جسيمة وكبيرة بشركات الطيران ووكالات السفر والسياحة الإيرانية.

وهذا أحد أهداف هذه العقوبات الجديدة: إلحاق أضرار جديدة وجسيمة بالمصالح الإيرانية.

2- العقوبات الأمريكية على شركات الطيران الإيرانية تأتي في إطار البرنامج الأمريكي الجديد

تأتي العقوبات الأمريكية على شركات الطيران الإيرانية في إطار البرنامج الأمريكي الجديد، الذي يُشار إليه باعتباره خطة لخنق الاقتصاد الإيراني، بهدف إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وعلى خلاف السابق، حين كانت البرامج النووية أو الصاروخية أو حقوق الإنسان أو الحرب الروسية-الأوكرانية تُعلن أسباباً لفرض العقوبات، فإن الهدف هذه المرة هو تدمير جميع العلاقات الخارجية للاقتصاد الإيراني.

ويعني فرض العقوبات على الرحلات الجوية استمرار الظروف الحربية وغير الطبيعية بالنسبة لإيران.

إضافة إلى ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى فرض حصار جوي على إيران، بعد الحصار البحري.

فمنذ 14 يوليو/تموز الماضي، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الواقعة جنوب إيران. وفي إطار هذه الخطة، منعت البحرية الأمريكية حركة السفن باتجاه الموانئ الإيرانية في الخليج وبحر عُمان. ولا يزال الحصار البحري مستمراً.

والآن، تحاول الولايات المتحدة في الخطوة الثانية فرض حصار جوي أيضاً على إيران، بحيث تتوقف حركة الرحلات الجوية من وإلى إيران بشكل كامل.

3- أسئلة موجهة إلى المسؤولين عن هيئة الطيران المدني ووزارة الطرق والقطاعات الأخرى

تُطرح الأسئلة على مسؤولي هيئة الطيران المدني ووزارة الطرق وسائر الجهات المعنية، الذين أظهروا، من خلال صمتهم أو نشر معلومات غير صحيحة أو تأخرهم في نشر المعلومات، صورة أخرى عن عدم كفاءتهم.

فهل كان المسؤولون الإيرانيون على علم مسبق بتوقف الرحلات أم لم يكونوا على علم؟ أم أنهم، مثل المسافرين الإيرانيين، فوجئوا بالأمر؟

إذا كنتم تعلمون مسبقاً، فلماذا لم تُبلغوا الناس؟ لقد ألحقتم بصمتكم الضرر بأعمال الناس وخططهم وسفرهم وحياتهم، كما حدث مع العديد من المسافرين والطائرات الإيرانية في مطارات بغداد والنجف ودول أخرى، حيث واجهوا مشكلات عديدة.

إذا لم تكونوا على علم، فما هي وظيفتكم ومهمتكم، وما هو موقعكم القانوني؟

تكاد تكون جورجيا الحالة الوحيدة التي أعلنت فيها سلطات البلاد مسبقاً توقف الرحلات الجوية إلى إيران، ما حال دون وقوع المسافرين وشركات الطيران الإيرانية في حالة من الارتباك.

أما في الحالات الأخرى، فقد أعلنت السلطات الإيرانية عن الأمر بالتزامن مع توقف الرحلات أو بعد تأخير.

وبالطبع، صدّق كثير من المسافرين الإيرانيين الشائعات والأخبار غير الرسمية التي كانت قد انتشرت مسبقاً، ليتضح في نهاية المطاف أنها صحيحة.

ألم يكن ينبغي للمسؤولين الإيرانيين، خلال الأيام الأخيرة وبالتزامن مع إعلان المسؤولين الأمريكيين توقف الرحلات اعتباراً من 23 سبتمبر/أيلول، الاستفسار من الدول المجاورة عن وضع الرحلات الجوية؟

وعندما كانت الأخبار غير الرسمية حول توقف الرحلات الإيرانية في عُمان والعراق قد بدأت بالانتشار قبل عدة أيام، ألم يكن ينبغي لهم التحقق منها والإعلان عن الخبر الصحيح في وقت أبكر؟

4- من زاوية معينة، تُعد هذه العقوبات أمراً جيداً، لأنها تؤثر أيضاً في حياة المسؤولين

فبقدر ما أصبحت العقوبات مصدر متاعب للناس، من الأفراد العاديين إلى الناشطين الاقتصاديين، فإنها لم تتسبب حتى الآن في مشكلات حقيقية لكثير من المسؤولين. وبعبارة أخرى، لم يتذوق هؤلاء بعد الطعم المر للعقوبات، ولم يواجهوا صعوباتها.

فإذا كان المواطن العادي يواجه صعوبة في الحصول على دواء معين بسبب العقوبات وسوء الوضع الاقتصادي، فإن ذلك المسؤول، بمجرد أن يطلب من صديق ما، يحصل على الدواء عند عودته من أول رحلة خارجية.

وإذا كان المواطن العادي مضطراً إلى دفع أضعاف سعر سيارة عادية متوفرة في العالم اليوم، فضلاً عن تحمل تكاليف غير مبررة، فإن المسؤولين، في المقابل، يستخدمون سيارات حكومية مع سائقين، ولا يدركون تكاليف شراء السيارات وصيانتها في الظروف الراهنة.

وإذا كان الناس محرومين من السفر إلى الخارج بسبب ارتفاع سعر الدولار وعدم إصدار التأشيرات والظروف الحربية، فإن السفر الخارجي لبعض المسؤولين، بأشكال مختلفة، لا يزال مستمراً.

لقد توقفت الرحلات الجوية، وربما يتذوق المسؤولون في إيران هذه المرة أيضاً الطعم المر للعقوبات، فيتنبهون إلى الواقع ويعملون على وقفها، أو يعترفون بعجزهم وعدم كفاءتهم، بدلاً من إبقاء الناس في حالة انتظار.

وللأسف، يعيش بعض المسؤولين في حالة من الوهم إلى درجة أن مواجهة الصعوبات على المستوى الشخصي قد تكون وحدها القادرة على جعلهم يدركون الحقائق.

5- نأمل أن يوقظ هذا الأمر المسؤولين الغافلين من سباتهم، رغم أننا لا نعوّل على ذلك

نأمل أن يوقظ هذا الأمر المسؤولين الغافلين من سباتهم ويجعلهم أكثر وعياً، رغم أننا لا نعوّل على ذلك.

فهم مسؤولون ينظرون إلى العقوبات نظرة هامشية ونمطية ودعائية، وبعبارة واحدة، غير واقعية. كان يتعين على هؤلاء المسؤولين وضع الخطط اللازمة لمواجهة هذه العقوبات والحيلولة دون وقوعها، لكنهم لم يفعلوا.

وكان يتعين على المسؤولين منع هذه العقوبات، لكنهم لم يفعلوا.

إن رد المسؤولين الوحيد على العقوبات لا يتجاوز مجموعة من العبارات النمطية والدعائية التي يكررونها منذ أشهر وسنوات؛ مسؤولون لم يتمكنوا، بسبب عدم الكفاءة والضعف، من منع العقوبات، وسمحوا لها بالوصول إلى مرحلة أدت فيها حتى إلى قطع حركة المواطنين العادية إلى الدول المجاورة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى