الصحافة الإيرانية: لماذا تفاوض طهران مجدداً؟
إن التفاوض يهدف إلى حل المشكلات، سواء في خضم الحرب أو في زمن السلم. وفلسفة التفاوض تقوم على أن العقدة التي يمكن حلها باليد لا ينبغي جعلها أكثر تعقيدًا بالأسنان.

ميدل ايست نيوز: توجه الوفد الإيراني إلى نيويورك خلال الأيام الماضية للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة وإلقاء كلمة، إلى جانب إجراء مفاوضات غير مباشرة مع الجانب الأميركي. وهنا يبرز السؤال الأساسي: في ظل الإخفاقات المتكررة التي شهدتها المفاوضات، واندلاع حربين خلال مسار الحوار، لماذا تعود إيران إلى التفاوض مجددًا؟
يقول حميد روشنائي، الخبير في العلاقات الدولية، في مقال لصحيفة اعتماد: يعتقد معارضو التفاوض أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يلتزم بقبول نتائج المفاوضات. فبعد توقيع مذكرة التفاهم في إسلام آباد، وعندما أدرك أن مضمونها لا يصب في مصلحته وأنها عرضته للانتقادات من جانب معارضيه ومؤيديه، تنصل منها، وهو يقول الآن صراحة إن تلك الأوراق لم تعد تتمتع بأي مصداقية!
ويرى معارضو التفاوض أيضًا أن التفاوض يحول دون تحقيق الإنجازات والانتصارات، وأن الجانب الأميركي يستخدم هذه الورقة لخفض أسعار النفط وإنقاذ نفسه من الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب. وللإجابة عن هذا السؤال، سنستخدم منهجين؛ الأول سلبي والثاني إيجابي. ففي المنهج السلبي يمكن القول: إذا لم نتفاوض، فماذا سنفعل؟! وحتى إذا حققنا بعض الانتصارات، كيف يمكننا فرض نتائجها على الطرف المقابل؟
ورغم أن افتراض قدرتنا على إيصال الحكومة الأميركية إلى حافة الهزيمة الكاملة يبدو بعيدًا عن الواقع، لكن على افتراض أننا وضعنا الولايات المتحدة في موقف ضعف، فكيف سنُفهمها هذه الظروف ونحصل منها على تنازلات، باستثناء التفاوض؟! أما في المنهج الإيجابي، فينبغي التطرق إلى جوهر التفاوض. فالتفاوض (Negotiation) هو عملية تتفاعل فيها جهتان أو أكثر، لديها مصالح أو احتياجات أو أهداف مشتركة أو متباينة، للتوصل إلى اتفاق بشأن مسألة أو خلاف أو عقد. ولا يجرى التفاوض بالضرورة بهدف التوصل إلى تفاهم، بل قد يجرى أحيانًا في ذروة الخلاف لفهم وجهة نظر الطرف الآخر وإدراك تصوره للقضية. ويتحقق التفاوض عندما تتوافر الشروط التالية:
1- توازن الظروف: ويعني ذلك أنه إذا كان أحد المتفاوضين في موقع المنتصر، فلن تكون لديه حاجة إلى التفاوض، بل سيفرض أوامره على الطرف المقابل. فعلى سبيل المثال، في العالم الراهن، عندما تمكن ترامب من اعتقال رئيس فنزويلا ونقله إلى الولايات المتحدة، لم يعد يرى مجالًا للتفاوض مع حكومة كاراكاس، واكتفى بإرسال أوامره إليها. وفيما يتعلق بإيران، اعتبرت الولايات المتحدة نفسها منتصرة في الحرب حتى أسبوع مضى، وكانت تسعى إلى إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية. ولذلك لم تجد سببًا للتفاوض، لكنها عندما شعرت بالعجز، بدأت تبحث عن سبيل للحوار، وإن كان ذلك من موقع قوة. وفي المقابل، لم تجد طهران سببًا للرد ما دامت الظروف لم تستقر ولم تجد نفسها في موقع يسمح لها بالتفاوض.
2- وجود موضوع للتفاوض: إذا لم توجد قضية مشتركة أو متعارضة، ولم يكن هناك شعور بإمكانية حل المسألة وتسويتها من خلال الحوار، يصبح التفاوض بلا معنى. فمجرد الجلوس إلى طاولة واحدة لا يعني إجراء مفاوضات، بل يجب أن يكون هناك جدول أعمال يدفع الطرفين إلى الحوار.
3- وجود إرادة للتفاوض: رغم أن السياسة لعبة معقدة، فإن الإرادات هي التي تقف وراء كل هذه الألعاب وتشكل مسار القضايا. وإذا لم يرغب أحد الطرفين في الوصول إلى حل للمشكلة، فلن تصل المفاوضات بالتأكيد إلى نتيجة.
4- أجواء التفاهم: إذا أفسد أحد الطرفين أجواء المفاوضات بكلامه أو أفعاله، فمن المؤكد أن الوصول إلى حل سيصبح مستحيلًا أو بالغ الصعوبة. وقد لا تكون الأجواء السائدة في المفاوضات ودية، لكنها يجب ألا تكون على نحو يوحي بعدم إمكانية إحراز تقدم أو الوصول إلى نتيجة. والتفاوض لا يعني الثقة بالطرف المقابل، لكن ينبغي أن تتشكل تدريجيًا أجواء لبناء الثقة.
5- نتيجة رابحة للطرفين: إذا اعتقد أي من الطرفين أنه يجب أن يكون هو الفائز الوحيد وأن يكون الطرف الآخر هو الخاسر، فلن تنجح المفاوضات، لأن التفاوض يعني أن يشعر الطرفان بأنهما سيحققان مكاسب، وأن المفاوضات ستعود عليهما بنتائج. وغالبًا ما تؤدي التحركات التي توحي بانتصار طرف واحد إلى دفع المفاوضات نحو طريق مسدود.
وفي جميع الأحوال، فإن التفاوض يهدف إلى حل المشكلات، سواء في خضم الحرب أو في زمن السلم. وفلسفة التفاوض تقوم على أن العقدة التي يمكن حلها باليد لا ينبغي جعلها أكثر تعقيدًا بالأسنان. ومواجهة المفاوض ليست أقل صعوبة من القتال في الميدان، ولذلك ينبغي التحلي بالصبر لإقناع العدو بقبول ذلك.



