مضيق هرمز وممرات أخرى.. الجغرافيا تعيد فرض شروطها
أعادت الحرب على إيران واضطراب ممرات الطاقة والتجارة الحيوية اكتشاف قوة الجغرافيا بعد عقود بدا فيها أن التكنولوجيا والعولمة ألغتا ذلك الأثر.

ميدل ايست نيوز: أعادت الحرب على إيران واضطراب ممرات الطاقة والتجارة الحيوية اكتشاف قوة الجغرافيا بعد عقود بدا فيها أن التكنولوجيا والعولمة ألغتا ذلك الأثر، لكن إغلاق مضيق هرمز، وتغير طرق الملاحة، والجفاف، وعوامل أخرى، كشفت كلها هشاشة الاقتصاد العالمي أمام نقاط الاختناق الجغرافية.
وفي مقال تحليلي بصحيفة نيويورك تايمز، تقول باتريشيا كوهين -وهي مراسلة الاقتصاد العالمي في الصحيفة- إن العالم عاش عقودا بدا خلالها وكأنه تجاوز الجغرافيا، بعدما أصبحت المعلومات والسلع تعبر المسافات بسرعة. لكن الاضطراب الناجم عن تعطيل طريق حيوي في الخليج أعاد التذكير بأن السلع لا تزال بحاجة إلى الوصول من مكان إلى آخر.
وأدى الصراع -الذي اندلع قبل سبعة أشهر بعد هجمات أمريكية وإسرائيلية على إيران– إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطيل الإنتاج، وتهديد المحاصيل، وإثارة احتجاجات في دول بعيدة.
وأظهر ذلك أن الموقع الجغرافي قد يمنح دولا وجماعات أضعف عسكريا واقتصاديا قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد العالمي على نطاق عالمي وبصورة مباشرة للأسواق.
الجغرافيا سلاحا
أصبحت إيران تستخدم ورقة مضيق هرمز -الممر البحري إلى الخليج وأحد أهم اختناقات الطاقة عالميا- للضغط على حركة التجارة. كما يسعى الحوثيون المدعومون من طهران إلى السيطرة على نقطة إستراتيجية هي مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وتكشف هذه التطورات أهمية ممرات أخرى -مثل بحر الصين الجنوبي وقناة السويس- في حركة التجارة. ويرى إدوارد فيشمان من “مجلس العلاقات الخارجية” (واشنطن) أن تسليح الجغرافيا يعكس ابتعاد العالم عن نموذج العولمة، مشيرا إلى أن إيران تسعى أيضا إلى فرض رسوم على مالكي السفن مقابل المرور، أي تحويل موقعها إلى مصدر مالي ونفوذ سياسي.
تأثير المناخ
لا تقتصر الضغوط الجغرافية على الحروب، فالتغير المناخي يعيد تشكيل طرق التجارة. فقد أدى الجفاف إلى انخفاض منسوب نهريْ الراين والدانوب في أوروبا، مما عطّل نقل البضائع ورفع تكاليف الشحن وأثّر في الإنتاج الصناعي، كما هدد الكهرباء في المجر ورومانيا بسبب اعتماد مفاعلات نووية على مياه الأنهار للتبريد.
وفي أمريكا اللاتينية، قيدت السلطات حركة المرور في قناة بنما -التي تنقل نحو 40% من حركة الحاويات الأمريكية- بسبب انخفاض منسوب المياه المرتبط بظاهرة النينيو. وفي المقابل، سمحت مياه القطب الشمالي الأكثر دفئا لشركات شحن صينية ببدء عبور منتظم للمحيط المتجمد الشمالي، في تطور قد يزيد التنافس مع الولايات المتحدة.
ترى كوهين أن النظام الدولي الناشئ بعد الحرب العالمية الثانية يتآكل، بعدما حل الصدام والإكراه محل التعاون والثقة والقواعد. ويقول هال براندز -الأستاذ في جامعة جونز هوبكنز- إن العقود الثلاثة الماضية قامت على افتراضين خاطئين: أن صراع القوى الكبرى فقد أهميته، وأن الابتكار ألغى قيود الجغرافيا.
نهاية وهْم العولمة
وتبرز أوكرانيا وتايوان مثالين على استمرار أهمية الموقع. فأوكرانيا تقع عند مفصل حيوي بين أوروبا وآسيا، وتملك موانئ على البحر الأسود وأراضي خصبة، بينما تقع تايوان عند عقدة إستراتيجية بين اليابان وإندونيسيا وعلى امتداد سلسلة جزر قبالة الصين.
كما ساهمت الولايات المتحدة والصين في إنتاج نقاط اختناق اقتصادية عبر النظام المالي العالمي والمواد الأرضية النادرة. ومع تراجع استعداد واشنطن لضمان حرية الملاحة، تتزايد فرص استخدام الممرات والموارد كأدوات ضغط.
وتخلص الكاتبة إلى أن اضطراب طرق التجارة يدفع الدول إلى البحث عن بدائل، مثل خطوط الأنابيب وتغيير مسارات الشحن، بما سيعيد رسم الخرائط الاقتصادية والعسكرية. وفي نظام دولي أكثر تنافسا، ستستعيد الجغرافيا دورا مركزيا في تحديد شكل الصراعات وموازين القوة.



