الصحافة الإيرانية: ماذا وراء زيارة وزير خارجية أرمينيا إلى طهران؟
يمكن لأرمينيا أن تكون أحد المسارات المكملة للتجارة الإيرانية مع أسواق القوقاز وأوراسيا، ولكن ليس باعتبارها بديلًا كاملًا للمسارات البحرية، وإنما كجزء من استراتيجية لتنويع طرق التجارة.

ميدل ايست نيوز: لا يمكن تقييم لقاء وزير الخارجية الأرمني آرارات ميرزويان مع عباس عراقجي في طهران على أنه مجرد مشاورات دبلوماسية اعتيادية بين دولتين متجاورتين. فقد جاءت هذه الزيارة في وقت تشهد فيه معادلات جنوب القوقاز تغيرات متسارعة، بينما أدت القيود المفروضة على الطرق البحرية الإيرانية إلى زيادة أهمية المسارات البرية والجيران الشماليين بالنسبة إلى التجارة الخارجية لطهران. وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الهدف من الزيارة هو إجراء مشاورات بشأن تطوير العلاقات الثنائية، والتعاون الإقليمي، وتعزيز السلام والأمن في جنوب القوقاز.
تقول صحيفة دنياي اقتصاد، إنه إذا نظرنا إلى الزيارة على المستوى السياسي، فإنه يمثل إحدى أهم القضايا التي يمكن بحثها خلال هذه الزيارة في تطورات جنوب القوقاز، وعلاقة طهران ويريفان بالترتيبات الإقليمية الجديدة. حيث شددت إيران خلال السنوات الأخيرة على الحفاظ على الحدود الدولية ومسارات الاتصال القائمة في المنطقة، وفي الوقت نفسه سعت إلى تطوير علاقاتها مع أرمينيا باعتبارها إحدى قنوات حضورها وتأثيرها في منطقة القوقاز.
في المقابل، تسعى أرمينيا أيضًا إلى تنويع مساراتها للاتصال والتبادل الاقتصادي. ومن هذا المنظور، قد تهدف المشاورات المباشرة بين طهران ويريفان بشأن تطورات القوقاز إلى بحث كيفية تأثير التحولات الجيوسياسية في المنطقة على الحدود والممرات والعلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أيضًا في ما يتعلق بتوازن علاقات أرمينيا مع أذربيجان. فأي تغيير في بنية النقل في جنوب القوقاز، ولا سيما في مسارات الاتصال بين أذربيجان وأرمينيا وتركيا وإيران، يمكن أن يؤثر في مكانة كل دولة من دول المنطقة. لذلك، فإن العلاقة مع يريفان بالنسبة إلى طهران ليست مجرد علاقة ثنائية، بل تشكل جزءًا من سياسة الحفاظ على الوصول إلى منطقة القوقاز ومنع تراجع دور مسارات الاتصال الإيرانية في المعادلات الإقليمية.
أما المحور الثاني، فيتمثل في الاقتصاد والترانزيت، وهو المجال الذي قد يشكل الدافع الأكثر وضوحًا لاستمرار المشاورات بين طهران ويريفان. فقد شهدت التجارة بين إيران وأرمينيا نموًا خلال السنوات الأخيرة. ووفقًا لوزارة الاقتصاد الأرمينية، بلغت المبادلات التجارية بين البلدين 692.4 مليون دولار في عام 2023، منها 94.5 مليون دولار صادرات أرمينية إلى إيران، و597.9 مليون دولار واردات أرمينية من إيران. وفي عام 2024، بلغت واردات أرمينيا من إيران 639.7 مليون دولار، قبل أن ترتفع في عام 2025 إلى 690.4 مليون دولار، ما يعني أن إيران كانت من بين الشركاء التجاريين المهمين لأرمينيا.
ولا تقتصر أهمية هذه التجارة على حجم المبادلات، بل تزداد أهمية مسارات نقل السلع أيضًا. فأرمينيا هي الدولة الوحيدة العضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي التي تمتلك حدودًا برية مباشرة مع إيران، وهو ما يجعلها حلقة محتملة بين السوق الإيرانية وسوق الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
وعلى الرغم من أن إيران ليست عضوًا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، فإن اتفاقية التجارة الحرة الشاملة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي دخلت حيز التنفيذ في 15 مايو/أيار 2025، ما أوجد إطارًا جمركيًا أكثر ملاءمة لتطوير التجارة بين إيران والدول الأعضاء في الاتحاد.
وفي ظل هذه الظروف، يكتسب المعبر الحدودي بين إيران وأرمينيا في منطقة نوردوز ـ أغاراك أهمية إضافية. ويمكن أن يشكل الطريق البري بين إيران وأرمينيا جزءًا من شبكة تربط السلع الإيرانية بأسواق أوراسيا، كما يتيح في الاتجاه المعاكس وصول السلع الأرمينية والأوراسية إلى السوق الإيرانية.
كما سبق أن جرى التأكيد على فكرة استخدام أرمينيا جسرًا تجاريًا بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي في وثائق وتصريحات رسمية للجانبين. وقد اكتسبت هذه الإمكانية أهمية أكبر في الظروف الراهنة. فالاضطرابات التي تشهدها الطرق البحرية في جنوب إيران والقيود الناجمة عن الأزمة في مضيق هرمز جعلت الاعتماد على المسارات البحرية في التجارة الخارجية أكثر خطورة، وزادت اهتمام طهران بالخيارات البرية والشمالية. وتشير تقارير حديثة إلى مساعي إيران لاستخدام المسارات الشمالية والبرية بصورة أكبر ردًا على اضطراب التجارة البحرية.
وفي هذا السياق، يمكن لأرمينيا أن تكون أحد المسارات المكملة للتجارة الإيرانية مع أسواق القوقاز وأوراسيا، ولكن ليس باعتبارها بديلًا كاملًا للمسارات البحرية، وإنما كجزء من استراتيجية لتنويع طرق التجارة.
وتعدّ عوامل مثل تطوير البنية التحتية الحدودية، وتقليص مدة انتظار الشاحنات، والتنسيق الجمركي، وزيادة الطاقة الاستيعابية للطرق، وتنشيط مسارات الشمال ـ الجنوب، من العناصر التي يمكن أن تحدد القدرة الفعلية لهذا المسار.
وبالتالي، يمكن النظر إلى زيارة ميرزويان إلى طهران عند نقطة تقاطع ضرورتين: إدارة التحولات الجيوسياسية في القوقاز، وتعزيز المسارات الاقتصادية والترانزيتية الإيرانية باتجاه الشمال. وبالنسبة إلى أرمينيا أيضًا، فإن العلاقة مع إيران لا تقتصر على الاستيراد والتصدير، بل إن الوصول إلى دولة مجاورة غير عضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وتتمتع بموقع جغرافي مختلف، يمكن أن يشكل جزءًا من سياسة تنويع مساراتها التجارية.



