الصحافة الإيرانية: إيران مطالبة بالخطوة الأولى لإنهاء حرب اليمن
إذا كانت إيران تعتبر نفسها مدافعة عن الأمة الإسلامية، فإن الوقت الحالي هو الأنسب لإثبات ذلك، ليس بصاروخ آخر، وإنما بيد تمتد للإصلاح والسلام بين طائفتين مسلمتين.

ميدل ايست نيوز: عادت الحرب إلى اليمن من جديد، وتزداد اشتعالًا يومًا بعد يوم، لكنها هذه المرة لم تعد حربًا يمنية فحسب. سماء صنعاء تتعرض للقصف، والصواريخ تصل إلى الرياض وينبع ورابغ. ومع تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مواجهة الحوثيين الأسبوع الماضي، تشكلت معادلة جديدة. ففي جهة تقف دولة تطلق على نفسها اسم «خادم الحرمين الشريفين»، إلى جانب دولتين إسلاميتين كبيرتين، وفي الجهة الأخرى حركة تقدم نفسها بوصفها أحد أبرز رايات المقاومة. وبينهما شعب يعيش منذ أكثر من عقد واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في عصرنا.
وساطة إيران
يقول محمد إبراهيم أنصاري لاري، باحث في مجال الثقافة والسياسة، في مقال لصحيفة هم ميهن، إنه قد يبدو اقتراح قيام إيران بالوساطة في النزاع الدموي بين السعودية والحوثيين متناقضًا للوهلة الأولى. فكيف يمكن لإيران، التي تُعرف، صوابًا أو خطأً، بدعم الحوثيين وحتى التحالف معهم، أن تؤدي دور الوسيط الموثوق؟
لنكن صريحين
إيران ليست طرفًا محايدًا في هذه الحرب. فالحوثيون مقربون جدًا من إيران، ويمكن وصفهم بأنهم حليف طهران في شبه الجزيرة العربية، فيما ينظر إليهم العالم باعتبارهم ذراع إيران الإقليمية. فهل يبدو اقتراح الوساطة الإيرانية ساذجًا أو منافقًا؟
لا، بالطبع، شرط أن نفهم معنى الوساطة على نحو صحيح. فالوسيط الفعّال ليس بالضرورة محايدًا، وإنما هو من يستطيع دفع أحد الأطراف إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وضمان التزامه بتعهداته. وتكمن قيمة إيران بالنسبة إلى الرياض تحديدًا في هذه العلاقة الوثيقة. فمن وجهة نظر الرياض والمنطقة وواشنطن، لن يصمد أي وقف لإطلاق النار مع الحوثيين من دون موافقة طهران. ومن خلال اقتراح الوساطة، يمكن لما يُعد اليوم «اتهامًا» لإيران أن يتحول غدًا إلى «رأس مال» للسلام.
علاقة جريحة لكنها لم تنقطع
تمر العلاقات الإيرانية السعودية اليوم بأصعب ظروفها منذ اتفاق بكين. ففي الأيام الأولى من حرب فبراير/شباط، استهدفت طائرات مسيرة إيرانية مصفاة رأس تنورة. وقالت طهران إن هدفها كان المصالح الأميركية، لكن الرياض اعتبرت الهجوم استهدافًا لأراضيها وشريانها الاقتصادي. وكان باب المصالحة الذي فُتح بصعوبة يوشك على أن يُغلق من جديد.
مع ذلك، لم ينقطع الخيط. فلا تزال السفارتان مفتوحتين، ولم يغلق أي من العاصمتين طريق العودة. هذا يدل على أن الطرفين، رغم كل مشاعر الاستياء، يدركان أن القطيعة الكاملة ليست في مصلحة أي منهما.
لكن العلاقة الجريحة لا تُرمم بالبيانات واللقاءات البروتوكولية، بدءًا من حضور نائب الرئيس الإيراني مراسم في السفارة السعودية، وصولًا إلى مشاركة السفير السعودي في مراسم عزاء رجل دين شيعي بارز في قم. لا يمكن تغيير الجار، لكن يمكن تغيير طريقة التعامل معه. والثقة بين الجيران لا تُبنى بالكلام، وإنما بالأفعال، من خلال خطوة يرى فيها الطرف الآخر دليلًا على حسن النية، لا مناورة تكتيكية.
ويُعد اقتراح الوساطة في اليمن تحديدًا خطوة من هذا النوع. فمن خلاله تقول إيران للرياض: لا نريد أن تظل حدودكم الجنوبية مشتعلة إلى الأبد.
رسالة واضحة وبناءة
لا توجد رسالة أوضح من ذلك بالنسبة إلى السعودية، لأن اليمن لم يعد بالنسبة إلى الرياض منذ سنوات مجرد ملف في السياسة الخارجية، بل جرحًا قديمًا إلى جوار المنزل. ومن يبادر إلى تضميد هذا الجرح ومنع مزيد من الحرب وسفك الدماء بين طائفتين مسلمتين، سيكسب ثقة أكبر من تلك التي يمكن أن تحققها أي زيارة أو بيان أو تحرك سياسي آخر.
ليس من الضروري أن تدخل إيران وحدها إلى الميدان
كانت عُمان لسنوات وسيطًا موثوقًا بين الحوثيين والسعودية. والآن، مع دخول تركيا وباكستان إلى المشهد، ظهرت فرصة لم تكن متاحة من قبل. فالدولتان تربطهما علاقات عمل مع إيران، لكنهما تقفان الآن في المعسكر المقابل، ولهما أيضًا مصالح في إنهاء الحرب.
ومن شأن مبادرة مشتركة مع مسقط، وبالتنسيق مع أنقرة وإسلام آباد، أن تقلل اتهامات الانحياز وتوفر ضمانات أكبر لتنفيذ الاتفاق. ويمكن أن تبدأ هذه المبادرة بوقف فوري لإطلاق النار، ووقف استهداف البنية التحتية المدنية، وتبادل الأسرى، وصولًا إلى طاولة حوار يمني-يمني.
السلام في اليمن يصب في مصلحة إيران
لا ينبغي أن ننسى أن هذه الحرب خرجت من رحم حربنا الأكبر مع الولايات المتحدة. فكل يوم تستمر فيه الحرب يوفر ذريعة جديدة للضغط على إيران، ومبررًا للحضور العسكري الأجنبي في المنطقة، وكلفة على سمعة الجمهورية الإسلامية في العالم الإسلامي.
إن تفعيل اتفاقية مكة يمثل جرس إنذار لا ينبغي تجاهله. وإذا استمرت هذه الحرب، فستظهر إيران في الرأي العام بالعالم الإسلامي لا في مواجهة الولايات المتحدة، وإنما في مواجهة ثلاث دول مسلمة، وهي الصورة نفسها التي لطالما تمناها خصوم إيران.
والدولة التي خاضت بنفسها حربًا مفروضة تعرف أكثر من غيرها أن المنتصر الحقيقي في حرب بين المسلمين هو طرف من خارج العالم الإسلامي.
وساطة مختلفة تمامًا
ستكون الوساطة من موقع القرب من أحد الأطراف، وفي ظل علاقة جريحة مع الطرف الآخر، أمرًا استثنائيًا وغير مسبوق وصعبًا للغاية، وقد تثير الشكوك لدى الجانبين. لكن البديل عن ذلك هو الصمت أو تشجيع الحرب، وهذا لا ينسجم مع قوله تعالى: «فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا».
وإذا كانت إيران تعتبر نفسها مدافعة عن الأمة الإسلامية، فإن الوقت الحالي هو الأنسب لإثبات ذلك، ليس بصاروخ آخر، وإنما بيد تمتد للإصلاح والسلام بين طائفتين مسلمتين.



