طهران وواشنطن على حافة التصعيد: موسكو تعجز عن كسر الجمود

تراوح الدبلوماسية بين طهران وواشنطن مكانها على الرغم من تبادل الرسائل المستمر، وجهود الوسطاء، لا سيما قطر، لخفض التصعيد وإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض.

ميدل ايست نيوز: تراوح الدبلوماسية بين طهران وواشنطن مكانها على الرغم من تبادل الرسائل المستمر، وجهود الوسطاء، لا سيما قطر، لخفض التصعيد وإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض. وفي ظل هذا الجمود، يتسارع النسق الميداني نحو مزيد من التوتر، متزامناً مع هجمات إيرانية متزايدة تستهدف السفن التي تحاول العبور من مسارات غير إيرانية في مضيق هرمز، وتصاعد لافت في التهديدات الأميركية، فضلاً عن تسريبات بشأن هجوم إسرائيلي محتمل قبيل انتخابات الكنيست في 27 من الشهر الجاري.

في المقابل، تبدي طهران استنفاراً عسكرياً واسعاً مع عملية اختبار صواريخ جديدة قبل أيام والتهديد بالكشف عن أسلحة جديدة، موجهةً تحذيرات شديدة اللهجة إلى واشنطن وعواصم في المنطقة من مغبة اندلاع جولة جديدة من الحرب، مع التلويح بتوسيع نطاق الرد ليشمل جغرافيا جديدة وتوغلات برية. ويضاف إلى ذلك تعقيدات المشهد الإقليمي مع تجدد المواجهات بين الحوثيين والسعودية، في تطور يربطه مراقبون برحى حرب أوسع نطاقاً تدور بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية.

روسيا تدخل على الخط

في غضون ذلك، دخلت روسيا، قبل نحو أسبوع، على خط الوساطة، حيث أعلن الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين، نقل بالتنسيق مع نظيره الإيراني مسعود بزشکیان، الرؤية الإيرانية بشأن الحل المحتمل لإنهاء الحرب مع أميركا إلى رئيسها دونالد ترامب، خلال اتصال هاتفي جرى بينهما مؤخراً.

وفي هذا السياق، أوضح المتحدث باسم الكرملين دمتري بيسكوف، يوم السبت الماضي، أن بوتين كان قد أطلع بزشکیان في أحد لقاءاتهما على الاتصال الهاتفي الوشيك الذي سيجمعه بالرئيس الأميركي. وجاء هذا التواصل على هامش اللقاء الثنائي الذي جمع الرئيسين الروسي والإيراني في تركمانستان، الأسبوع الماضي، على هامش قمة الدول المستقلة.

وحول ما نقله الرئيس الإيراني إلى نظيره الروسي، صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مؤتمره الصحافي، أول من أمس الاثنين، بأن بزشكيان عرض مواقف طهران بوضوح أمام بوتين، مجدداً شرح الخطة الإيرانية المؤلفة من سبعة أيام، فضلاً عن إحاطة الجانب الروسي بجميع الملاحظات والنقاط الشاملة حول مجمل الملف.

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت روسيا قد انضمت رسمياً إلى قائمة الوسطاء، أكد بقائي أن طهران طالما رحّبت بمساعي الدول الصديقة، مستدركاً بالتأكيد أنه “من الناحية الفنية بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تزال كل من باكستان وقطر تلعبان دور الوسيط الفعلي بين إيران وأميركا”. وأضاف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن المشاورات الإيرانية الروسية في مختلف الملفات، ولا سيما الملف النووي، ليست أمراً جديداً.

خطى روسية ضعيفة وباهتة

وحول هذه التطورات، قال الخبير الإيراني علي قلهكي، إن الدبلوماسية الروسية “تسير بخطى ضعيفة وباهتة”، مضيفاً أن الروس يسعون في وساطتهم الجديدة إلى ربط ملف الحرب بين إيران وأميركا بملف الحرب الروسية الأوكرانية ليُحلا بالتوازي، وهو ما يفسّر حضورهم الأكثر نشاطاً مقارنة بالسابق.

وأضاف قلهكي أن إيران أبدت مرونة، إلا أن التموضع الإقليمي الحالي يؤكد أن احتمالات الحرب تبدو أقوى بكثير من فرص التوصل إلى تسوية أو اتفاق. وتابع الخبير الإيراني أن التقديرات الراهنة تشير إلى أن موجة جديدة من التصعيد العسكري قد تندلع في أي لحظة، لكنه استدرك بالقول إن الجانب الأميركي لا يرغب في التورط بحرب واسعة النطاق مع إيران قبل انتخابات الكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، مفضلاً تأجيل توسيع المواجهة العسكرية إلى ما بعدها.

طبيعة الحرب القادمة بين واشنطن وطهران

بدوره، يرى الخبير العسكري الإيراني، مهدي بختياري، أن احتمالية اندلاع حرب أخرى “واردة بقوة”، لكنه يستبعد أن تكون طويلة الأمد، وستكون على الأرجح حرباً شديدة الضغط والكثافة.

وأوضح بختياري أن واشنطن تراهن على محاولة جديدة لمعرفة ما إذا كان بإمكانها تحقيق مكاسب عبر القوة العسكرية للخروج من المأزق الذي ورّطت نفسها فيه مع إيران، مشيراً إلى أن واشنطن وتل أبيب خاضتا حربين ضد إيران، ورغم التكاليف الباهظة والخسائر التي لحقت بالجانب الإيراني، فإنهما لم تتمكنا من تحقيق أي إنجاز استراتيجي، بل واجهتا تحديات جديدة، أبرزها أزمة مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة والوقود عالمياً.

وأكد الخبير العسكري أنه “من غير المنطقي التخلي عن هذا المسار دون تحقيق نتائج”. وأضاف أن هذه الحرب المتوقعة ستختلف عن الجولتين السابقتين، مرجحاً أن تركز على المواقع النووية وجنوب إيران، وبشكل خاص تأمين فتح مضيق هرمز.

أمّا بشأن ردات الفعل الإيرانية المتوقعة، فلفت الخبير العسكري إلى أن القادة والمسؤولين رفيعي المستوى في إيران أعدوا أنفسهم لمثل هذا السيناريو وصاغوا استراتيجيات جديدة، قد يكون أبرزها التركيز المكثف على استهداف القطع البحرية الأميركية، وهو ما جرت تجربته واختباره خلال الأسابيع الماضية، عبر إطلاق النار باتجاه المدمرات الأميركية، إلى جانب احتمال استهداف عدد أكبر من القواعد الأميركية في المنطقة، لا سيما في الإمارات، انطلاقاً من قناعة بأن ضرب المصالح الأميركية هناك “ذو تأثير بالغ” على كبح جماح الحرب.

وعن الأجواء الإيرانية، قال بختياري إن النخبة والشارع الإيراني باتوا يرجحون اندلاع جولة جديدة من المواجهة، وقد أعادت المؤسسة العسكرية ترميم قدراتها الصاروخية والدفاعية خلال الأسابيع الأخيرة، تحسباً لمشهد بحري غير مسبوق عنوانه الأبرز استهداف المدمرات الأميركية.

فجوة عميقة بين الشروط

من جهته، يرى رئيس التحرير السابق لصحيفة “فرهيختغان” الإيرانية المحافظة، مسعود فروغي أن طبيعة الانتخابات لدى الطرفين الأميركي والإسرائيلي ترتبط طردياً بظروف ساحة المعركة وجدوى الخيارات العسكرية مع إيران. وأشار فروغي إلى أن الحرب لم تتوقف بمعناها التقليدي الواسع، بل تغير شكلها وغطاؤها الجغرافي؛ فمن منظور طهران، تنتهي الحرب عندما تقتنع واشنطن بأن الأدوات العسكرية عاجزة عن إحداث تغيير في بنية أو سلوك النظام السياسي الإيراني. وفي المقابل، تريد واشنطن بحسب قوله استسلاماً إيرانياً كاملاً سواء في الميدان أو عبر الدبلوماسية.

ويوضح فروغي أنّ الهوة بين مطلب الطرفين شاسعة إلى حدّ تعجز أي مائدة مفاوضات عن ردمها، فالتفاوض وفق قوله بشروطه الحالية يشبه وقوف طرفين على مسافة خمسين كيلومتراً دون أدوات تواصل، بل ولا تكفي مسافة كيلومتر واحد لسماع الصوت. وبالتالي، يخلص إلى أن الميدان يظل أساس المعادلة، مرتكزاً على عنصر القدرة على الاحتمال السياسي والاقتصادي والاجتماعي للجانبين.

ولفت فروغي إلى أن حدّة التصعيد الكلامي والسياسي تعكس محاولة للتأثير في الحسابات الاستراتيجية للعدو، وسواء كانت إدارة ترامب تنوي دخول حرب مباشرة قبيل انتخاباتها أم لا، فإنها تسعى إلى فرض تهديد ضاغط لتعديل الحسابات الإيرانية. وتابع الخبير الإيراني أن التعويل على الدبلوماسية لن ينجح إلا عندما ترتفع تكلفة الحرب على إدارة ترامب إلى الحد الذي تجبره على إيقافها، وعندها فقط يمكن للدبلوماسية أن تؤتي ثمارها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى