جبهة الحجاب تعود مجددًا إلى إيران وسط مخاوف الحرب والانهيار المعيشي

عاد ملف الحجاب إلى واجهة الخلافات السياسية في إيران، وسط ضغوط اقتصادية ومخاوف من تجدد الحرب، ما يثير تساؤلات بشأن أولويات السلطة واتساع الفجوة مع المجتمع.

ميدل ايست نيوز: في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا اقتصادية ومخاوف من تجدد الحرب، عاد ملف الحجاب ليتصدر الخلافات السياسية، بدءًا من تشكيل لجنة للحجاب في جامعة طهران، مرورًا بهجوم صحيفة كيهان على مسعود بزشكيان، وصولًا إلى مطالبات بعض أئمة الجمعة باتخاذ إجراءات حازمة. والسؤال هنا: لماذا يتجدد هذا الخلاف القديم في مثل هذه الظروف، بدلًا من العمل على تخفيف التوترات الاجتماعية؟

وأظهر تشكيل لجنة للحجاب في جامعة طهران، في وقت تلقي فيه المخاوف من تجدد الحرب والضغوط المعيشية وحالة الغموض الاقتصادي بظلالها على حياة الناس، أن سياسات تحديد ملابس النساء لا تزال موضع نزاع سياسي، حتى في ظل هذه الظروف المأزومة. ويؤكد ذلك الهجوم الحاد الذي شنته صحيفة كيهان الأصولية، في عددها الصادر اليوم، على الرئيس مسعود بزشكيان ووزارة العلوم. كما شهدت الأيام الماضية مطالبات من بعض المسؤولين القضائيين والدينيين، عبر منابر مختلفة، باتخاذ إجراءات أكثر صرامة إزاء ما يصفونه بالتساهل في الالتزام بالحجاب.

ما هي لجنة الحجاب، وما دورها؟

أعلن محمد حسين أوميد، رئيس جامعة طهران، تشكيل لجنة لمعالجة مسألة ملابس الطلاب، موضحًا أن المجموعة بدأت نشاطها قبل نحو خمسة إلى ستة أشهر، وأنها تهدف إلى تسوية المشكلات من خلال الحوار مع الطلاب، قبل إحالة الحالات إلى مجلس التأديب.

للوهلة الأولى، يمكن اعتبار هذه الآلية محاولة للابتعاد عن الإجراءات العلنية والمكلفة، واستبدال الحوار بالإحالة المباشرة إلى اللجان التأديبية. لكن هذا الإعلان يطرح سؤالًا مهمًا: لماذا ينبغي التعامل مع ملابس الطلاب عبر لجنة سرية، تبدأ قبل كل شيء باستدعاء الأفراد؟ هل الهدف تحويل الخلاف حول الملابس إلى مسألة تعليمية وثقافية، أم أن الجامعة تسعى إلى مواصلة سياسة الرقابة ذاتها، ولكن بطريقة أقل إثارة للضجة؟

تعتمد الإجابة عن هذا السؤال على تفاصيل لم تتضح بعد، من بينها معايير تحديد المخالفة، وهوية أعضاء اللجنة، ومدى تمتع الطالب بحق الدفاع عن نفسه والاعتراض، وما إذا كان الحوار اختياريًا فعلًا أم أن رفض الدعوة إليه قد تترتب عليه عواقب تأديبية. وما لم تُعلن هذه التفاصيل، فلا يمكن اعتبار مجرد استخدام كلمة «الحوار» دليلًا على التخلي عن الإجراءات العقابية.

ومع ذلك، فإن اختيار هذه الآلية يشير إلى أن إدارة الجامعة تسعى، على الأقل وفق ما أعلنته، إلى تجنب إحالة جميع الحالات فورًا إلى مجلس التأديب. وهذا النهج لا يتطابق مع مطالب التيارات التي تدعو إلى اتخاذ إجراءات حازمة من دون أي تساهل. وهنا تحديدًا تتجاوز قضية الحجاب حدود المسألة الجامعية لتتحول إلى نزاع بشأن السياسة الثقافية للحكومة.

جامعة أم مؤسسة لإعداد كوادر منسجمة مع توجهات النظام؟

هاجمت صحيفة كيهان الحكومة ووزارة العلوم صراحةً في عنوانها الرئيسي الصادر اليوم الثلاثاء، تحت عنوان: «السيد بزشكيان! ماذا يحدث في وزارة العلوم؟!». ولا يقتصر محور التقرير على الحجاب؛ إذ وضعت الصحيفة مسألة ملابس الطلاب إلى جانب انتقاداتها لوجود بعض الأساتذة، وآليات تعيين أعضاء هيئة التدريس، وما تصفه بالتغاضي عن المعايير الدينية والثورية المطلوبة، مطالبةً الحكومة باتخاذ إجراءات أكثر حزمًا إزاء ما تعتبره سلوكيات تهدد هوية الجامعة.

وتكمن أهمية هذا الموقف في أن كيهان تنظر إلى الخلاف حول الحجاب باعتباره جزءًا من نقاش أوسع بشأن تركيبة الكوادر الجامعية وحدود حرية وزارة العلوم في التصرف. ووفق هذا التصور، لا تقتصر وظيفة الجامعة على التعليم والبحث العلمي، بل ينبغي أن تؤدي دورًا محددًا في إعداد المديرين المستقبليين والحفاظ على القيم الرسمية للنظام أيضًا.

ولهذا السبب، يُطرح وجود أستاذ لا تتوافق آراؤه مع المعايير السياسية والعقائدية التي يقبلها هذا التيار إلى جانب قضية ملابس الطلاب. وعندما توضع كل هذه المسائل تحت عنوان عام هو «تهديد هوية الجامعة»، يبرز خطر تحويل الاختلاف السياسي أو الثقافي بدوره إلى قضية تأديبية وأمنية.

أما طرح كيهان هذه القضية مباشرةً باسم بزشكيان، فيحمل دلالة سياسية واضحة؛ إذ يشير إلى أن الحكومة، بالتزامن مع تعرضها لضغوط دولية بسبب الظروف شبه الحربية، تواجه ضغوطًا من الرأي العام والمجتمع نتيجة المشكلات الاقتصادية والمعيشية، فضلًا عن ضغوط التيار المتشدد بسبب القضايا الثقافية، ومنها ملابس النساء.

من تعليمات وزارة العلوم إلى انتقادات رئيس المحكمة العليا

تجدر الإشارة إلى أن تشكيل لجنة في جامعة طهران لم يحدث فجأة أو بمعزل عن السياق العام. فقبل ذلك بأسابيع، أعلن سعيد كرمي، معاون الشؤون الثقافية والسياسية في مكتب ممثل المرشد الأعلى الإيراني لدى الجامعات، إعداد تعليمات بشأن الحجاب في الجامعات، وقال إن وزارتي العلوم والصحة ستصدرانها رسميًا. وأكد آنذاك أن القوانين القائمة بشأن الحجاب مناسبة، وأنه ينبغي إعادة تسليط الضوء عليها.

وفي سياق هذه التطورات، أصدرت وزارة العلوم تعليمات إلى الجامعات تحت عنوان «الانضباط والمظهر والأخلاق والسلوك الجامعي». وشدد النص المنشور لهذه التعليمات على ضرورة التزام النساء والرجال بملابس تتناسب مع الثقافة الإيرانية الإسلامية والأعراف الجامعية.

من جانبه، انتقد رجل الدين محمد جعفر منتظري، رئيس المحكمة العليا في إيران، تعليمات وزارة العلوم خلال اجتماع الهيئة العامة للمحكمة في 6 أكتوبر، وقال إن الحجاب والالتزام بالأعراف الإسلامية لم يُذكرا فيها بصورة صريحة. واعتبر أن هذا الوضع لا يليق بالمجتمع الإسلامي.

وأظهر هذا التصريح أن الخلاف بشأن مدى وضوح القواعد وآليات تطبيقها لم ينتهِ حتى بعد إصدار التعليمات الجديدة.

عودة الحجاب إلى المنابر الرسمية

لم يقتصر طرح قضية الحجاب خلال الأسابيع الأخيرة على وزارة العلوم والجهاز القضائي؛ إذ شدد أئمة الجمعة أيضًا في خطبهم على ضرورة الالتزام بالحجاب ومسؤولية السلطة الحاكمة عن نشر نمط الحياة الذي يقره النظام.

واعتبر محمد جواد حاج علي أکبري، خطيب الجمعة في طهران، أن «الحياة القائمة على العفة» من المسؤوليات العامة وواجبات السلطة الحاكمة، داعيًا وسائل الإعلام والأكاديميين والعلماء والنخب إلى الإسهام في نشر نمط الحياة الذي تريده السلطة ودعم الأسرة.

أما محمد سعيدي، إمام الجمعة في قم، فوصف «خلع الحجاب» بأنه «حرام شرعي وسياسي»، وطالب باتخاذ إجراءات قانونية وأمنية حازمة بحق النساء غير المحجبات.

بدوره، شدد أحمد خاتمي، إمام الجمعة المؤقت في طهران، على أن النظام لا يدعم عدم ارتداء الحجاب، في إشارة إلى مشاركة نساء يرتدين ملابس اختيارية في التجمعات الليلية.

ليس الوقت مناسبًا لافتعال أزمة جديدة

إن الإصرار على مواصلة النزاع بشأن الحجاب، ولا سيما في الظروف الراهنة التي تواجه فيها البلاد والسكان ضغوطًا واسعة وأزمات شديدة، لا يبدو منطقيًا، ومن المؤكد أنه ستكون له تبعات. ويتمثل أبرز هذه التبعات في الإضرار بالتماسك والوحدة الوطنية، اللذين تحتاج إليهما البلاد اليوم أكثر من أي وقت مضى.

ومن ناحية أخرى، يُرجح أن تؤدي هذه المقاربات إلى اتساع الفجوة بين الشعب والسلطة. كما أن تصاعد الاستياء الاجتماعي، في وقت بلغ فيه صبر الناس حدوده بسبب الاضطرابات الاقتصادية، يزيد من خطر اندلاع الاحتجاجات والتجمعات. وهنا لا ينبغي تجاهل دروس التجارب السابقة والأحداث المؤلمة التي شهدتها البلاد في خريف عام 2022.

ولا يهدف هذا التقرير إلى تأييد تجاهل القيم الدينية، بل إلى التأكيد على ضرورة ترتيب الأولويات بصورة صحيحة. ففي وقت تتعدد فيه أسباب استياء المجتمع، وتواجه فيه السلطات أزمات في مجالات مختلفة، فإن تخصيص الوقت والموارد لتشكيل لجان متعددة، أو منح المنابر الرسمية والحساسة مساحة لقضايا تهدد الوحدة الوطنية، يبعث برسالة إلى المجتمع مفادها أن أحدًا في دوائر السلطة والنفوذ لا يفكر في حل مشكلاته.

إن استمرار هذا النهج من شأنه أن ينقل قضية ملابس النساء من مستوى الخلاف القيمي بين فئات المجتمع المختلفة إلى مستوى أزمة في الحكم وإدارة الدولة. ومن الواضح أن افتعال المشكلات في الظروف الراهنة لا يخدم مصلحة البلاد والشعب. ويؤكد ذلك ما صدر عن بعض الشخصيات والتيارات السياسية، ومنها غلام علي حداد عادل، الذي سبق أن قال إنه لا يمكن وضع قضية الحجاب في مقدمة الأولويات بسبب ظروف الحرب التي تمر بها البلاد.

ومن المهم التشديد على أن للجامعة موقعًا خاصًا في هذا السياق. فهي ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل إحدى أهم المساحات التي تتشكل فيها النقاشات الاجتماعية والسياسية في البلاد. ولذلك، تكتسب القرارات الإدارية المتعلقة بملابس الطلاب والانضباط الجامعي وحرية الأنشطة العلمية أهمية خاصة، إذ يمكن أن تتجاوز آثارها حدود الجامعة لتنعكس على المجتمع بأسره.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر + سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى