الصحافة الإيرانية: قراءة في التحركات الروسية لمنع عودة الحرب بين طهران وواشنطن

تسعى موسكو إلى الوساطة بين طهران وواشنطن لمنع عودة الحرب، لكن الخلافات النووية العالقة تثير تساؤلات بشأن قدرتها على كسر الجمود الدبلوماسي.

ميدل ايست نيوز: تأتي زيارة الرئيس الإيراني إلى روسيا في وقت تلقي فيه احتمالات اندلاع الحرب مجدداً بظلالها على العلاقات بين طهران وواشنطن. وبالتزامن مع تصاعد التوترات وتكهنات بعض وسائل الإعلام الأجنبية، بينها شبكة «سي إن إن»، بشأن احتمال استئناف المواجهة العسكرية، كثّفت موسكو تحركاتها الدبلوماسية. وخلال الأسابيع الماضية، برزت مؤشرات واضحة على مساعي الكرملين للحفاظ على المسار الدبلوماسي، بدءاً من تصريحات فلاديمير بوتين بشأن استعداد روسيا للمساعدة في تسوية الأزمة، مروراً بزيارة سيرغي لافروف إلى طهران، وصولاً إلى إعلان مسؤولين روس آخرين استعدادهم للوساطة.

تأتي زيارة مسعود بزشكيان إلى روسيا للمشاركة في قمة منتدى الدول المصدّرة للغاز، في وقت يمكن فيه لطهران وموسكو استغلال هذه الفرصة للتشاور بشأن التطورات الإقليمية وسبل احتواء التوترات. وفي هذا السياق، عقد الرئيس الإيراني لقاءات على هامش القمة مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي كلمته خلال القمة، قال بزشكيان إن العقوبات الأحادية الجانب والإرهاب الاقتصادي الأميركي ضد إيران يعرّضان استقرار أسواق الطاقة لمخاطر جدية، مؤكداً ضرورة أن يدين كبار منتجي الطاقة في العالم التدخلات العسكرية الأميركية في منطقة الخليج وأن يتصدوا لها بفاعلية.

من جانبه، رحّب الرئيس الروسي، خلال القمة الثامنة لرؤساء منتدى الدول المصدّرة للغاز، بتصريحات مسعود بزشكيان بشأن ضرورة التصدي الجماعي للعقوبات الأحادية الجانب، مشيراً إلى أن المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي كان له تأثير كبير في تأسيس المنتدى.

تقول صحيفة دنياي اقتصاد في تقرير لها، إن السؤال الأساسي يتمثل الآن في ما إذا كانت روسيا قادرة على تجاوز إعلانات الاستعداد الدبلوماسي والاضطلاع بدور فعّال في منع عودة الحرب. وتعكس تصريحات بوتين الأخيرة خلال لقائه المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بشأن استعداد موسكو للمساعدة في تسوية النزاع بين طهران وواشنطن، رغبة الكرملين في الحفاظ على موقع فاعل ضمن المعادلة المتوترة بين إيران والولايات المتحدة.

والأربعاء الماضي، قال بوتين خلال لقائه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في سانت بطرسبورغ إن روسيا مستعدة لاتخاذ حتى أصغر الخطوات نحو تسوية الأزمة، مشيراً إلى العلاقات القديمة القائمة على الثقة بين موسكو وطهران. كما أكد أن المقترحات الروسية لحل قضايا الشرق الأوسط لا تزال مطروحة، في موقف يعكس رغبة موسكو في الحفاظ على دورها في تطورات المنطقة.

وفي السياق نفسه، تكتسب زيارة سيرغي لافروف إلى طهران، الأحد 18 أكتوبر/تشرين الأول، ولقاؤه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أهمية خاصة. فقد شدد لافروف على ضرورة التوصل إلى حل سياسي، معلناً استعداد موسكو للمساعدة في منع عودة المواجهات واسعة النطاق.

وتشير هذه المواقف، إلى جانب تأكيد بوتين استمرار صلاحية مقترحات الكرملين، إلى سعي روسيا لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع تحول الخلافات السياسية إلى مواجهة عسكرية. لكن إعلان الاستعداد للوساطة لا يعني بالضرورة القدرة على إنجاحها، لا سيما أن الخلافات بين طهران وواشنطن لا تزال قائمة بشأن قضايا جوهرية.

ويرى بعض المحللين أن علاقات روسيا مع إيران، إلى جانب احتفاظها بعلاقات قديمة مع إسرائيل، تمنحها موقعاً يتيح لها التواصل مع أطراف مختلفة. ويؤكد المحلل السياسي ألكسندر كارغين هذه الإمكانية، معتبراً أن علاقات موسكو مع طهران وتل أبيب، فضلاً عن قناة الاتصال التي يحتفظ بها الكرملين مع الإدارة الأميركية، من العوامل التي قد تساعد روسيا على أداء دور الوسيط.

على الرغم من هذه المعطيات، تواجه الوساطة الروسية عقبات عدة. فالخلافات الجوهرية بين إيران والولايات المتحدة، ولا سيما بشأن الملف النووي، لا تزال من دون حل. كما أن طهران لم تقبل المقترح الروسي السابق بنقل جزء من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى روسيا.

وتوضح هذه المسألة أن امتلاك قنوات اتصال وعلاقات وثيقة مع أطراف مختلفة لا يكفي وحده لكسر الجمود الدبلوماسي، ما لم تتوافر أرضية للتوصل إلى اتفاق. وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن تشكل زيارة بزشكيان إلى روسيا فرصة للتشاور بشأن مستقبل الأزمة وبحث السبل الكفيلة بمنع تصعيد التوترات. ولا تقتصر أهمية الزيارة على العلاقات الثنائية أو التعاون الاقتصادي ومجال الطاقة، إذ يُتوقع أيضاً أن تحتل التطورات الإقليمية والمخاوف من عودة المواجهات مكانة بارزة في مباحثات طهران وموسكو.

وبعيداً عن هذا المشهد، لا ينبغي ربط مستقبل العلاقات بين طهران وموسكو حصراً بنجاح وساطة بوتين أو فشلها. فإذا اندلعت الحرب مجدداً وأخفقت الجهود الدبلوماسية، فقد تزداد دوافع البلدين للحفاظ على التنسيق السياسي وتطوير التعاون الدفاعي ومتابعة الاتفاقات الاقتصادية واتفاقات الطاقة، وإن كان ذلك سيؤدي أيضاً إلى ارتفاع كلفة التعاون.

وقد وفّرت معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، التي وُقّعت في يناير/كانون الثاني 2025، إطاراً جديداً لتوسيع التعاون، لكنها لا تعني التزام الطرفين بالدفاع العسكري المتبادل. أما إذا نجحت الوساطة ولم تُستأنف الحرب، فستظل العلاقات الإيرانية الروسية تمتلك فرصاً للتوسع، ولا سيما في مجالات الطاقة والنقل والتجارة والتنسيق في أسواق الغاز العالمية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى