عصا سنتكوم وجزرة فانس.. هل تستعد واشنطن للحرب أم للتسوية؟
يصف محللون دوليون السلوك الأميركي الأخير بحق إيران بأنه نمط متكرر يقوم على «الحديث عن الدبلوماسية بالتزامن مع الاستعداد للحرب».
ميدل ايست نيوز: قبل أيام من إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، تتبادل واشنطن وطهران رسائل متناقضة بشأن مصير الحرب المستمرة منذ ثمانية أشهر. فمن جهة، تسعى إدارة دونالد ترامب، عبر إرسال رسائل سرية وفتح قنوات للوساطة في قطر وباكستان، إلى تقديم صورة توحي بميلها إلى التسوية، ومن جهة أخرى، تدق طبول مواجهة عسكرية بعد الانتخابات، من خلال وضع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في حالة تأهب، وإرسال مقاتلات ونشر منظومات باتريوت في إسرائيل. ويقيّم خبراء هذه الاستراتيجية باعتبارها مناورة نفسية تهدف إلى فرض الشروط النووية واحتواء التداعيات السلبية للحرب على أصوات الجمهوريين.
ودخل المشهد السياسي في الشرق الأوسط، مع اقتراب الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، في حالة من الترقب والتأهب القصوى. وشهدت الأيام الأخيرة تصاعداً في التحركات الدبلوماسية والمناورات العسكرية للبنتاغون.
فمن جهة، استعرض الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، خلال اجتماع حضوري في البيت الأبيض، بحضور وزير الدفاع بيت هيغسيث والجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، خيارات استئناف الهجمات العسكرية على إيران أمام ترامب.
وفي الوقت نفسه، كشفت وسائل إعلام عن تخطيط مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل لشن موجة جديدة من الهجمات بعد الانتخابات، وهو ما عززه ترامب أيضاً باستخدامه عبارة: «ربما نشعل جولة صغيرة أخرى من الغضب الملحمي».
لكن في اليوم نفسه، أظهرت تقارير أن جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، طرح في رسالة وجهها إلى محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، مقترحاً لاستئناف المفاوضات المباشرة وتسوية الأزمة بالطرق السلمية.
لعبة واشنطن المزدوجة.. عصا سنتكوم وجزرة فانس
يصف محللون دوليون هذا السلوك بأنه نمط متكرر يقوم على «الحديث عن الدبلوماسية بالتزامن مع الاستعداد للحرب». وبحسب قناة الجزيرة، يؤكد نادر هاشمي، أستاذ سياسات الشرق الأوسط في جامعة جورجتاون، أن ترامب سبق أن شن هجمات مفاجئة قبيل المفاوضات التي جرت في جنيف وسلطنة عُمان خلال عامي 2025 و2026.
ويرى هاشمي أن سلوك البيت الأبيض الحالي يعيد إنتاج النمط الخادع نفسه، إذ يستعد الجيش الأمريكي لشن حملة جوية تستهدف البنية التحتية المدنية، فيما لا تهدف مراسلات فانس سوى إلى تجنب وصم الإدارة الأمريكية بالتوجه نحو الحرب قبيل التصويت.
من جانبه، وصف كريس مورفي، عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، الخطط الهجومية للبنتاغون بأنها «جنونية»، وذلك عقب تلقيه إحاطة عسكرية سرية في واشنطن. وحذر مورفي من أن استهداف البنية التحتية المدنية في إيران سيؤدي إلى تصعيد لا يمكن احتواؤه للأزمة، وتدمير المصالح الأمنية الأمريكية، وانتهاك سيادة القانون.
كما كشف أن الحكومة الأمريكية تتستر على الخسائر الحقيقية للحرب، مشيراً إلى أن القاعدة العسكرية الأمريكية في البحرين أصبحت غير صالحة للاستخدام تماماً، فيما تعاني قاعدة العديد في قطر من تراجع حاد في قدرتها التشغيلية.
وبحسب إحصاءات البنتاغون، بلغت تكلفة الحرب المستمرة منذ ثمانية أشهر على دافعي الضرائب الأمريكيين 47.1 مليار دولار حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول، ذهب أكثر من 60 في المئة منها إلى القنابل والذخائر المستخدمة.
وساطة الدوحة وإسلام آباد في مواجهة شروط طهران السبعة
على الصعيد الدبلوماسي، وصلت مجدداً إلى طهران، يوم الجمعة، بعثة الوساطة القطرية لبحث مقترحات تهدف إلى كسر الجمود. وبحسب وكالة رويترز، قدمت قطر مسودة خطة سلام تتضمن وقف الهجمات في مضيق هرمز مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن جزء من الأصول المجمدة. لكن واشنطن تصر على إدراج الشروط والقيود النووية منذ بداية الاتفاق.
ورداً على هذه المطالب المبالغ فيها، أكد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، في موقف حازم، أن سياسة العصا والجزرة لن تؤثر في إرادة طهران، وأن إحراز أي تقدم مرهون بقبول الشروط الإيرانية السبعة. وتشمل هذه الشروط الإلغاء الكامل للعقوبات، وإنهاء الحصار البحري، وتقديم ضمانات ملموسة تحول دون تكرار الهجمات، والإفراج عن الأموال المصادرة.
في الوقت نفسه، فعّلت إسلام آباد دورها في تحقيق التوازن. وبحسب قناة العربية، أعلن الجيش الباكستاني، عقب زيارة قائد الجيش عاصم منير إلى طهران برفقة وزير الدفاع السعودي ورئيس الاستخبارات التركية، أنه «متفائل بحذر» إزاء إمكانية الوساطة بين إيران والولايات المتحدة.
وأشار المتحدث باسم الجيش الباكستاني، في معرض حديثه عن «اتفاقية الدفاع المشترك في مكة»، إلى أن الاتفاق لا يشكل عائقاً أمام انضمام أعضاء جدد، مؤكداً الترحيب بانضمام أي دولة تتبنى رؤية قائمة على الردع الجماعي.
وهم الاستقرار في هرمز وقفزة أسعار النفط في الأسواق العالمية
تحاول الحكومة الأمريكية، بالتزامن مع ذلك، تضخيم إنجازاتها في إعادة فتح طرق الملاحة عبر وسائل الإعلام. وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن القوات الأمريكية حاولت رفع صادرات النفط عبر مضيق هرمز إلى 14 مليون برميل يومياً، من خلال إنشاء ما وصفته بـ«فقاعة أمنية متحركة»، تضم مقاتلات ومنظومات دفاع جوي، إلى جانب إطفاء أجهزة الرادار التجارية.
كما نشر قائد سنتكوم مقطع فيديو ادعى فيه أن البحرية الإيرانية باتت في قاع البحر، وأن زوارق الحرس الثوري لم تعد تظهر في المضيق.
لكن هذه الادعاءات لم تنجح في تغيير الواقع الميداني. وكشفت واشنطن بوست أن الشركات الخاصة لا تزال تمتنع عن دخول مضيق هرمز، فيما تقتصر حركة الملاحة على الأساطيل الحكومية التي تعبر ضمن قوافل محفوفة بالمخاطر.
وحافظت إيران على قدرتها الردعية من خلال تغيير تكتيكاتها، واستهداف غرف محركات السفن بدلاً من إلحاق أضرار سطحية بها. وبحسب التقرير، تعرضت 25 سفينة على الأقل للاستهداف خلال أكتوبر/تشرين الأول، فيما غرقت سفينتان.
وبحسب بلومبرغ، تمثلت إحدى النتائج المباشرة لهذه الحرب النفسية واحتمال إقدام ترامب على مغامرة عسكرية بعد الانتخابات في الارتفاع الحاد لأسعار النفط العالمية. ولامس سعر خام برنت في تداولات يوم الجمعة مستوى 118 دولاراً للبرميل، متجهاً نحو تسجيل رابع ارتفاع شهري متتالٍ.
ويؤكد خبراء أسواق الطاقة أن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية تمثل المحفز الجيوسياسي الرئيسي لأسواق الطاقة، محذرين من أن إصرار واشنطن على المضي في السيناريو العسكري قد يدفع الأسواق العالمية إلى مواجهة صدمة يصعب السيطرة عليها.



