دول المنطقة أمام اختبار مصيري.. هل تتحول من متفرج على الحرب إلى وسيط للسلام؟

تدفع تداعيات الحرب بين إيران والولايات المتحدة دول المنطقة إلى تجاوز دور المتفرج والانتقال نحو تنسيق إقليمي قد يمهّد لمبادرة جماعية للسلام والأمن.

ميدل ايست نيوز: ينبغي تقييم التحولات التي شهدتها الأيام الأخيرة من أكتوبر/تشرين الأول 2026 في الشرق الأوسط، باعتبارها تتجاوز مجرد جولة جديدة من الوساطات الدبلوماسية ومحاولات إحياء المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. فما يجري اليوم في طهران والدوحة والرياض وأنقرة وإسلام آباد، يعكس تشكّل حالة من القلق الإقليمي المشترك إزاء مستقبل حرب بدأت بالهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ولا يزال أفق انتهائها غير واضح، رغم المحاولات المتعددة لاحتوائها.

يقول كرمان كرمي، وهو باحث ومحلل إيراني متخصص في قضايا الخليج والعلاقات الإقليمية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد: يبدو أن أبرز تطور في هذه المرحلة لا يقتصر على تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن، بل يتمثل في انخراط أكثر فاعلية للقوى الإقليمية في معادلة الحرب والسلام؛ إذ أدركت هذه الدول تدريجياً أنها لا تستطيع تحديد أمنها بمعزل عن مصير التطورات المحيطة بها. فقد بلغت الحرب بين إيران والولايات المتحدة مرحلة لم تعد فيها تكاليفها محصورة في النطاق الجغرافي للبلدين، بل امتدت إلى قطاعات الطاقة والتجارة والأمن البحري والاستثمار وسلاسل الإمداد، وحتى آفاق التنمية الاقتصادية للدول المجاورة.

ويشكّل مضيق هرمز والبحر الأحمر، وأمن البنى التحتية النفطية والموانئ، والوجود العسكري للقوى الخارجية، واحتمالات اتساع نطاق المواجهة، مجموعة من المتغيرات المترابطة التي لا تستطيع أي دولة في المنطقة تجاهلها. لذلك، لا تقتصر المسألة الأساسية بالنسبة إلى القوى الإقليمية على منع شن هجوم جديد على إيران أو خفض التوتر بين طهران وواشنطن، بل تتمثل في الحيلولة دون نشوء دوامة من عدم الاستقرار قد تعرقل أسس التنمية وبرامجها الاقتصادية طويلة الأمد.

وهنا، تكتسب التحركات الأخيرة لكل من السعودية وتركيا وباكستان ومصر أهمية خاصة. فزيارة مسؤولين سعوديين وباكستانيين وأتراك رفيعي المستوى إلى طهران في 26 أكتوبر/تشرين الأول، وعقد اجتماع لوزراء خارجية الدول الأربع في إسطنبول في 23 أكتوبر/تشرين الأول، يعكسان مساعي لتحويل المخاوف المتفرقة إلى شكل من أشكال التنسيق السياسي والأمني. وشدد البيان المشترك الصادر عن الاجتماع على ضرورة تسوية النزاعات عبر الدبلوماسية، ومنع تصعيد التوتر، والحفاظ على أمن خطوط الملاحة البحرية.

كما تُعد الإمارات جزءاً من المعادلة الأمنية الجديدة في الخليج، نظراً إلى تعرض بنيتها التحتية الاقتصادية والبحرية لمخاطر اتساع الحرب. ومع ذلك، ينبغي عدم إغفال اختلاف مصالح هذه الدول وحساباتها؛ فالسعودية تشعر بقلق بالغ إزاء أمن بنيتها التحتية الحيوية وآفاق خططها التنموية، بينما تسعى تركيا إلى منع عدم الاستقرار في محيطها والحفاظ على دورها الإقليمي، في حين تمتلك باكستان دوافع كبيرة لاحتواء الأزمة، بالنظر إلى ارتباطاتها الجغرافية والأمنية والاقتصادية بإيران والدول العربية.

وفي هذا السياق، تشير عودة الوسطاء القطريين إلى طهران في 30 أكتوبر/تشرين الأول، استكمالاً للتحركات الدبلوماسية التي شهدتها الأيام الماضية، إلى استمرار نشاط قنوات التواصل الإقليمية. وتزداد أهمية هذه الخطوة عند وضعها في سياق الرسالة التي وجهها نائب الرئيس الأمريكي إلى محسن رضائي، ومساعي واشنطن لإعادة فتح مسار المفاوضات.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز، عملت قطر بالتنسيق مع واشنطن على توفير إطار للتوصل إلى اتفاق بين الطرفين، غير أن المقترح الأولي الذي طرحته الدوحة قوبل برفض مسؤولين إيرانيين، فيما لا يزال الخلاف قائماً بشأن ترتيب الخطوات. فالولايات المتحدة تريد إدراج الملف النووي فوراً على جدول المفاوضات، في حين ترى طهران أن إنهاء الحصار البحري ورفع القيود المفروضة على صادرات النفط يجب أن يسبقا المفاوضات النووية. ويكشف هذا الوضع أن الدبلوماسية لا تزال تتحرك في ظل التهديد العسكري، وأن أياً من الطرفين لم ينجح حتى الآن في الابتعاد بصورة ملموسة عن مواقفه الأولية.

ومن زاوية أخرى، دفعت المحاولات السابقة غير الناجحة للتوصل إلى تفاهم دول المنطقة إلى إيلاء اهتمام أكبر بضرورة توفير ضمانات تنفيذية وإنشاء آلية جماعية لخفض التوتر. وبعبارة أخرى، لم يعد مجرد نقل الرسائل بين طهران وواشنطن كافياً؛ إذ تكمن الأهمية في التوصل إلى اتفاق قادر على معالجة المخاوف الأمنية والاقتصادية والسياسية للأطراف المعنية في آن واحد.

وفي هذا الإطار، يمكن الاستناد إلى نظرية المجمعات الأمنية الإقليمية التي وضعها باري بوزان وأولي ويفر. ويوضح هذان المنظّران، في تحليلهما لبنية الأمن الدولي بعد الحرب الباردة، أن أمن الدول، ولا سيما في المناطق التي تربطها علاقات جغرافية واستراتيجية وثيقة، متشابك إلى حد كبير، ولا يمكن دراسة التطورات الأمنية في دولة بمعزل عن محيطها الإقليمي.

وبناءً على ذلك، يمثل الشرق الأوسط اليوم نموذجاً واضحاً لمجمع أمني إقليمي تؤثر فيه التطورات المتعلقة بإيران والسعودية وتركيا ودول الخليج، وحتى باكستان، في الحسابات الأمنية بعضها لبعض. لذلك، لا يمكن اعتبار الحرب بين إيران والولايات المتحدة مجرد مواجهة ثنائية؛ فقد تحولت، بفعل تداعياتها العابرة للحدود، إلى قضية تمس بنية الأمن الإقليمي.

ومع ذلك، يبرز السؤال الأساسي: هل تستطيع القوى الإقليمية تجاوز دور الوسيط المنفرد وناقل الرسائل، والانتقال إلى إطلاق مبادرة إقليمية مشتركة؟ ويبدو أن الإجابة عن هذا السؤال تمثل أحد أبرز العوامل التي ستحدد مستقبل الأزمة.

فقطر قادرة على توفير قناة اتصال وتسهيل المفاوضات، وباكستان تمتلك القدرة على الربط بين الحسابات الأمنية لإيران والسعودية، وتركيا تتمتع بإمكانات دبلوماسية وموقع جيوسياسي مهم، بينما تستطيع السعودية، بفضل ثقلها الاقتصادي والسياسي، الإسهام في صياغة إطار إقليمي. كذلك، لا يمكن لمصر والإمارات البقاء خارج هذا المسار، نظراً إلى مكانتهما في المعادلات العربية وقضايا الأمن البحري.

ويمكن أن تستند مثل هذه المبادرة إلى عدة محاور، تشمل وقف الهجمات وتقديم ضمانات بعدم اتساع نطاق الحرب، وإعادة فتح الممرات البحرية وضمان أمنها، وإنشاء آلية تدريجية لرفع القيود الاقتصادية وبدء المفاوضات النووية، وصولاً إلى وضع ترتيبات تحول دون تكرار الأزمة.

وتكمن أهمية هذا الإطار في أنه لا يحصر الاتفاق في المطالب الثنائية لطهران وواشنطن، بل يُدخل أيضاً مصالح الدول الإقليمية ومخاوفها الأمنية في المعادلة، شريطة ضمان مصالح إيران وعدم شعورها بأنها تواجه تهديداً نابعاً من عقيدة احتوائها عبر المفاوضات.

يقف الشرق الأوسط أمام خيار استراتيجي: فإما أن تواصل دول المنطقة التحرك ضمن إطار المنافسات التقليدية والوساطات المؤقتة، وتترك مصير الأمن الإقليمي رهناً بقرارات العواصم الخارجية، أو أن تدرك الترابط بين الأمن والتنمية، وتسعى إلى إطلاق مبادرة جماعية مستقلة.

وفي الحالة الأولى، قد يظل أي اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة هشاً وغير مستقر. أما في الحالة الثانية، فتتاح إمكانية تحويل الأزمة العسكرية إلى فرصة لإعادة صياغة العلاقات الأمنية في المنطقة.

والواقع أن أياً من القوى الإقليمية لا يقف في هذه الحرب موقف المتفرج، ولا تستطيع أي دولة إلقاء تكاليف عدم الاستقرار على عاتق دولة أخرى فحسب. لذلك، لم تعد المسألة تقتصر على ما إذا كانت طهران وواشنطن ستتوصلان إلى اتفاق أم ستدخلان جولة جديدة من المواجهة؛ بل إن السؤال الأهم يتمثل في قدرة المنطقة على بلورة إرادة مستقلة لتحقيق السلام والأمن الجماعي انطلاقاً من هذه الأزمة، أم أنها ستظل تنتظر قرارات القوى الخارجية.

وإذا كان الأمن لا ينفصل عن التنمية، فإن الحرب والمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لم تعودا مجرد مسألة اتفاق ثنائي، بل تحوّلتا إلى ضرورة تمس البقاء الاقتصادي والأمني للمنطقة بأسرها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى