الصحافة الإيرانية: كيف تواجه طهران استراتيجية «الضغط المركّب» في ملف الجزر الثلاث؟

إن بيان مجلس التعاون الأخير، وإن بدا تكرارًا لمواقف سابقة، إلا أنه يشير إلى بدء مرحلة جديدة من الضغط المنظم على إيران.

ميدل ايست نيوز: على الرغم من تعدد التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها إيران في الأشهر الأخيرة، فإن التكرار المتواصل لما تصفه طهران بالادعاءات غير المستندة إلى أساس من قبل مجلس التعاون العربي، ولا سيما في بيانه الأخير الصادر في 3 ديسمبر 2025، بشأن سيادة دولة الإمارات على الجزر الإيرانية الثلاث، قد يبدو للوهلة الأولى مجرد إعادة إنتاج لموقف قديم ومسألة ثانوية. غير أن قراءة أعمق لتطورات المشهد الإقليمي وللغة المستخدمة في البيان تشير إلى أن الأمر لا يقتصر على مطالبة إقليمية تقليدية، بل يندرج في إطار استراتيجية جديدة لما يمكن وصفه بـ«الضغط المركّب»، تهدف إلى «رفع مستوى النزاع» و«بناء إجماع مصطنع» ضد إيران على المستويات الدولية.

وكتب الأستاذ الجامعي محمد مهدي مظاهري وعضو مجلس أمناء معهد الثقافة والفنون والاتصالات في إيران، على موقع دبلوماسي إيراني، أن النقطة الجديدة واللافتة في بيان مجلس التعاون الأخير تتمثل في تصعيد نبرة الخطاب وزيادة تفصيله. إذ اعتبر البيان، بشكل صريح، أن معظم الإجراءات التي تتخذها إيران في إطار ممارسة سيادتها الميدانية على الجزر، بما في ذلك تشييد وحدات سكنية وتطوير البنى التحتية في جزيرة أبو موسى، وتنقل كبار القادة العسكريين، وإجراء مناورات دورية، وتسجيل «اليوم الوطني للجزر الثلاث» رسميًا في التقويم الوطني، تمثل «انتهاكًا لحقوق دولة الإمارات» ووُصفت بأنها «باطلة وعديمة الأثر»، مع إدانتها بشكل مباشر.

ويعكس هذا التحول في الخطاب مسعى أبوظبي إلى نقل الملف من مستوى الخلاف القائم على المواقف السياسية إلى مستوى قضية أمنية–قانونية ذات بعد دولي. ووفق هذا التوجه، لا يبدو الهدف الأساسي لدولة الإمارات من حشد المواقف داخل إطار مجلس التعاون هو إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية، وهو مسار يُعد شبه مستحيل دون موافقة إيران، بل طرحها على جدول أعمال مجلس الأمن الدولي.

وتكتسب لهجة البيان وتوقيته دلالات خاصة، يمكن تلخيصها في ما يلي:

أولًا: مناخ التوتر الدولي
تحاول دولة الإمارات، في ظل الانقسامات العميقة بين إيران والدول الغربية، ولا سيما على خلفية التوترات التي أعقبت حرب غزة والنقاشات المرتبطة بآليات مثل تفعيل «آلية الزناد»، الدفع باتجاه تشكيل «إجماع دولي مصطنع» ضد إيران.

ثانيًا: ربط النزاع بالأمن الإقليمي
نظرًا للأهمية الجيوسياسية للجزر الثلاث ودورها في التحكم بمضيق هرمز وتأثيرها في أمن إمدادات الطاقة العالمية، تسعى الإمارات إلى تجاوز توصيف الخلاف كمسألة حدودية محدودة، وربطه بقضايا السلم والأمن الإقليميين، تمهيدًا لطرحه في مجلس الأمن أو، في الحد الأدنى، السعي إلى إصدار قرار غير ملزم.

ثالثًا: الرد على التحركات الإيرانية
خلال السنوات الأخيرة، كثّفت إيران من تطوير البنى التحتية وزادت من حضورها العسكري والسياسي في الجزر، في إطار تأكيدها على سيادتها الكاملة. ويُنظر إلى بيان مجلس التعاون الأخير بوصفه ردًا على هذه الخطوات الميدانية التي تهدف إلى ترسيخ السيادة الإيرانية من الناحيتين القانونية والعملية.

وفي مواجهة هذه الاستراتيجية الجديدة للضغط المركّب، أرى أن رد إيران ينبغي أن يستند إلى ثلاثة محاور رئيسية:

أولًا: الحضور الميداني الفاعل
يُعدّ التطبيق الفعلي والمستمر للسيادة من أهم عناصر القانون الدولي. وفي هذا السياق، يُقترح أن تركز إيران على:

– الاستمرار في تطوير الجزر الإيرانية وتسريع وتيرته، من خلال دفع المشاريع العمرانية وتوسيع البنى التحتية الاقتصادية والخدمية، مع التركيز على اقتصاد البحر، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتعليم، والصحة، والسياحة، إلى جانب تقديم حوافز خاصة لتشجيع الاستقرار الدائم للمواطنين في الجزر، بما يتوافق مع المادة 61 من قانون الخطة السابعة للتنمية.

– ترسيخ البعد الثقافي الإيراني في الجزر، عبر تعميق الارتباط بين هوية سكان الجزر والهوية الوطنية، من خلال استثمارات ثقافية تشمل تنظيم فعاليات مثل «المهرجان الوطني للموسيقى المحلية في الخليج»، وتطوير الجداريات والمنحوتات الفنية ذات الطابع البحري الإيراني، وإنشاء مكتبات متخصصة ومراكز ثقافية للتعريف بالتاريخ والثقافة المشتركة، إلى جانب اختيار شباب محليين متعلمين وموهوبين ليكونوا «سفراء ثقافيين للجزر» في المؤتمرات والفعاليات الوطنية. يهدف هذا التوجه إلى بناء نوع من الردع الناعم والمستدام عبر تعزيز شعور الانتماء بوصفه خط الدفاع الاجتماعي الأهم للحدود البحرية الإيرانية.

– تعزيز الردع، بحيث تترافق الأنشطة الاقتصادية والثقافية مع إجراءات الحماية والأمن البحري اللازمة، بما يبعث برسالة عملية مفادها أن أي محاولة لتغيير الوضع القائم ستواجه بإرادة وطنية واضحة للحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية.

ثانيًا: دبلوماسية نشطة ومرنة
ويتضمن هذا المسار:

– إنشاء حواجز قانونية في مواجهة الإمارات، عبر التأكيد على عدم القبول بأي تفاوض يمس «وحدة الأراضي» ورفض اختصاص محكمة العدل الدولية في هذا الملف، بما يعزز الموقف القانوني الإيراني إزاء دول الجوار.

– العمل على تفكيك حالة التوافق داخل مجلس التعاون، من خلال الدبلوماسية الاقتصادية وتوسيع المصالح المشتركة مع الدول الأكثر تأثيرًا داخل المجلس، باستثناء الإمارات، بهدف زيادة الكلفة السياسية والاقتصادية لمساندة المطالب الإماراتية.

– السعي إلى إبعاد كل من الصين وروسيا عن تبني مواقف مجلس التعاون، عبر المشاورات والتفاهمات مع هاتين القوتين، للحيلولة دون دعمهما للمطالب الإقليمية الإماراتية، ولا سيما في حال طرح القضية داخل مجلس الأمن.

ثالثًا: إدارة السرديات
ويشمل ذلك:

– تعزيز السردية التاريخية والقانونية من خلال إنتاج ونشر محتوى واسع النطاق ومتعدد اللغات، ولا سيما بالعربية والإنجليزية، في وسائل الإعلام والمنتديات الأكاديمية الدولية، مع التركيز على الوثائق التاريخية التي تؤكد السيادة الإيرانية الممتدة، وعلى حقيقة أن قيام دولة الإمارات جاء بعد تثبيت السيادة الإيرانية على هذه الجزر عام 1971.

– تسليط الضوء على أدوار أطراف خارجية، بما في ذلك إسرائيل، في تأجيج هذه الخلافات، وهو ما قد يسهم في تقليص الدعم الشعبي لها داخل العالم العربي ويحد من اندفاع بعض الحكومات نحو مواقف تصعيدية.

خلاصة القول، إن بيان مجلس التعاون الأخير، وإن بدا تكرارًا لمواقف سابقة، إلا أنه يشير إلى بدء مرحلة جديدة من الضغط المنظم على إيران. وهنا، يُتوقع من طهران أن تعتمد مزيجًا من الحضور الميداني، واليقظة الدبلوماسية، والسيطرة على السردية التاريخية والقانونية، ليس فقط على مستوى الخطابات، بل عبر خطوات عملية تشمل التنمية والاستيطان، من أجل التأكيد على سيادتها الكاملة على الجزر الثلاث وإحباط محاولات بناء إجماع دولي مصطنع أو تدويل الملف.

اقرأ المزيد

الصحافة الإيرانية: لماذا دعمت بكين الإمارات في ما يتعلق بالجزر الثلاث؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر + ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى