عدو عدوي صديقي.. مبدأ الصين وروسيا لإزاحة أمريكا من المنطقة عبر بوابتَي سوريا وإيران

أصبح واضحاً الآن أننا نشهد خريف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لكن يبدو أن الصين انتبهت لذلك مبكراً.

ميدل ايست نيوز: أصبح واضحاً الآن أننا نشهد خريف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لكن يبدو أن الصين انتبهت لذلك مبكراً، فكيف اتخذت إيران وسوريا بوابتين إلى المنطقة بتحالف مع روسيا؟

وخلال زيارته إلى سوريا، في يوليو/تموز الماضي، أشاد وانغ يي وزير الخارجية الصيني بإعادة انتخاب بشار الأسد بنسبة 95.1%، معتبراً “الانتخابات” دليلاً على قوة البلاد وتماسكها، على الرغم من واقع أن هذه النتيجة مرفوضة على نطاق واسع من الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وقبل كل ذلك وأهم أنها مرفوضة من قطاع كبير من الشعب السوري ومعارضي النظام.

وعلى الرغم من أن بكين لم تنشر قوات داعمة للنظام في سوريا، مثل روسيا وإيران، فإنها كانت مدافعاً قوياً عن الأسد على الساحة الدولية، وندَّدت بالضربات الجوية الغربية ودافعت عن دمشق في الأمم المتحدة. فمن بين 16 مرة استخدمت فيها الصين حقَ النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، كانت 10 مرات منها لحماية بشار الأسد ونظامه.

الصين بدأت التسلل إلى الشرق الأوسط مبكراً

وتناولت مجلة Modern Diplomacy ملامح المنافسة الأمريكية الصينية في الشرق الأوسط، في تحليل رصد كيف تطبق بكين مبدأ “عدو عدوي صديقي” وانضمت إلى موسكو في دعم النظام السوري، كما قدمت دعماً كبيراً إلى النظام الإيراني.

وبدأت الصين في تبني نهج “الحضور المتزايد في قضايا الشرق الأوسط” مع تحول سياستها إلى مسار “الفاعل المركزي” في شؤون المنطقة، وهو ما يمثل تحدياً للنفوذ الأمريكي. ويبدو أن التحالف بين الصين وروسيا وإيران في مواجهة الولايات المتحدة يزداد قوة وصلابة، بدافعٍ من “حرب باردة جديدة” بين الغرب والصين أو الغرب والشرق.

وهذا ما أشار إليه وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، بإعطائه مؤشرات واضحة على نية بلاده الاضطلاع بدور محوري في شؤون المنطقة. وفي ضوء ذلك يمكن فهم ملامح المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، في ضوء عدد من المتغيرات داخل الصين نفسها.

إذ شهدت السياسة الصينية تحولاً من مسار “تجنب الاصطدام المباشر بالسياسات الأمريكية أو حتى السياسات الأوروبية عموماً”، بإدارة علاقاتها مع المنطقة على مستوى جماعي، إلى مسار “إدارة العلاقات على مستويات ثنائية مع البلدان، بصرف النظر عما تشهده تلك الدول من نزاعات داخلية أو طبيعة علاقاتها بالسياسات الأمريكية”.

الصين في إيران وسوريا

لدى الصين قناعة مفادها أن إيران هي القوة الآسيوية الوحيدة المناسبة عسكرياً وجغرافياً لمساعدة الصين في إنشاء توازن مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والاضطلاع بدور الضامن الأمني للمصالح الاقتصادية والحيوية للصين.

وفي المقابل، تتركز المخاوف الأمريكية في أن منح الصين التكنولوجيا المدنية والعسكرية الحديث لطهران قد يُتيح لإيران الفرصة في التحول إلى قوة إقليمية متفوقة يصعب التصدي لها أو إخضاعها في المستقبل.

يُتوقع أن تنسحب الولايات المتحدة الأمريكية تدريجياً من منطقة الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي قد يدفع دولاً، مثل السعودية، إلى “إعادة النظر في علاقاتها مع إيران وتطويرها إلى مستوى من الشراكة بتشجيع من الصين بالدرجة الأولى”، وهو ما قاله وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، صراحةً حين سُئل عن فرص إطلاق حوار بين السعودية وإيران، وإمكانية تطوير العلاقات بينهما إلى مستوى الشراكة.

بالإضافة إلى ذلك، من المنتظر أن تسهم اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين إيران والصين (برنامج التعاون الإيراني الصيني لمدة 25 عاماً) في توسيع مناطق نفوذ مبادرة الحزام والطريق وامتداداتها لتشمل منطقة الخليج والعراق وسوريا.

وتعمل الاتفاقية أيضاً على تحويل دمشق إلى مركز تجاري رئيسي بين إيران وتركيا والعراق، ضمن شراكة مستقبلية. ولا شك في أن الولايات المتحدة تعتبر ذلك “تهديداً لمصالحها ونفوذها في منطقة ذات أهمية أمنية استراتيجية وأهمية اقتصادية”.

عقدت الصين علاقة لها مع روسيا أصبحت قائمة على تقاطع للمصالح الحقيقية بينهما، وفي ضوء ذلك نجح التحالف الصيني الروسي مع إيران في إطالة أمد الأزمة السورية بدعم تماسك النظام السوري وفرض إيران لتصبح طرفاً من أطراف التفاوض لحل الأزمة بعد استبعادها لعدة سنوات، وقد حصدت الصين من خلال ذلك صورة القوة المؤثرة أمام المجتمع الدولي.

وقفت الصين إلى جانب النظام السوري باستخدام حق النقض (الفيتو) 10 مرات لعرقلة أي قرار للأمم المتحدة في الشأن السوري ضد النظام السوري أو حلفائه، كما عملت الصين على دعم النظام السوري عسكرياً، بدافعٍ من رغبتها في إضعاف الحركات المتطرفة، وتحدي النفوذ الغربي والأمريكي.

سياسة صينية أكثر جرأة وأعلى صوتاً

لم يقتصر نشاط الصين الجديد في الشرق الأوسط على الهيمنة الاقتصادية، فقد أدركت بكين أن المنطقة مليئة بالمخاطر السياسية التي يتعين عليها التعامل معها بحذر، ومن ثم عملت الصين جاهدة على ترتيب أوراقها السياسية، وسعت إلى إبراز أنشطتها في الشرق الأوسط شيئاً فشيئاً، واتخذت خطوات للتوسط في صراعات الشرق الأوسط، بعد أن أدركت أن هذه الصراعات لها تأثير في مصالحها.

وأعلنت الصين مواجهتها لما يُسمى بـ”خطر التطرف والإرهاب والتطرف الديني وتنامي المجموعات المتطرفة وعلى رأسها داعش، التي تزعم الصين أنها جندت ما يقرب من 5 آلاف من مقاتلي الإيغور الصينيين”، وهكذا بدأت في “تنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب وزيادة استعداداتها للعمل خارج حدود دولتها لأول مرة على المستويين الاستراتيجي والسياسي”.

وعلى مدار عقود طويلة تسعى الصين لمحو هوية مسلمي الإيغور باستخدام أساليب قمعية غير مسبوقة، والآن باتت لغة الإيغور وأشعارهم وثقافتهم نفسها مهددة بالفناء، بحسب تقرير كانت صحيفة The Guardian البريطانية قد نشرته بعنوان: “الشِّعر، روح الثقافة الإيغورية، على حافة الفناء في شينجيانغ”، ألقى الضوء على ثقافة وهوية مسلمي الإيغور في المهجر والتي باتت مهددة بالانقراض.

وفي إدارة علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، تتسم السياسة الصينية بالمرونة والبراغماتية، لذلك زادت الصين التفاتها نحو “الجبهة الدبلوماسية”، وأنشأت علاقات مع مؤسسات المنطقة متعددة الأطراف، مثل جامعة الدول العربية والمنتدى الخليجي الصيني، كما اضطلعت بدور أمني في المنطقة، فشاركت القوات الصينية في قوات حفظ السلام المنتشرة في جنوب السودان، وأقامت الصين أول قاعدة بحرية لها خارج مناطق امتدادها الطبيعي، في دولة جيبوتي.

تحولت طبيعة السياسات الصينية عموماً، وفي الشرق الأوسط خصوصاً، إلى سياسة أشد جرأة في تحديها لواشنطن، خاصة بعد عقود من التجنب الصيني لذلك، وإذعان الصين السابق للتهديد الأمريكي بفرض عقوبات عليها، ما جعلها تسحب شركاتها من إيران.

أما الآن، فقد بدأنا نشهد تحولاً في “سياسة التعامل الصيني مع القضية الفلسطينية”، ومن الواضح أن الصين تشن “هجوماً دبلوماسياً مضاداً”، لا يقتصر على اختراق الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة، بل يسعى أيضاً إلى “استقطاب الدول التي تتضارب مصالحها مع واشنطن” في هذه القضية أو تلك، بالإضافة إلى تشكيل نوعٍ من القطبية الثنائية مع روسيا في مواجهة نفوذ الولايات المتحدة بين دول المنطقة.

تحالف روسي-صيني مضاد لأمريكا

تسعى الصين إلى سياسةٍ تجمع بين التناقضات فيما يتعلق بإدارة علاقاتها مع دول المنطقة، مثل زيارة وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إلى كل من الرياض وطهران، في مارس/آذار 2021، أو الاستمرار في دعم بشار الأسد، أو إقامة علاقات مع دول لها توجهات وسياسات تتعارض مع بعضها بعضاً.

بالإضافة إلى ذلك، ستقود روسيا، بدعم من الصين، محادثات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين، ما يعزز الإشارات الواردة عن تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة.

لقد أصبحت هناك قناعة متزايدة في المنطقة بأن الصين ستصبح ندّاً للولايات المتحدة الأمريكية، وأن العالم سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع هذه التغييرات. كما أن هناك كثيراً من القرائن التي تبرهن على ضعف الغرب، والتي “يمكن للصين استغلالها لمصلحتها، مثل التدهور الذي طرأ على العلاقات الأمريكية الأوروبية منذ عهد ترامب، وعدم اكتراث واشنطن بغضب فرنسا في اتفاقية الدفاع الجديدة “أوكوس” التي وقعتها الولايات المتحدة مع بريطانيا وأستراليا. وكل هذا يضعف فكرة الغرب الموحد، علاوة على حالة التفكك في الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا.

أصدرت الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية كتاباً يحمل عنوان  The Yellow Book of the Middle East، ويعتقد فيه خبراء صينيون أن: “منطقة الشرق الأوسط على أعتاب (حقبة ما بعد أمريكا)، وقد أتاح تراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط الفرصةَ للقوى الشرقية، وخاصة روسيا والصين، لتعزيز نفوذها في هذه المنطقة المهمة، وفي نفس الوقت زادت ثقة دول المنطقة في اتباع أساليب التنمية الصينية والروسية، وقد أصبح النموذجان الصيني والروسي الأشد جاذبية لدول المنطقة”.

ويشير كتاب آخر صادر عن مركز دراسات غرب آسيا وإفريقيا التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية في بكين، إلى أن “ميزان القوى في الشرق الأوسط قد تطور من القطبية الأحادية إلى القطبية الثنائية، ثم من القطبية الثنائية إلى التعددية القطبية. ومع توجه دول الشرق الأوسط نحو (سياسة التطلع نحو الشرق)، بادرت الدول الآسيوية من جانبها بـ(الانفتاح على الغرب) وتطوير علاقات الشراكة الاستراتيجية مع دول الشرق الأوسط”.

وتذهب التحليلات الصادرة عن مراكز الأبحاث الصينية إلى أن الولايات إذا أرادت استعادة هيمنتها على الشرق الأوسط فإن عليها ردع الإجراءات الروسية والصينية التي تتحدى المصالح الأمريكية في المنطقة، وإنشاء قوة إقليمية متعددة الأطراف تعمل لردع أي تدخل خارجي من تلك القوى، أو على الأقل خلق فرصة لموسكو وبكين للمشاركة في شؤون الشرق الأوسط على نحو لا يتعارض مع المصالح الأمريكية.

الخلاصة أن الصين زادت نفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري في الشرق الأوسط، ونجحت سياسة الهيمنة الاقتصادية الصينية في تعزيز وصولها إلى مصادر الطاقة في المنطقة، لا سيما مع تنامي طموح بكين في التحول إلى قوة عظمى ذات تأثير أكبر في النظام السياسي الدولي، سواء تحقق ذلك من خلال التحالفات السياسة مع الشرق الأوسط أو قوى دولية أخرى أو حتى من خلال القوة الدبلوماسية الرامية إلى إزاحة الولايات المتحدة عن عرش القوة الخارجية الرئيسية في الشرق الأوسط.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
عربي بست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى