الفساد وغياب الرقابة يهدّدان مباني إيران

توجهت الأنظار نحو مدينة آبادان مع انتشار نبأء سقوط برج "متروبل" التجاري فيها، والحديث عن عشرات القتلى والجرحى ووجود العشرات تحت الركام.

ميدل ايست نيوز: بعد سقوط برج “متروبل” حديث الإنشاء، والمكون من عشرة طوابق في مدينة آبادان جنوب غربيّ إيران، الأحد الماضي، عادت التساؤلات إلى أذهان الإيرانيين عن تكرار هذه الحوادث، وقد عكستها تعليقاتهم الغاضبة من جراء حادث سقوط البرج واتهامهم الجهات المعنية بشؤون البناء والإنشاء بالتسبب في سقوطها بعدما سمحت بافتتاح “متروبل”، بينما لم تستوفِ العمارة المعايير المعتمدة السليمة. كذلك تجاهلت هذه الجهات التحذيرات من المخاطر التي تتهددها نتيجة مخالفات عدة.

صباح الأحد الماضي، توجهت الأنظار نحو مدينة آبادان مع انتشار نبأء سقوط برج “متروبل” التجاري فيها، والحديث عن عشرات القتلى والجرحى ووجود العشرات تحت الركام. وبدأ الإيرانيون يتابعون الحادث بصدمة وحزن عميقين، حابسين أنفاسهم بانتظار معرفة مصير العالقين تحت الأنقاض في الطبقات تحت الأرض. وتجمعت أسر هؤلاء وأقاربهم أمام المبنى المنهار عسى أن يخرج أبناؤهم أحياء. خلّف الحادث المروع 19 قتيلاً و37 جريحاً.

أعاد حادث “متروبول” إلى أذهان الإيرانيين حادثاً مشابهاً آخر كان أكثر إيلاماً، وهو انهيار برج “بلاسكو بيلدينغ” للملابس بسبب حريق ضخم خلال عام 2017، بعد 54 عاماً من تشييده. وخلّف هذا الحادث أيضاً 26 قتيلاً، من بينهم 16 من قوات إطفاء الحرائق و235 مصاباً، وسبّب فقدان نحو 3 آلاف عامل أعمالهم، فضلاً عن خسائر مالية كبيرة.

واللافت في هذه الحوادث أن تحذيرات عدة سبقت وقوعها، لكن السلطات المعنية بالبناء، وخصوصاً البلدية، لم تعرها اهتماماً، الأمر الذي يكشف عن جزء مهم من أسباب وقوع هذه الانهيارات، بالإضافة إلى سر غضب الشارع سريعاً بعد كل حادث من هذا النوع.

وتُعدّ المخالفات من أهم أسباب تكرار هذه الحوادث في إيران، سواء مخالفات في مرحلة قبل البناء مثل إصدار تراخيص الإنشاء على أراضٍ غير صالحة، أو في أثناء البناء مثل عدم مراعاة المعايير السليمة، أو بعد الإنشاء كعدم تحديث أنظمة السلامة من الحرائق وعدم ترميم المباني القديمة التالفة. ولا توجد أرقام رسمية دقيقة عن المباني المهددة بالانهيار في عموم إيران. لكن بحسب المتحدث باسم منظمة إطفاء الحريق الإيرانية، مجتبى خالدي، أجرت المنظمة تقييماً لأكثر من 33 ألف مبنى قديم مؤلف من طبقات لها استخدامات مختلفة، ليتبين أن أكثر من 3 آلاف منها تواجه مخاطر، وأنها غير آمنة، وتحتاج إلى إجراء عمليات تقويم عاجلة، مشيراً إلى أن من بينها 129 مبنى مصنفاً على أنه الأكثر عرضة للمخاطر.

وما يفاقم من مخاطر مخالفات البناء في إيران، وينذر بكوارث محتملة مستقبلاً، أن 68 في المائة من مساحتها تقع على خطوط زلزالية، كما يقول مدير قسم الزلازل في مركز البحوث لوزارة المواصلات والسكن وبناء المدن علي بيت اللهي.

ويؤكد أن نحو 8 ملايين وحدة سكنية بلا هيكل حديدي تقع في مساحات أكثر عرضة للزلازل. ويوضح في حديثه لوكالة “إيسنا” الإيرانية أنّ 101 برج في طهران أنشئت على خطوط الزلزال الرئيسية، فضلاً عن بناء 55 مبنىً شاهقاً في منطقة الخطوط المتوسطة و16 مبنىً في منطقة الخطوط الفرعية.

إلا أن سوق طهران الكبير التاريخي الذي يمثل عصبة التجارة والاقتصاد الإيرانية، يبقى من أكثر المباني والأبراج عرضة للخطر. تقول عضو مجلس بلدية العاصمة زهراء شمس إن هذا السوق يواجه ثلاثة مخاطر، هي تداعي السوق الشديد والاكتظاظ السكاني الشديد والحريق، لكونه يقع في منطقة تكثر فيها الأنشطة التي قد تؤدي إلى اندلاع حرائق.

من جهته، يعزو أمين جمعية مهندسي إيران المستشارين سعيد سادات نيا السبب الأساسي لوقوع حوادث المباني إلى “الاقتصاد الريعي” والفساد في إيران، قائلاً إن ذلك طاول قطاع السكن والعقارات، فظهر مستثمرون غير مهنيين في هذا القطاع حاصلين على امتيازات غير قانونية، وباتوا يحتكرون قطاع البناء ويُنشئون مباني غير صالحة وغير آمنة.

يضيف أن هذه الطبقة من المستثمرين لا تهمها سلامة المباني وجودتها، بل الحصول على المزيد من المال بوسائل غير قانونية، لافتاً إلى أن “المشكلة الأساسية في قطاع البناء هي أن الأرض تحولت إلى مجرد سلعة، والسكن إلى مجرد سلعة، وليس مكاناً سليماً للسكن والإقامة”. يضيف أن هذا القطاع بات ضحية “البورجوازية والنفعية”.

يتابع سادات نيا قائلاً إن البعض يحمّل قطعة الأرض أكثر مما تحتمل، بغية تحصيل أكبر قدر ممكن من الأرباح، مؤكداً أن “الهندسة المعمارية باتت تفقد مكانتها الثقافية والتاريخية لدى البعض، واستبدل ذلك بالسعي لتحقيق أرباح فقط وإنشاء وتدشين سريع للمباني، للوصول إلى تلك الأرباح بأقصى سرعة”.

في هذا الإطار، يشير أمين جمعية مهندسي إيران المستشارين في حديثه لـ “العربي الجديد” إلى مالك برج “متروبل” حسين عبد الخالق الذي أعلنت السلطات الإيرانية وفاته في حادث انهيار البرج، قائلاً إنه سبق أن أنشأ مبنىً آخر من ستة طوابق، لكنه انهار. ويوضح أنه استغل نفوذه وقام بإنشاءات غير صالحة وتجاهل تحذيرات عدة من قبل جهات متعددة لمخالفاته الإنشائية. كل ذلك يحصل في وقت هناك كفاءات وقدرات عالية في قطاع البناء في إيران ومهندسون بارعون.

يضيف أن قوانين الإنشاء أيضاً جيدة، وتغطي حاجات البلاد القانونية في هذا القطاع. لكن بكل تأكيد، ستُبنى مبانٍ آمنة تضمن مراعاة معايير البناء بالكامل إذا ما نفذت هذه القوانين والمعايير بشكل صحيح وأحيل الأمر على المهندسين المتخصصين.

ويلفت إلى وجود مؤسسات جامعية مرموقة في مجال البناء ومجموعات تقنية وهندسية، منها جمعية المهندسين المستشارين التي تعمل منذ أكثر من 50 عاماً وفي عضويتها في الوقت الراهن 850 مهندساً مستشاراً بكفاءات عالية، داعياً إلى الاستفادة منهم ومن قدراتهم. أما تلك المشاكل البنيوية التي يعاني منها قطاع الإنشاء والعقارات في إيران، فسبّبت وفق سادات نيا، هبوط معدل أعمار المباني، مقارنةً بالعمر العالمي المقدر بنحو 100 عام.

وفي السياق، يقول المدير التنفيذي للمختبر التقني والميكانيكي الإيراني مجيد كيانبور، إن “ضعف الرقابة سبّب تراجع الأعمار المفيدة للمباني في إيران من 32 عاماً إلى 26″، وفقاً لما أوردته وكالة “تسنيم” في يونيو/ حزيران 2021.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + 12 =

زر الذهاب إلى الأعلى