الاتفاق النووي.. هكذا وقع بايدن في مصيدة ترامب

قام "بايدن" بحملة لتغيير استراتيجية "ترامب" في الشرق الأوسط؛ متعهداً بجعل السعودية واستعادة الاتفاق النووي الإيراني الذي تخلى عنه "ترامب".

ميدل ايست نيوز: اتهم “مايك بومبيو” المسؤول السابق في إدارة “ترامب” الرئيس “بايدن” بالعودة إلى “السياسات القديمة” التي يزعم أنها مكنت الحكومة الإيرانية، لكن هذا الاتهام يأتي من أحد المسؤولين الأكثر مسؤولية عن انهيار الاتفاق النووي وبالتالي فك القيود الدولية التي فُرضت على البرنامج النووي الإيراني. في حين أن العقوبات المستمرة في عهد “بايدن” هي في الأصل نفسها التي دفع بها “بومبيو”.

ويبدو أن وزير الخارجية السابق لا يواكب الأحداث الجارية، فقد قام “بايدن” بحملة لتغيير استراتيجية “ترامب” في الشرق الأوسط؛ متعهداً بجعل السعودية واستعادة الاتفاق النووي الإيراني الذي تخلى عنه “ترامب”.

لكن مع محاولات إدارة “بايدن” لخفض أسعار النفط في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، أوردت التقارير أن مستشاري الرئيس يضغطون عليه للتراجع عن التزاماته واسترضاء ولي العهد السعودي مع إغلاق الباب أمام استعادة الاتفاق مع إيران خوفًا من رد الفعل السياسي المعاكس.

المنطقة على حافة صراع

نتيجة لاستمرار “بايدن” في نهج “ترامب” و”بومبيو”، فإن إيران على وشك أن تصبح دولة نووية. فقد أنتجت إيران الآن كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وإذا قررت إيران تخصيب هذا المخزون بشكل أكبر، فسيكون لديها ما يكفي لصنع أسلحة نووية.

وردت إيران على التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية بإيقاف كاميرات الوكالة في بعض المواقع النووية.

أما ما يعزز المخاوف، فهو قيام سلاح الجو الإسرائيلي مؤخرًا بتدريبات عسكرية ضخمة تضم أكثر من 100 طائرة تحاكي ضربة محتملة على المنشآت النووية الإيرانية.

وتنزلق الولايات المتحدة وإيران إلى أزمة كان يمكن تجنبها بالكامل. وكان قرار “ترامب” بانتهاك الاتفاقية والتخلي عنها بمثابة فشل واضح أدانه “بايدن” وقتها وكان على حق في ذلك، فقد زالت القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني، وتدهور الأمن الإقليمي بشكل كبير، وانتقلت الولايات المتحدة وإيران إلى حافة الحرب؛ كل ذلك مقابل لا شيء.

تضييع فرصة التراجع

عندما تولى “بايدن” منصبه، كانت هناك فرصة كبيرة أمامه ليغير النهج الفاشل لسلفه ويبعث برسائل حول جدية واشنطن في الوفاء بالتزاماتها الدولية. ونفذ “بايدن” ذلك بالفعل مع سياسات “ترامب” الأخرى من خلال إنهاء “حظر المسلمين” والعودة لاتفاقية باريس للمناخ. لكن “بايدن” أظهر ترددا واضحا فيما يخص إيران.

وبدلاً من استعادة الاتفاق في وقت مبكر من عام 2021، بدأ مرشحو إدارة “بايدن” يشيرون ضمناً إلى أن إيران يجب أن تعود أولاً إلى التزاماتها – والتي بدأت في التخلي عنها بعد سنة من انسحاب “ترامب” من الاتفاق – وأشاروا إلى أن الولايات المتحدة ستتشاور مع شركائها في المنطقة وتسعى إلى صفقة “أطول وأقوى”.

وفي حين أن محادثات استعادة الاتفاق النووي بدأت أخيرًا في أبريل/نيسان 2021، فإنها لم تصل إلى خط النهاية قبل أن الانتخابات الرئاسية في إيران في يونيو/حزيران والتي أسفرت عن إدارة جديدة متشددة ومتشككة للغاية في المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وفي حين تم استئناف المحادثات مع الزعماء الإيرانيين الجدد في أواخر العام الماضي، فقد تعثرت نتيجة عدم رغبة إدارة “بايدن” في رفع العقوبات التي فرضها فريق “ترامب” لخلق عقبات سياسية أمام “بايدن” حتى لا يعود إلى الاتفاقية.

ورغم مساوئ نهج “ترامب”، فإن فشل “بايدن” في تصحيح المسار يعد أكثر كارثيا.

الوقت ينفد

نظريا، لا يزال من الممكن أن يلتقط “بايدن” النصر الدبلوماسي من بين فكي الهزيمة، إلا أن “بايدن” رفض تقديم تنازل رمزي كان كفيلا بكسر المأزق الدبلوماسي المستمر منذ أشهر. فوفقًا للتقارير؛ قال “بايدن” إنه لن يزيل الحرس الثوري من القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية الأجنبية، تحت أي ظرف من الظروف.

لكن هذا التصنيف – الذي تم التخطيط له حرفيًا لتقويض دبلوماسية “بايدن” – لا يُكسب الولايات المتحدة أي شئ كما اعترف مسؤولو إدارة “بايدن” أنفسهم، ورغم ذلك تركوه يعرقل استعادة الاتفاقية.

كانت النتيجة النهائية متوقعة؛ فقد راكمت إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، أي أنها أصبحت على مرمى حجر من التخصيب الذي يرقى لصنع قنبلة نووية، وقد عانى الإيرانيون العاديون بشدة لمدة 17 شهرًا إضافيًا بسبب عقوبات “أقصى ضغط” التي سبق أن أدانها “بايدن”.

ولسوء الحظ، بدون استعادة الاتفاق النووي، لا توجد خيارات جيدة أمام “بايدن” بالنسبة لإيران. إن دعوات الصقور لفرض المزيد من العقوبات لن تفعل شيئًا لإبطاء التقدم النووي الإيراني، ومن المحتمل أن تؤدي إلى مزيد من التصعيد الإيراني.

كما أن تحرك الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتقريع إيران في اجتماع مجلس محافظي الوكالة لن يؤدي إلا إلى استجابة إيرانية محدودة في أحسن الأحوال، ويمكن أن تأتي بنتائج عكسية بشكل كبير، في أسوأ الأحوال.

أما الخيار العسكري فهو خيار كارثي سيؤدي إلى حرب إقليمية مدمرة، ويحفز الانتشار النووي، ويتسبب في ارتفاع أسعار النفط. وسيكون من الحكمة تجنب ذلك بأي ثمن.

جني بذور “ترامب”

بالنظر إلى البدائل الرهيبة، فقد كان الافتقار إلى العزم الدبلوماسي من إدارة “بايدن” مفاجئًا ومخيبًا للآمال. لكي نكون واضحين، فإن الإيرانيين قاموا بأخطاء كبيرة أيضًا؛ إذ يبدو أن المرشد الأعلى “علي خامنئي” منع “روحاني” من وضع اللمسات الأخيرة على صفقة في الأيام الأخيرة من ولايته كرئيس، بينما كانت حكومة “إبراهيم رئيسي” بطيئة للغاية في العودة إلى المحادثات ومتشددة بشأن المطالب المتعلقة بالحرس الثوري.

لكن بالنظر إلى أن الولايات المتحدة – وليس إيران – هي التي تخلت عن الاتفاق وبالنظر إلى الشكوك المشروعة حول قدرة أمريكا على الالتزام بالاتفاق الجديد بعد عام 2024، فقد كان “بايدن” بحاجة إلى التعامل مع المفاوضات بعزم للتغلب على الدمار الذي أحدثه سلفه واستعادة الاتفاق. وبدلاً من ذلك، فإنه يغوص حاليا بشكل أعمق في الحفرة التي وجد نفسه فيها.

وبالرغم أن “دونالد ترامب” ألحق الكثير من الأضرار بالسياسة تجاه إيران على مدار 4 سنوات، إلا أن “بايدن” ومستشاريه كان أمامهم خيار التراجع عبر عودة سريعة إلى الاتفاق النووي، لكنهم فوتوا ذلك.

أما الآن، مع اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، فإن إحياء الاتفاق النووي أو أي اتفاق مع إيران سوف يهدد حظوظ الفوز في الانتخابات.

وقد تكون هناك فترة من الجمود المؤقت، ما يؤدي إلى تجنب التصعيد نحو حرب شاملة أو اختراق نووي إيراني. لكن إذا استمر خوف “بايدن” من النجاح أكثر من خوفه من الفشل، فسوف يدفع قريبًا تكاليف الانهيار الدبلوماسي ويجني بذور الصراع التي زرعها “دونالد ترامب”.

 

 ريان كوستيلو

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
الخليج الجديد
المصدر
Responsible Statecraft

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى