بوتين في طهران: اتفاقات استراتيجية ونيل مساعدة إيران للالتفاف على العقوبات

في ظرف إقليمي ودولي دقيق وحساس، وبعد يومين من عودة الرئيس الأميركي جو بايدن من الشرق الأوسط، اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يزور طهران.

ميدل ايست نيوز: في ظرف إقليمي ودولي دقيق وحساس، وبعد يومين من عودة الرئيس الأميركي جو بايدن من الشرق الأوسط، اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يزور طهران، في ثاني زيارة خارجية له خارج روسيا منذ بدء الحرب ضد أوكرانيا خلال فبراير/شباط الماضي.

فحسب تقرير لموقع “العربي الجديد” زيارة بوتين إلى إيران هي الخامسة من نوعها بشكل عام، والأولى له في عهد حكومة الرئيس الإيراني الجديد المحافظ إبراهيم رئيسي. وسيلتقي الرئيس الروسي اليوم الثلاثاء نظيره الإيراني والمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي. وإلى جانب مباحثاته مع القادة الإيرانيين، فإنه سيعقد اجتماعاً مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، وسيشارك في اجتماع ثلاثي بصيغة زعماء الدول الضامنة لمسار أستانة حول سورية.

وقد استبق وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبداللهيان، القمة الثلاثية بالقول إنها تسعى إلى “تثبيت خفض التوتر في مناطق الاشتباك في سورية”، فيما كان لافتاً أمس الكشف عن زيارة مرتقبة لوزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد إلى طهران اليوم بالتزامن مع القمة الثلاثية.

ثلاثة سياقات لزيارة بوتين إلى طهران، الأول مرتبط بالعلاقات الثنائية التي أصبحت تتطور بشكل متسارع منذ تولي رئيسي السلطة التنفيذية في إيران في يوليو/تموز 2021، والذي لديه مقاربة مختلفة عن سلفه حسن روحاني في السياسة والعلاقات الخارجية.

ويركز رئيسي على التوجه شرقاً نحو روسيا والصين، فيما كان روحاني يسعى إلى حلحلة صراع بلاده وأزماتها مع الغرب، وبالذات مع أميركا. والسياق الثاني إقليمي، فالزيارة تأتي في ضوء تصاعد التوتر الإيراني الإسرائيلي، والحديث الأميركي عن تشكيل “هيكل إقليمي قوي” بمشاركة تل أبيب في مواجهة طهران والمحور الذي تقوده.

أما السياق الثالث فهو دولي، يتصل أولاً بارتفاع منسوب التوتر بين إيران والغرب، خصوصاً أميركا، على خلفية انسداد المفاوضات الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي، الذي تشكل روسياً أحد أعضائه.

ويتصل ثانياً بالحرب الأوكرانية وتداعياتها الكبيرة عالمياً على مختلف المناطق والمستويات، ومساعي القوى العالمية المنخرطة بشكل أو بآخر في الحرب الدائرة على أرض أوكرانيا، لإعادة تنظيم علاقاتها وأوراقها الخارجية في مواجهة بعضها بعضاً. وكانت تداعيات الحرب أحد أهم أسباب زيارة بايدن إلى المنطقة بحثاً عن حلول لزيادة إنتاج النفط في ظل العقوبات المشددة على روسيا.

وفي السياق أيضاً، جاءت اتهامات أميركية لطهران، عبر مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان أخيراً، بتزويدها روسيا بمسيرات قتالية لاستخدامها في الحرب ضد أوكرانيا. لكن وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان نفى، في اتصال هاتفي مع نظيره الأوكراني ديميتري كوليبا الجمعة الماضي، صحة التصريحات الأميركية، قائلا إنها “اتهامات لا أساس لها من الصحة”.

لا علاقة بين زيارتي بوتين وبايدن

زيارة بوتين إلى طهران بُعيد زيارة بايدن الشرق أوسطية تثير تساؤلات عن هذا التزامن، وما إذا كانت زيارة الرئيس الروسي تأتي رداً على زيارة نظيره الأميركي. لكن الخبير الإيراني محمد قادري يرى أنه “لا علاقة مباشرة بين الزيارتين، وهذا التزامن يبدو أنه مجرد صدفة”.

ويضيف قادري أن زيارة بايدن المنطقة على عكس ما يروج له الإعلام الإسرائيلي بأنها جاءت في سياق مواجهة إيران، فإنها كانت بهدف البحث عن حلول بشأن أزمتي الطاقة والغذاء العالميتين، ولتنظيم العلاقات بين حلفاء واشنطن في المنطقة. وعزا زيارة الرئيس الروسي إلى طهران إلى محاولة بوتين “الحصول على مساعدة إيران في كيفية الالتفاف على العقوبات، نظراً إلى تجربتها الحافلة” في هذا المجال.

وفي هذا الإطار، أشار المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، في مقابلة مع الإذاعة والتلفزيون الإيرانيين بثت أمس الإثنين، إلى “وجود إمكانية لدى كل من روسيا وإيران لبناء التعاون من أجل تقليل عواقب العقوبات”.

ووفقاً له، فإن “إيران تخضع للعقوبات منذ عقود، وقد تكيفت بشكل جيد لتطوير وتحسين رفاهية شعبها، على الرغم من القيود، موضحاً أن “روسيا معتادة أيضاً على العقوبات”. وذكر أن الدولتين ستبتعدان بمرور الوقت عن ممارسة استخدام الدولار في التعاون الثنائي.

وقال: “في الأشهر الأخيرة، وفي السنوات القليلة الماضية، جرى إعطاء دوافع إضافية في جميع المجالات السياسية والدبلوماسية والتعاون الاقتصادي”. وأضاف أن “طهران دولة صديقة وشريكة لروسيا، وتعتز موسكو كثيراً بالعلاقات الثنائية معها”.

وقال: “نحن فعلاً نعتز بعلاقاتنا الثنائية مع إيران ونوليها الاهتمام الكبير والقيمة المتميزة. ويثير السرور أن رئيسي الدولتين في طور التواصل المستمر”.

ويؤكد قادري أن الحديث عن قطبية ثنائية آخذة بالتشكل في الشرق الأوسط بقيادة بايدن وبوتين، لمحاولة كل واحد منهما ضم لاعبين إلى صفه، “مقاربة غير صحيحة”. ويشير إلى أن دولاً مثل السعودية والإمارات والبحرين معروف أنها حليفة لأميركا منذ زمن، “لكن الجمهورية الإسلامية بعد الثورة الإسلامية لم تنظم علاقاتها مع أي دولة على أنها تندرج تحت محورها”.

غير أن زيارة بوتين إلى طهران، حسب قادري، تأتي في سياق “تعزيز التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف في المنطقة لمتابعة سياساته الاستراتيجية في مختلف المجالات”. ويشير إلى أن هذه الزيارة لن تروق للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي والدول الأوروبية الثلاثة (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) الشريكة في الاتفاق النووي.

وسيبحث بوتين في طهران، وفق قادري، متابعة تفاهمات البلدين بشأن مشاريع متعددة، مثل معاهدة الأمن الجماعي ومنظمة “شنغهاي” للتعاون ومنظمة التعاون الاقتصادي “إكو”، وتعزيز العلاقات الاقتصادية.

عهد جديد في العلاقات بين إيران وروسيا

العلاقات الإيرانية الروسية تشهد “توسعاً كبيراً للغاية” في عهد رئيسي، كما يقول الخبير الإيراني حسن بهشتي بور، الذي يؤكد أن الدافع وراء ذلك لا يتمحور فقط بتعرض البلدين للعقوبات الأميركية. ويشير إلى أن “حكومة رئيسي في إطار التوجه نحو الشرق تريد تعزيز العلاقات مع القوى الآسيوية، منها روسيا والصين والهند”.

ويضيف بهشتي بور، في حديثه مع “العربي الجديد”، أن الحرب الروسية ضد أوكرانيا أفضت إلى “تحولات أساسية” على المستوى الدولي، منها على صعيد العلاقات الإيرانية الروسية. ويؤكد أن “روسيا منذ تعرضها لعقوبات غربية واسعة تبدي رغبة أكبر من قبل للتقارب مع إيران”، مشيراً، في السياق، إلى سعي روسي لتفعيل مشاريع متوقفة منذ سنوات بين البلدين، مثل ممر شمال جنوب (الذي يربط روسيا بالمحيط الهندي عبر الأراضي الإيرانية).

ويوضح أن الاهتمام الروسي بهذا الممر الجيواستراتيجي زاد بعد الحرب الأوكرانية، فيما لم تكن موسكو تبدي اهتماماً به قبل الحرب، مؤكداً أن “العامل الأساسي” الذي يدفع موسكو حالياً لتعزيز العلاقات مع طهران هو تداعيات الحرب الأوكرانية.

وفي السياق، يلفت بهشتي بور إلى محدد جديد آخر في تعزيز التقارب الإيراني الروسي، وهو عامل العقوبات المشتركة على البلدين، موضحاً أنها تشكل دافعاً لهما للتعاون في مواجهة العقوبات الأميركية والأوروبية “الأحادية” والاستفادة من تجارب بعضهما في هذا المجال.

إلى ذلك، يؤكد السفير الروسي في طهران لفان جاغاريان، في مقابلة مع صحيفة “شرق” الإيرانية نشرت السبت الماضي، أن إيران وروسيا في الوقت الراهن “في خندق واحد”.

هل يقلل التقارب الروسي الإيراني من أهمية الاتفاق النووي؟

يرى مراقبون أن التقارب الإيراني الروسي الجديد يأتي على حساب العلاقات بين إيران والغرب، والاتفاق النووي المبرم في العام 2015، والمفاوضات المتعثرة الرامية إلى إحيائه. لكن بهشتي بور يقول، في حديثه مع “العربي الجديد”، إن التوجه الإيراني في عهد رئيسي نحو الشرق يأتي بمعزل عن طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، و”سواء كانت هذه العلاقات جيدة أو سيئة، ستواصل طهران علاقاتها مع روسيا والصين والهند”.

ويوضح أنه “من الطبيعي أن تبدي إيران اهتماماً أكبر بعلاقاتها مع الصين وروسيا في ظل استمرار العقوبات”، لكن ذلك لا يعني أنها ستتجاهل العلاقات مع الغرب، وستصر فقط على العلاقات مع روسيا إذا ما أرادت أميركا رفع العقوبات عن إيران. ويشير إلى تعارض المصالح الإيرانية والأميركية من الاتفاق النووي، مضيفاً أن طهران تريد منه تحصيل منافع اقتصادية، بينما واشنطن تريد منافع أمنية في الاتفاق.

وما زالت أوساط إيرانية ترى أن روسيا بعد الحرب على أوكرانيا تشكل عقبة أمام التوصل إلى اتفاق في المفاوضات النووية، وتجعل من ذلك ورقة ضغط على الغرب، لكن بهشتي بور يرى أن “هناك مبالغة في إيران حول الدور الروسي في الاتفاق النووي”.

ويقول إن “روسيا ليس لها ذلك الدور الكبير الذي يجرى الحديث عنه في إيران، والبلد الذي له دور مؤثر وحاسم بالاتفاق هو أميركا وطرفه إيران”، مع تأكيده أنه “إذا اتفقت أميركا وإيران فيما بينهما فلن تقدر لا روسيا ولا ألمانيا ولا الصين أن تمنع ذلك”. وفي الوقت ذاته، يؤكد بهشتي بور أن “وساطة هذه الدول لها دور مؤثر لكنها ليست حاسمة”.

غير أن الخبير الإيراني في العلاقات الدولية هادي خسرو شاهين يرى، في حديثه مع “العربي الجديد”، أن مستقبل الاتفاق النووي والدور الروسي فيه مرتبط بتداعيات الحرب الأوكرانية، مضيفاً أن “روسيا قبل هذه الحرب كانت تفضل أن تلعب دوراً تسهيلياً (في المفاوضات النووية)، لكنها اليوم لا تلعب دورها السابق”.

ويضيف أن “روسيا من خلال الوقوف إلى جانب مواقف إيران في المفاوضات، والإصرار على إلغاء الحد الأقصى من العقوبات المهمة (المفروضة على إيران)، تسعى إلى تحصيل المزيد من أوراق الضغط في مواجهة الغرب، ولعب دور أكثر تأثيراً في المعادلات الأمنية في المنطقة”.

وفي السياق، يقول خسرو شاهين إن روسيا تهدف إلى إفشال المحاولات الأميركية لإيجاد تحالف إقليمي بمشاركة إسرائيل، مشيراً إلى أن هذه الترتيبات الإقليمية ستواجه “تحديات كبيرة بعد الانضمام الروسي إلى إيران والصين”.

ويعود الاتفاق النووي بالأساس، كما يقول خسرو شاهين، إلى “عصر النظام الدولي أحادي القطبية، والمصالحة بين القوى الكبرى، واليوم، في مرحلة الانتقال من هذا العصر، تبتعد هذه القوى عن المصالحة” على خلفية ما آل إليه النظام الدولي “من وضع فوضوي” بسبب الحرب الأوكرانية، التي يؤكد خسرو شاهين أنها “منحت قوى مثل إيران هامشاً أكثر للمناورة”.

وفي الوقت نفسه، يضيف الخبير الإيراني أن هذا الوضع الدولي “بات يقلل من تأثير العقوبات الأميركية الأحادية، كما نرى ذلك في العقوبات الغربية على روسيا”. ويشير إلى أنه “في مثل هذا الوضع، من الطبيعي أن يتشكل هذا الإدراك لدى الساسة الإيرانيين بإمكانية تمرير شؤون البلاد وإدارتها من دون الاتفاق النووي، ومن خلال التعاون الثنائي، أو متعدد الأطراف مع الصين وروسيا، وفي إطار منظمات مثل شنغهاي وبريكس بلاس”.

ويلفت إلى أن ما يعزز هذا الإدراك هو “وجود قناعة بأن الاتفاق النووي، في حال إحيائه أيضاً، لن تكون له تلك المنفعة النسبية السابقة في ظل أفق السياسة الداخلية الأميركية”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة − 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى