خرقٌ في محادثات فيينا؟

اللافت للانتباه في المفاوضات أنه حتى يوم السبت، قلّة توقّعت أن يحقّق المفاوضون في الجولة الأخيرة التي انطلقت الخميس خرقاً جدياً.

ميدل ايست نيوز: “انتهت المفاوضات وهذا هو النص النهائي، ولن يعاد التفاوض عليه”، قال مصدر في الاتحاد الأوروبي اليوم الأثنين، معلناً تسليم المندوبين الكبار في مفاوضات فيينا الصيغة النهائية لما تم التوصّل إليه. إيران تقول إنها تدرس النصّ وستقدّم “آراء إضافية” بشأنه.

“نقف على بعد خمس دقائق أو خمس ثوان من خط النهاية”. بهذه الكلمات أوحى السفير الروسي لدى المنظمات الدولية في فيينا ميخائيل أوليانوف بتزايد احتمالات إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران.

أدلى أوليانوف بتصريحه أمام مراسلين خارج قصر كوبورغ في العاصمة النمسوية يوم الأحد، مضيفاً أنه تبقى “ثلاث أو أربع قضايا” كي يتم حلها، لكنّه أشار أيضاً إلى أنّ هذه القضايا حسّاسة بالنسبة إلى الأميركيين والإيرانيين معاً.

ومع أنّه أعلن أنّه لا يستطيع ضمان النجاح، يبقى “الانطباع أننا نسير في الاتجاه الصحيح”. كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي إنريكا مورا بدا حتى أكثر ثقة من أوليانوف. فهو متفائل “بالتأكيد” حيال المفاوضات التي توقع اختتامها بنجاح في المستقبل القريب.

وكان الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل قد تقدم بمقترح جديد قبل نحو أسبوعين للتوصل إلى حلّ للأزمة، واصفاً إياه بأنه المقترح الأكثر عملانية والذي يضمن المكاسب التي حققتها جميع الأطراف عبر المفاوضات المضنية.

لكنّ التقارير التي تلت إعلان بوريل عن مقترحه مالت إلى تقييم متشائم تجاه إمكانية نجاحه، إلى درجة أنّ الممثل الأميركي الخاص للشأن الإيراني روبرت مالي أبلغ الإسرائيليين أنّ “الاتفاق مات” بحسب وجهة نظره. يأتي ذلك في وقت يعدّ مالي من أبرز المتحمسين لإعادة إحياء الاتفاق، ويبدو أنّ ذلك تسبب باستقالة عدد من المفاوضين في فريقه أواخر السنة الماضية، بعدما رأوا أنّه متساهل كثيراً في المباحثات مع الإيرانيين.

شبح ترامب

انسحب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من الاتفاق في أيار (مايو) 2018، وبدأ بفرض عقوبات قاسية على إيران ضمن ما عُرف بـ”حملة الضغط الأقصى”.

إلى جانب نجاحها في حرمان الخزانة الإيرانية من أكثر من 100 مليار دولار بفعل حملتها، تداركت الإدارة الجمهورية السابقة احتمال وصول الديموقراطيين إلى البيت الأبيض سنة 2020، بما أنّهم يحملون في غالبيتهم برنامجاً للانفتاح على طهران.

لهذا السبب، عمدت الإدارة إلى تشبيك العقوبات النووية بتلك الحقوقية والإرهابية لتصعيب المهمة على الديموقراطيين. وهكذا حصل. فبعد أكثر من عام على المفاوضات التي بدأت في آذار (مارس) 2021، اصطدم الأميركيون والإيرانيون بعثرات كثيرة منعت من تحقيق هذا الهدف.

من بين العراقيل التي واجهت الطرفين، إصرار الإيرانيين على رفع “الحرس الثوري” من قائمة الإرهاب. وكانت إدارة ترامب قد اتّخذت قرار التصنيف سنة 2019. لم تلبِّ الإدارة الحالية هذا الطلب بسبب الضغوط الجمهورية في الكونغرس على الأرجح، إلى جانب الضغوط الإسرائيلية.

وأوضحت الإدارة السابقة أنّ “الحرس الثوري” مسؤول عن قتل أكثر من 600 أميركي في العراق، ما صعّب أيضاً مهمة شطبه عن قائمة الإرهاب أمام الرأي العام الأميركي. لكنّ تصميم إدارة بايدن على هذا الموقف لم يكن صلباً دوماً. قال مالي في شهادة أمام الكونغرس إنّ الإدارة مستعدة لبحث هذا الطلب بشرط أن تحصل على تعهّدات بتغيير سلوك إيران الإقليميّ.

يبدو أنّ واشنطن لم تلقَ تعهّداً حاسماً في هذا الإطار. على أيّ حال، نقلت وكالة “رويترز” في حزيران (يونيو) الماضي عن مسؤولَين، إيرانيّ وأوروبيّ، قولهما إنّ طهران تخلت عن عقبة كبيرة أمام إحياء الاتفاق وهو طلبها شطب “الحرس” من لائحة الإرهاب.

معضلة أخرى

من جهة ثانية، أطفأت إيران 27 كاميرا أممية موضوعة على منشآتها النووية بموجب اتفاق 2015، وقالت إنّها لن تعيد تشغيلها قبل إعادة إحيائه. أقدمت إيران على تلك الخطوة بعدما وجّه مجلس المحافظين التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية اللوم لإيران أوائل يونيو الماضي بسبب عدم تعاونها مع الوكالة في تقديم تفسيرات بشأن مواد نووية عُثر عليها في منشآت غير معلن عنها. واتّخذ المجلس قراره بغالبية كبيرة بلغت 30 صوتاً من أصل 35.

وفي أواخر تموز (يوليو) تموز الماضي، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي إنّ طهران لن توافق على تقديم أجوبة بخصوص تلك الآثار، مشيراً إلى أنّ اتفاق 2015 قد برّأ إيران من “الأبعاد العسكرية المحتملة” لبرنامجها النووي.

لكنّ تلك التبرئة جاءت من خلال غض نظر أميركي بقيادة إدارة أوباما عن الطلب إلى إيران بتقديم جردة كاملة عن ذلك البرنامج، ولم يكن ناتجاً من تحقيق أمميّ شامل.

وأعلن إسلامي أنّ هذه المطالب أُغلقت بموجب اتفاق 2015، مضيفاً أنّه “إذا كانوا (الغربيون) صادقين، فيجب عليهم أن يعلموا أنّ المواد المغلقة لن يعاد فتحها. أساس الاتفاق النووي كان رداً على تلك القضايا المزعومة”.

تفاؤل واقعيّ؟

اللافت للانتباه في المفاوضات أنه حتى يوم السبت، قلّة توقّعت أن يحقّق المفاوضون في الجولة الأخيرة التي انطلقت الخميس خرقاً جدياً بحسب “رويترز”.

الانقلاب شبه المفاجئ في المواقف التي صدرت الأحد يطرح علامات استفهام عمّا إذا تحقّق خرق كهذا، أم أنّ الأمر يتعلّق بمجرّد “تفكير رغبوي” لدى الأوروبيين، وبمحاولة روسية محتملة لإلقاء اللوم على الأميركيين إذا تعثّرت المفاوضات مجدداً.

فالتصريحات الإيرانية كانت أكثر حذراً، إذ قال وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إنّ بلاده “جدية في التوصل إلى اتفاق مستقر وصلب”. وخلال حديث مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أضاف عبد اللهيان أنّه يتحتّم على أميركا إظهار “المرونة والواقعية الضرورتين في الممارسة” لإنجاح المفاوضات.

في الوقت نفسه، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، أنّ عدداً من الدبلوماسيين الغربيين قالوا، الأحد، إنّ إيران تشدّدت في شرط عدم بحث الوكالة في قضايا آثار اليورانيوم البشريّة المنشأ وبرنامجها العسكري النووي السابق لاتفاق 2015. وقال هؤلاء الدبلوماسيون إنه لم يكن هناك توافق حول هذه القضية.

أيام قليلة قد تفصل العالم عن معرفة ما إذا كان تفاؤل مورا وأوليانوف في محلّه أم لا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 − 12 =

زر الذهاب إلى الأعلى