لماذا تعتزم إيران استيراد الغاز من روسيا رغم أنها تمتلك ثاني أكبر احتياطي في العالم؟

نظرا إلى أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي من الغاز بعد روسيا على مستوى العالم، فإن الخطوة أثارت جدلا بشأن الجدوى الاقتصادية وتداعياتها على الاقتصاد الإيراني المحاصر.

 ميدل ايست نيوز: لم يمض سوى شهر علی توقيع شركة النفط الوطنية الإيرانية مذكرة تفاهم بقيمة 40 مليار دولار مع شركة غازبروم الروسية لتطوير 7 من حقول النفط والغاز وإكمال مشاريع نفطية أخرى، حتى كشفت وسائل إعلام إيرانية عن عزم طهران استيراد كميات من فائض الغاز الروسي.

وحسب تقرير لموقع الجزيرة بحث وزير النفط الإيراني جواد أوجي -الأربعاء الماضي- شراء الغاز الروسي مع إيغور ليفيتين كبير مساعدي الرئيس الروسي، مؤكدا أنه سيجري “في المستقبل القريب توقيع العقد النهائي لشراء ومقايضة الغاز مع روسيا بين شركة الغاز الوطنية الإيرانية ونظيرتها الروسية في موسكو”.

ونظرا إلى أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي من الغاز بعد روسيا على مستوى العالم، فإن الخطوة أثارت جدلا بشأن الجدوى الاقتصادية وتداعياتها على الاقتصاد الإيراني المحاصر.

وحول مسوغات طهران استیراد الغاز من روسيا، استطلعت الجزيرة نت آراء خبراء ومحللين إيرانيين انقسموا بين من يرى قرار استيراد فائض الغاز من الحليف الروسي يرمي إلى الالتفاف على العقوبات الغربية على موسكو، وآخرين يطالبون بضرورة تنمية البنى التحتية لإعادة تصدير الغاز المستورد إلى الجوار فضلا عن تأمين جانب من الحاجة الأوروبية إلى الطاقة.

الجدوى الاقتصادية وراء استيراد الغاز من روسيا

يربط رئيس نقابة مصدري النفط والغاز والبتروكيماويات في إيران حميد حسيني، الجدوى الاقتصادية للمشروع بشراء الغاز الروسي بأسعار منخفضة وإعادة تصديره لتحويل طهران إلى مركز للطاقة في المنطقة.

وأوضح حسيني، أن الأرضية متوفرة لإيصال الغاز الروسي إلى إيران عبر خطوط الغاز الممتدة بين كل من إيران وروسيا والأخرى بين تركمانستان وأرمنستان (أرمينيا) وأذربيجان وروسيا، مضيفا أن بلاده كانت تصدر الغاز إلى روسيا حتى قبل الثورة الإيرانية وأنه يمكن استخدام تلك الأنابيب لنقل الغاز الروسي إلى شمالي إيران.

وأشار إلى أن صادرات الغاز الإيراني إلى العراق وتركيا تنخفض في فصل الشتاء بسبب ارتفاع الاستهلاك المحلي، مؤكدا أنه يمكن استهلاك الغاز الروسي في المناطق الشمالية في إيران وتصدير الفائض إلى دول الجوار التي ترغب بزيادة وارداتها من الغاز الإيراني.

ورأى حسيني في استيراد الغاز الروسي فرصة لتنمية البني التحتية وتصدير فائض منه إلى باكستان وأفغانستان وسلطنة عمان، مؤكدا أن الجانب الروسي أعلن استعداده لإكمال مد خط أنابيب الغاز داخل الأراضي الباكستانية؛ حيث إن إيران كانت قد انتهت من مد خط أنبوب السلام داخل أراضيها.

معارضة للمشروع

المساعد السابق لرئيس لجنة الطاقة البرلمانية هدايت الله خادمي، يصف “الادعاء بقدرة البلاد على شراء الغاز الروسي وبيعه بأسعار أغلى بغير المنطقي، متهما موسكو بأنها تنظر إلى إيران باعتبارها سبيلا لتعويض الأسواق التي خسرتها جراء الحرب على أوكرانيا”.

وانتقد خادمي الجهات المعنية في بلاده لتقديمها مشروع استيراد الغاز من روسيا بأنه إنجاز، في حين ينبغي “إقامة العزاء” لمثل هذه المشاريع، مؤكدا أن بلاده تفتقر إلى البنى التحتية اللازمة لإعادة تصدير الغاز الروسي إلى الجوار ناهيك عن تصديره إلى الأسواق البعيدة.

وأوضح -في تصريحات صحفية نقلتها صحيفة شرق الإيرانية- أن سعة خطوط نقل الغاز إلى العراق وتركيا محدودة، مضيفا أنه الأحرى ببلاده العمل على استخراج الغاز من الحقول المشتركة بدلا من مد أنابيب جديدة لإعادة تصدير الغاز الروسي.

وأعرب عن خشيته من توقف عمليات تطوير حقول الغاز الإيرانية في ضوء التركيز على واردات الغاز من روسيا، مؤكدا أن قبول طهران بواردات الغاز من روسيا يعني أنها قبلت بخسارتها أسواق الغاز العالمية وتحولت إلى مستورد للغاز في حين أنها تمتلك ثاني أكبر احتياطي من هذه المادة على الصعيد العالمي.

مبررات الاستيراد

يعتقد الباحث في شؤون الطاقة سهراب رستمي كيا، أن الحرب الروسية على أوكرانيا قد تسببت بخلق أزمة طاقة في القارة الخضراء لكنها فتحت آفاقا للالتفاف على العقوبات الأميركية وإيصال الطاقة الإيرانية إلى أوروبا.

وأوضح رستمي كيا أن إيران قد اكتسبت تجربة قيّمة في الالتفاف على العقوبات الغربية طيلة العقود الماضية، مضيفا أنه بإمكان طهران بيع الفائض من الطاقة -ومنها الغاز الروسي- في ظل العقوبات، مستدركا أن المواجهة بين الغرب وروسيا ستدفع الدول الغربية إلی التهافت علی استيراد الطاقة من إيران، علی حد تعبيره.

وأكد الباحث الإيراني، أن زيادة صادرات بلاده من الغاز ستعزز مكانتها بين الدول المصدرة للغاز، مؤكدا أنه وفق الإحصاءات المتوفرة فإن لدى الروس فائضا يبلغ 75 مليار متر مكعب من الغاز وأن بلاده قادرة على استيراد نحو 20 مليار متر مكعب منه من دون الحاجة إلى توظيف رساميل لإنشاء أنابيب جديدة.

وخلص رستمي كيا إلى أن عدم استغلال طهران الفرصة المتاحة أمامها سيدفع بالروس إلى البحث عن زبائن جدد؛ مثل باكستان وأفغانستان حيث ستتحولان إلى منافس للغاز الإيراني.

سبب التشاؤم

يرى الباحث الاقتصادي غلام رضا مقدم، أن بلاده لم تجن خيرا من تعاونها مع الروس خلال العقود الماضية وأن تباطؤ موسكو في إكمال مشروع بناء منشأة بوشهر النووية خير دليل على ذلك، مضيفا أن التنافس الروسي كان عائقا رئيسيا أمام قطاع الغاز الإيراني وعدم حضوره قويا في الأسواق العالمية.

وأوضح أن روسيا اليوم مضطرة للتخلص من فائض الغاز لأنها غير قادرة على معالجة كمية كبيرة منه وإسالته، وأنها ستكون مرغمة على حرقه في حال عدم تمكُّنها من بيعه.

واعتبر مقدم أن التعويل الإيراني على شراء الغاز الروسي وإعادة بيعه إلى تركيا سيحرم البلاد فرصة الحضور في الأسواق الأوروبية، مؤكدا أن تركيا تعمل على توقيع عقد طويل المدی لشراء الغاز الإيراني وبيعه للأوروبيين.

وخلص الباحث الإيراني إلى أن الجانبين -الإيراني والروسي- وقّعا على عشرات العقود والاتفاقيات خلال الأعوام الماضية إلا أنها بقيت حبرا على ورق ولم يعلن عن اكتمال أيٍّ منها.

استيراد الغاز من روسيا والالتفاف على العقوبات الغربية

ويرجح الباحث في الشؤون السياسية سعيد شاوردي، حصول تعاون إيراني روسي للالتفاف على العقوبات الغربية خلال الفترة المقبلة، مضيفا أنه عقب الأزمة الأوكرانية تعرضت موسكو إلى ضغوط غربية لم تكن غريبة على إيران التي عانت طيلة العقود الماضية جراء العقوبات الغربية وأن طهران ترد الجميل إلى الروس الذين دعموها أكثر من مرة في مجلس الأمن الدولي.

وقال شاوردي إن بلاده تعتبر روسيا شريكا إستراتيجيا على شتی الصعد -السياسية والاقتصادية والعسكرية- مؤكدا أن طهران لن تتخلى عن حليفها الروسي كما أن موسكو لم تتخلَّ عنها عندما تعرضت إلى أقسى الضغوط الغربية.

وتوقع الباحث الإيراني تعزيز التعاون التجاري بين بلاده وروسيا في ضوء عزم الأخيرة مواصلة الحرب على أوكرانيا، مؤكدا أن الجانبين قد يطبقان تجربة تعاونهما النفطي على فائض الغاز الروسي؛ حيث سبق واستلمت طهران شحنات من النفط الروسي في موانئها الشمالية وقامت بدورها بتسليم النفط الإيراني إلى زبائن روسيا في الخليج.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى