تحولات جيوسياسية.. دوافع وآفاق التقارب الروسي الإيراني

يجب على موسكو أن تفكر أيضا في كيفية تجاوز العاصفة على المدى الطويل، خاصةً أنها قد تواجه عقوبات أشد في المستقبل.

ميدل ايست نيوز: أظهر الاقتصاد الروسي قدرة على تحمل ضغط العقوبات الغربية رغم مرور 6 أشهر على اندلاع الحرب في أوكرانيا؛ ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى عائدات صادرات الطاقة التي تساهم بشكل كبير في الميزانية الفيدرالية الروسية وصندوق الثروة الوطنية، لكن يجب على موسكو أن تفكر أيضا في كيفية تجاوز العاصفة على المدى الطويل، خاصةً أنها قد تواجه عقوبات أشد في المستقبل.

وتعتمد روسيا على عدد من الواردات المهمة خاصة المنتجات عالية التقنية التي أصبح الوصول إليها محدودًا الآن. وتدرك موسكو أن العقوبات الأكثر صرامة يمكن أن تؤثر في الاقتصاد بشكل أكبر لدرجة قد تهدد الاستقرار السياسي.

هناك عدة طرق لتخفيف تلك الآثار؛ مثل تقديم مبادرات لتوطين الواردات، وإيجاد طرق للالتفاف على العقوبات، واستكشاف موردين بديلين للمنتجات الرئيسية، والحفاظ على تدفق صادرات الطاقة كرافعة ضد الغرب، والمشاركة في مبادرات التعاون الإقليمي.

ويمكن لإيران أن تلعب دورًا مهمًا في كل هذه الخيارات، ويفسر ذلك سبب اقتراب موسكو من طهران مؤخرا. وفي الفترة من يناير/كانون الثاني إلى يونيو/حزيران، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 2.7 مليار دولار بزيادة 42.5% عن نفس الفترة من العام الماضي.

وفي لقائه الأخير مع نظيره الإيراني، قال وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” إن العلاقات مع إيران “وصلت إلى مستوى نوعي جديد” يمكن أن يتوج باتفاق ثنائي كبير.

يشار إلى أن طهران تواجه عقوبات غربية صارمة وترى في هذه الأوضاع فرصة للوصول إلى عدد من التقنيات والسوق الروسي الكبير نسبيًا. مع توافق مصالح البلدين على المدى القصير يبدو أن الأيام القادمة ستحمل مزيدا من التطورات في العلاقات الروسية الإيرانية.

ولطالما حافظت روسيا على سياسة حذرة تجاه إيران لكن العقوبات تدفعها لتعاون أوسع. ويمكن لموسكو أن تتعلم من كيفية تعامل طهران مع العقوبات التي فرضها الغرب عليها؛ حيث تتشابه القيود المفروضة على قطاعيهما المصرفي والصناعي، لذلك قد تنظر موسكو إلى النموذج الإيراني.

وتبحث موسكو عن شريك يمكنه توفير سلع يتعذر الوصول إليها، وشراء بعض المنتجات الروسية التي تفتقر الآن إلى الأسواق. وتساهم إيران حاليا في سد هاتين الثغرتين بالفعل. وعلى سبيل المثال، في منتصف مارس/آذار الماضي عندما حظر الاتحاد الأوروبي واردات الصلب من روسيا وحد من واردات عدد من المعادن الأخرى، أعربت إيران على الفور عن رغبتها في استيراد الزنك والألمنيوم وشراء الصلب مقابل شراء روسيا قطع غيار السيارات وتوربينات الغاز.

كما أشارت إيران إلى أنها قد تستورد المزيد من الحبوب من روسيا بعد أن أصبحت ثاني أكبر مشترٍ للحبوب في العام الزراعي 2021/2022. وفي يوليو/ تموز الماضي، وافقت إيران على توريد مكونات الطائرات إلى موسكو وتوفير الصيانة والإصلاحات للطائرات الروسية.

ومن المحتمل أن تكون روسيا مهتمة بوحدات التحكم الإلكترونية وغيرها من المواد الإيرانية الصنع، ومع توقع مشاركة إيران في نظام دفع “مير” الروسي قريبًا، فإن مثل هذه المعاملات ستزداد.

هناك أيضا فوائد في قطاع الطاقة، ففي يوليو/تموز، وقّعت شركة غازبروم الروسية وشركة النفط الإيرانية مذكرة تفاهم بشأن مشاريع نفط وغاز بقيمة 40 مليار دولار، ويعتقد الكرملين أن هذا قد يعوض الخسائر الروسية إذا تم فرض عقوبات أشد أو إذا اشترت الدول الأوروبية الطاقة من موردين آخرين.

وحتى إذا تم رفع العقوبات الغربية عن إيران ودخل المستثمرون الأوروبيون إلى السوق الإيرانية، ستكون روسيا قد أثبتت نفسها بالفعل كشريك رئيسي لصناعة الطاقة الإيرانية؛ مما يجعل الشركات الروسية قادرة على المنافسة بشكل كبير مع الشركات الأوروبية.

هناك هدف آخر لروسيا هو قطاع تكنولوجيا المعلومات الإيراني، حيث تمتلك روسيا قطاعًا لكنها تحتاج إلى مزيد من الخبرة في مجال الأمن التكنولوجي، خاصة مع زيادة الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الحيوية. وتتمتع إيران بخبرة في هذا المجال نظرًا لأنها كانت هدفًا لعدد من الهجمات الإلكترونية منذ عام 2010، مما يجعلها لاعبًا مهمًا في تقنيات الأمن السيبراني التي تساعد في حماية المنشآت النووية والعسكرية والاقتصادية.

واستثمرت إيران بكثافة في هذا المجال منذ هجوم “ستوكسنت” عام 2010 الذي عطّل برنامجها للطاقة النووية. ويمثل هذا فرصة لروسيا لأن حملتها العسكرية في أوكرانيا تتحول بشكل متزايد إلى حرب إلكترونية.

وفي الأشهر الستة الماضية، نما عدد الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الروسية الحيوية بنسبة 50%، وعلى صناعات الطاقة والمالية بنسبة 70% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، زاد عدد تسريبات البيانات بنسبة 50% تقريبًا.

وفضلا عن ذلك، ترى روسيا في إيران فرصة للوصول إلى أسواق جديدة، في الواقع، فإن ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب – الذي يربط روسيا بالهند عبر إيران ويتجاوز قناة السويس والبحار التي يوجد بها حلف الناتو – يعمل بالفعل.

لقد أصبح الممر أحد الطرق الرئيسية لتسليم البضائع من مومباي إلى سانت بطرسبرغ، ويتضمن هذا المسار طرق بحرية ونهرية وسكك حديدية، مما يجعل من الممكن تقليل الوقت اللازم لتسليم البضائع بين الهند وروسيا إلى النصف. (يتراوح وقت العبور على طول الطريق التقليدي عبر قناة السويس بين 30 و 45 يومًا، بينما يستغرق من 15 إلى 24 يومًا فقط باستخدام الممر الجديد).

وبالرغم من هذه الفرص المحتملة، فإن العلاقة بين روسيا وإيران لن تكون خالية من التحديات، فهناك عدة عوامل من شأنها أن تعقد محاولات تقوية العلاقات بينهما. وتتضارب المصالح بين البلدين في المناطق المجاورة ذات الأهمية الاستراتيجية – وبالتحديد جنوب القوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين والشرق الأوسط – والتي لطالما كانت نقطة انطلاق للمواجهة بين القوى الإقليمية.

على سبيل المثال، لدى البلدين مطالبات متنافسة على الموارد في بحر قزوين، وبالرغم أن اتفاقية 2018 بشأن الوضع القانوني لبحر قزوين كانت تهدف إلى حل النزاع، فإن إيران هي الدولة الوحيدة من بين الدول الخمس التي وقّعت مبدئيا على الصفقة ولم تصادق عليها بعد.

بالإضافة إلى ذلك، تعمل إيران على إحياء الاتفاق النووي، وهو ما قد يحول إيران إلى منافس لروسيا في مجال الطاقة خاصة في ظل العقوبات المفروضة على موسكو.

وإذا تحسنت علاقة إيران بالغرب، فإن موسكو قد تفقد نفوذها في سوق الطاقة؛ لأن إيران قد تصبح بديلاً مناسبا للدول الأوروبية التي تريد إنهاء الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية.

ومن شأن ذلك أن يحد من النفوذ الروسي على أوروبا مع استمرار حرب أوكرانيا، ويهدد دعائم التقارب الروسي الإيراني إذا تمكنت طهران من تطوير اقتصاد أكثر استقرارًا لم يعد يتطلب تعاونًا أو دعمًا روسيًا.

ويمكن القول إنه تم استئناف مفاوضات إحياء الاتفاق النووي في وقت غير مناسب لموسكو، وتجد روسيا، الموقعة على الاتفاق، نفسها الآن في موقف محفوف بالمخاطر: فمن ناحية، لا يمكنها التخلي عن الاتفاق النووي وتخاطر بإلحاق الضرر بعلاقاتها مع إيران، ومن ناحية أخرى لا يمكنها السماح بانفتاح طهران على الاستثمار الغربي، خاصة في صناعة الطاقة.

إذا تم التوصل إلى اتفاق، فمن المحتمل أن تستأنف إيران تصدير النفط إلى الغرب، مما سيجلب مليون برميل إضافي من النفط يوميًا إلى السوق العالمية ويساعد على خفض سعر الطاقة. ويسعى الكرملين إلى إقناع طهران بأنه سيتم التوصل إلى اتفاق في نهاية المطاف حتى لا يندفع المفاوضون الإيرانيون لتقديم تنازلات من أجل إبرام الصفقة.

وإجمالا، فإن المصالح الاقتصادية لروسيا وإيران تتداخل الآن أكثر مما كانت عليه قبل حرب أوكرانيا، وتنظر طهران إلى موسكو كسوق واعد لسلعها، فيما يرى الكرملين أن جارته مصدر مهم للمعدات والمواد التي تشتد حاجة الصناعة الروسية لها بعد عزل البلاد عن مورديها التقليديين.

ويمكن أن يكون التعاون مع إيران والمشاركة في المشاريع المشتركة مفيدا أيضا لروسيا من الناحية السياسية؛ حيث يساعدها ذلك على توسيع نفوذها في المنطقة.

وفي ظل الظروف الحالية تعد هذه العلاقة مفيدة للطرفين، لكن مستوى الثقة بين البلدين لا يزال منخفضًا، ولا بد أن تتعارض مصالحهم على المدى الطويل.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
الخليج الجديد
المصدر
جيبوليتكال فيوتشرز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى