اقتصاد إيران ما بعد رئيسي … ترقب بالأسواق والشارع ينتظر تحسناً في كلفة المعيشة

اقتصاد إيران المتأزم منذ سنوات، بفعل العقوبات الأميركية وسوء الإدارة الاقتصادية، تعرض لصدمة برحيل رئيسها إبراهيم رئيسي في وقت شهدت الأسواق المحلية في الأشهر الأخيرة استقرارا نسبيا.

ميدل ايست نيوز: اقتصاد إيران المتأزم منذ سنوات، بفعل العقوبات الأميركية وسوء الإدارة الاقتصادية، تعرض لصدمة برحيل رئيسها إبراهيم رئيسي في وقت شهدت الأسواق المحلية في الأشهر الأخيرة استقرارا نسبيا مع إعلان الحكومة تحسن مؤشرات اقتصادية، منها تراجع التضخم والبطالة وزيادة الصادرات وخاصة النفطية منها، رغم أن ذلك لم ينسحب على معيشة المواطن الذي مازال يشكو من واقعه الاقتصادي الصعب. لكن الصدمة حاليا لم تنعكس بشكل لافت في سلوك الأسواق والمؤشرات الاقتصادية، نتيجة تدخل الحكومة سريعا لضبط الأوضاع والسيطرة عليها، فبعد انتكاسة أولية مؤقتة لبعض الأسواق، مثل العملات والبورصة، توقف ذلك وعاد منحى التحسن فيها نتيجة تدخلات حكومية سريعة.

مساء الأحد على وقع الأنباء عن مصير مجهول للرئيس الإيراني وسط حالة ترقب شديد وتفاؤل مشفوع بالأمل بشأن العثور على طائرته في المناطق الجبلية بمحافظة أذربيجان الشرقي شمال غربي البلاد، بدأت تقلبات سريعة في أسواق العملات الأجنبية في السوق الموازي وذلك بعد إغلاق سوق العملات في طهران في الساعة السادسة عصرا. وسرعان ما اتخذ سعر الصرف منحى تصاعديا بلغ نحو 600 ألف ريال لكل دولار، ليل الأحد/الاثنين في السوق الحر، ذلك بعد أن عاد الهدوء إلى هذا السوق أخيرا إثر تصاعد التوترات بين إيران والاحتلال الإسرائيلي على خلفية استهداف الأخير للسفارة الإيرانية في دمشق، ورد طهران على ذلك في 13 إبريل/نيسان الماضي، حيث سجل الريال الإيراني هبوطا قياسيا بلغ أكثر 700 ألف ريال لكل دولار، قبل أن يتعافى بعد انخفاض منسوب التوترات إلى نحو 570 ألف ريال قبل حادث الطائرة المنكوبة.

كما أن البورصة الإيرانية، أغلقت أبوابها الاثنين الماضي، خشية تأثرها الشديد بالحادث، خاصة أنها سجلت يوما أحمر الأحد الماضي، بخسارة 62 ألف نقطة، قبل الإعلان عن فقدان طائرة رئيسي، إذ إن الحادث وقع بعد إغلاق البورصة. لكن البورصة فتحت الثلاثاء أبوابها وشهدت تحسنا طفيفا، بنحو ألف نقطة. وأمس الخميس بعد أربعة أيام على وقوع الحادث، لا يشهد سوق العملات تذبذبات كبيرة، واستقر سعر الصرف في السوق الحر نحو 575 ألف ريال، غير أن مراقبين يرون أن ذلك حصل بفعل تدخل من البنك المركزي الإيراني وأن هذا هدوء ما قبل العاصفة.

عن تداعيات غياب رئيسي على الاقتصاد الإيراني، يقول رئيس جمعية رجال الاقتصاد الإيرانية، الدكتور فرشاد برويزيان  إن رحيل رئيس الجمهورية باعتباره أعلى مسؤول تنفيذي في البلاد، يمثل “صدمة سياسية كبيرة”، لكن هذه الصدمة لا تترتب عليها بالضرورة، صدمة اقتصادية أيضا مثل بقية البلدان وذلك بسبب طبيعة نظام الحكم الإيراني المختلفة، والأيام التي مرت على وفاة رئيسي تظهر أن الصدمة السياسية لم تفض إلى صدمة اقتصادية مماثلة.

ويضيف برويزيان أن رئيس الجمهورية في إيران ليس الشخص الوحيد الذي يقرر ويخطط للسياسات الاقتصادية، لأن السياسات لا ترسم فقط على مستوى الوزارات والحكومة، بل في مستويات أعلى، لافتا إلى أن اقتصاد إيران اليوم له ارتباط وثيق بملفات خارجية، مثل العقوبات وقضايا دولية وعلاقات خارجية، وهي ملفات لا تقرر الوزرات والحكومة وحدها بشأنها، تتخذ القرارات حولها على مستويات أعلى. وبالتالي، يستبعد الخبير الاقتصادي وقوع تبعات اقتصادية كبيرة على غياب رئيسي، مشيرا إلى أن المتغيرات الاقتصادية ستبقى على حالها إلى حد كبير، لأن نظام الحكم الاقتصادي كما هو من دون تغيير.

كما يرى أن هذه الصدمة لو كانت لها تأثيرات، لكان يفترض أن تطيح بسوق العملات والبورصة والأسواق المالية خلال وقت قصير، لكن الأسواق في غضون ساعات استوعبت الصدمة، وحتى سعر الصرف بعد ساعات من ارتفاع عاد لفترة للنزول إلى أقل مما كان عليه قبل الحادث. لكن هذا لا يعني أن سوق العملات والأسواق المالية الإيرانية خلال الشهور المقبلة، لن تشهد اضطرابات، وفق رئيس جمعية رجال الاقتصاد، الذي يقول إن المؤشرات والأسواق الإيرانية بطبيعة الحال تواجه قضايا متعددة، منها العقوبات المستمرة وعجز الموازنة، لكن في الوقت نفسه، هذا الاضطراب إن حصل لا علاقة له برحيل الرئيس الإيراني، مشيرا إلى أنه ربما تتحسن هذه المؤشرات نتيجة سياسات قد تتخذها الحكومة المقبلة أو على مستويات أعلى.

اقتصاد إيران تنتظره استحقاقات مهمة

خبير الأسواق المالية الإيراني، الدكتور همايون دارابي، له وجهة نظر مختلفة، حيث يقول إن رحيل رئيسي “كان حدثا كبيرا للغاية على الصعيدين الداخلي والدولي وستكون له تأثيرات مهمة على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكون رئيس الجمهورية أعلى مسؤول تنفيذي في البلاد وثاني شخصية فيها” بعد المرشد.

وعليه، يضيف دارابي أن سياسات الرئيس وأفكاره ونموذجه في الإدارة، لها تأثيرها، كما أن الوضع بات معقدا إلى حد ما بعد رحيل رئيسي على وقع تغيير الحكومة بعد ثلاث سنوات من عمرها وإجراء انتخابات مبكرة وتشكيل حكومة جديدة إلى جانب البرلمان الجديد الذي انتخب في انتخابات مارس/أذار الماضي.

ويوضح الخبير أن النشطاء الاقتصاديين ينتظرون اتجاهات الحكومة الجديدة التي ستتشكل بعد انتخابات 28 يونيو المقبل الرئاسية، قائلا إن إيران تفتقر إلى أحزاب قوية، لذلك هوية الرئيس تكتسب أهمية كبيرة.

ويلفت دارابي إلى أن استحقاقين انتخابيين، لهما تأثيرهما على مستقبل اقتصاد إيران هما الانتخابات الرئاسية المقبلة وما يعقبه من مستوى التنسيق والتعاون بين الحكومة الجديدة والبرلمان الجديد، والاستحقاق الثاني هو الانتخابات الرئاسية الأميركية، التي قال إن نتائجها من شأنها أن تترك أثرا كبيرا على سياسات إيران الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.
يتابع الخبير الإيراني أن حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي كانت غارقة في قضايا اقتصادية يومية وأحيانا الحظ كان يحالفها بسبب ارتفاع أسعار النفط الذي وصل إنتاج النفط الإيراني العام الماضي إلى الحد الأقصى بالمقارنة مع السنوات السابقة، بنحو 3.5 ملايين برميل يوميا، لكن الحكومة في الوقت ذاتها، كانت تفتقر إلى برنامج اقتصادي متكامل ومنسجم.

يوضح دارابي أن حكومة رئيسي، ركزت كل جهدها على احتواء التضخم ولو على حساب دخول البلاد في مرحلة الركود التضخمي، وهو ما قلص القدرة على إجراء إصلاحات اقتصادية، مضيفا أنها اتبعت سياسة احتواء التضخم من خلال رفع سعر الفائدة والحد من القروض البنكية وذلك لأجل خفض التضخم الذي تراجع وفق أرقام حكومية إلى أقل من 40%. زيشير إلى أن هذه السياسة الاقتصادية كان لها دافع انتخابي أيضا، حيث إن البلد كان على أعتاب انتخابات رئاسية جديدة خلال 2025، أي بعد عام تقريبا من وفاة الرئيس الحالي.

كما يبيّن دارابي أنه بعد رحيل رئيس الجمهورية، إيران أمام شهرين من التردد في المرحلة الانتقالية، مشيرا إلى أن الرئيس الراحل رغم انتمائه إلى التيار اليميني، لكن سياساته الاقتصادية لم تكن يمينية وكانت على أساس اقتصاد إيران الحكومي، إذ إنها كانت تشبه سياسات الرئيس السابق حسن روحاني الاقتصادية في دورتها الأولى. ودعا إلى التريث حتى إجراء الانتخابات الرئاسية الجديدة في إيران وظهور نتائجها لمعرفة هوية الرئيس المقبل والسياسات الاقتصادية التي سيتبعها إن كانت مختلفة عن سياسات رئيسي أو تتوافق معها.

الحكومة الجديدة التي ستتمخض عن نتائج انتخابات الرئاسة خلال يونيو المقبل، عليها نيل الثقة من البرلمان الجديد الميال إلى الاقتصاد الحكومي والعمل مع هذا البرلمان، كما يقول دارابي، متوقعا أن تواصل الحكومة المقبلة مسيرة حكومة رئيسي الاقتصادية، إذا بقيت أسعار النفط على ما هو عليه اليوم واستمرت الصادرات النفطية الإيرانية أيضا على هذا النحو. علما بأنها وصلت العام الماضي إلى 36 مليار دولار. لكن إذا تراجعت أسعار النفط وتراجعت الصادرات النفطية، فستواجه الحكومة الإيرانية الجديدة، وفق دارابي، مشاكل كثيرة ستتضاعف إذا لجأت الحكومة إلى إصلاحات اقتصادية في ظل الركود التضخمي ونسبة الفقر المنتشرة (30%)، قائلا إن الإصلاحات في هذه الظروف على صعيد سعر الصرف وتقليص الدعم الحكومي للسلع وخاصة الطاقة، لها تبعاتها التضخمية أيضا.

هذا ويترقب اليوم الشارع الإيراني، بحذر ما سيحصل مع اقتصاد إيران المتأزم بعد رحيل رئيسي الذي كان الاقتصاد وتحسينه شعاره الأول في حملته الاقتصادية قبل تولي الرئاسة عام 2021، وسط انتقاداته الشديدة لسلفه حسن روحاني. وأطلق رئيسي وعودا كثيرة للشارع، بتحسين واقعه المعيشي الصعب واحتواء التضخم. واليوم بعد رحيله عقب ثلاث سنوات من رئاسته، لا يشعر المواطن بتحسن لافت في وضعه المعيشي رغم إعلان السلطات الاقتصادية خلال العام الأخير عن تحسن مؤشرات اقتصادية، مثل تراجع التضخم الشهري إلى نحو 38% وانخفاض البطالة إلى أقل من 10%. غير أن هذه السلطات تقول إن انعكاس تحسن هذه المؤشرات على الحياة الاقتصادية للمواطن بحاجة إلى وقت لكي تظهر نتائجه.

الرئيس الإيراني الراحل رغم مواصلة المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة بشكل غير مباشر لإحياء الاتفاق النووي بما يرفع العقوبات الأميركية الشاملة على اقتصاد إيران، لكنه لم يكن متفائلا كثيرا بنجاح هذا المسار، بالتالي منذ بداية رئاسته، سعى إلى قطع طرق أخرى للالتفاف على هذه العقوبات وإفشال مفاعيلها، منها تبني سياسة دبلوماسية الجوار والاستدارة نحو الشرق، أي الصين وروسيا. وقد نجحت هذه الدبلوماسية في خفض التوترات في العلاقات الإيرانية في المنطقة، خاصة مع الدول العربية، وتوجت باستعادة العلاقات الدبلوماسية مع السعودية خلال مارس/آذار 2023، ودول عربية أخرى، وسط مساع جادة لإحياء العلاقات الاقتصادية مع مصر، مع تطوير العلاقات مع الإمارات التي تشكل رئة اقتصادية لإيران في ظروف الاقتصاد بالنظر إلى حجم التجارة الاقتصادية الكبيرة بين البلدين. وفي الأثناء، تمكنت إيران في عهد رئيسي من بيع كميات كبيرة من نفطها المحظور أميركيا، وصلت في بعض الأحيان إلى 1.5 مليون برميل يوميا، بينما كان الرقم قبل سنوات نحو 400 ألف برميل.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى