من الصحافة الإيرانية: كيف تشدد قطر حلقة الحصار على إيران؟

أثبت القطريون بمرور الوقت كيف يمكن للدبلوماسية الذكية وشبكة العلاقات الواسعة وفهم منطق النظام الدولي والاستثمار العقلاني أن يعوض عن نقص العمق الجغرافي والاستراتيجي.

ميدل ايست نيوز: غالبا ما توصف دول مجلس التعاون في الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني بتعبيرات تحمل طابعًا سلبيًا، مثل “الدول الرجعية” أو “الشيوخ التابعين للغرب”. وتعكس هذه الأوصاف رؤية متعالية سادت لفترة طويلة، حيث دأبت إيران على النظر إلى نفسها كقوة متفوقة مقارنة بهذه الدول.

وفي ظل هذه الظروف الغامضة والمضطربة، تصبح رؤية الحقائق المهمة شبه مستحيلة بالنسبة لأي لاعب دولي، مما يجعله عاجزًا عن إدراك التحركات الخفية التي تُدار بخبث تحت غطاء ناعم لتأجيج الأزمات في جواره. قطر مثلا تُعد من بين تلك الدول التي، وعلى مرأى من الدبلوماسية الإيرانية، ساهمت بشكل مباشر في تحويل أفغانستان وسوريا إلى بؤرتين دائمتين للأزمات التي تؤثر سلبًا على إيران.

في 17 أغسطس من عام 2021 (اليوم التالي لسقوط حكومة أشرف غني أحمدزي في كابول)، هبطت طائرة شحن عسكرية تابعة للجيش القطري في مطار قندهار. كان على متنها عدد كبير من ضباط المخابرات العربية وصحفيون من قناة الجزيرة ودبلوماسيون وعشرات القادة والسياسيين البارزين في طالبان الذين تم إطلاق سراحهم من معتقل غوانتانامو. وكان الضيف الأبرز في هذا الرحلة هو الملا “عبد الغني برادر”.

تم إطلاق سراح الملا برادر عام 2018 بوساطة قطرية بعد ثماني سنوات من الأسر في باكستان ونقله مباشرة إلى الدوحة ليتولى مسؤولية المكتب السياسي الوحيد لطالبان خارج أفغانستان. ساعد القطريون طالبان في إنشاء مكتب تمثيلي في الدوحة (مع رفع علمهم الخاص عليه)، ليصبحوا على اتصال بالنظام الدولي ويدخلوا رسميًا في مفاوضات دبلوماسية مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين.

وأعادت طالبان، التي كانت قد انهارت تمامًا عام 2001، بناء شبكة جيشها القوي المكون من 30 ألف عنصر بمساعدة بعض دول المنطقة على مدى عقدين. هذا الانتعاش لم يكن ممكنًا بدون الدعم المالي والسياسي والاستخباراتي من قطر، وهو ما أشار إليه وزير دفاع طالبان (محمد يعقوب مجاهد، ابن الملا عمر) خلال زيارته الرسمية إلى الدوحة في مارس من عام 2024، حيث شكر رسميًا دعم قطر في إعادة طالبان إلى السلطة.

مع سقوط “جمهورية أفغانستان الإسلامية” وظهور “إمارة طالبان الإسلامية”، تم إقصاء القوى التي كانت لديها روابط ثقافية (لغوية أو مذهبية) مع إيران من هيكل السلطة، وصعدت حكومة متطرفة أحادية القومية في كابول. هذه الحكومة باتت تشكل بؤرة أزمة فعّالة على طول الحدود الشرقية لإيران، بما في ذلك حرف مسار أنهار هريرود وهلمند، وبناء سدود تمنع حقوق إيران المائية، والتي تم تمويلها بقروض ضخمة من قطر وبالتعاون مع شركات هندسية من أذربيجان وتركيا.

رقعة الشطرنج السورية 

في عام 2012، عندما تصاعدت الخلافات بين روسيا وقطر بشأن الأزمة السورية، هدد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قطر في مجلس الأمن بإزالتها من الخريطة باستخدام السلاح النووي. خاطب لافروف ممثل قطر قائلاً “من الأفضل أن تتحدث بحجم مساحة دولتك”، في إشارة إلى المساحة الصغيرة لقطر التي لا تتجاوز11 ألف كيلومتر مربع.

لكن القطريين أثبتوا بمرور الوقت كيف يمكن للدبلوماسية الذكية وشبكة العلاقات الواسعة وفهم منطق النظام الدولي والاستثمار العقلاني والمرونة أن تعوض عن نقص العمق الجغرافي والاستراتيجي.

في البداية، دعم تحالف قطر-تركيا تنظيم داعش لكبح محور روسيا-إيران في العراق وسوريا، لكنه تراجع لاحقًا عن هذا الدعم بسبب فشل التنظيم. وبعد تجربة غير ناجحة مع داعش، تحولت قطر وتركيا إلى دعم جبهة النصرة ولاحقًا هيئة تحرير الشام، كجزء من استراتيجيتهما في الأزمة السورية.

كما نقلت قطر أيضاً مسار مفاوضات الأطراف السورية من أستانا في كازاخستان إلى الدوحة، لتعزز قدرتها على التأثير في صناع القرار.

بعد سقوط بشار الأسد عقب صراع دموي استمر 13 عامًا، أثبتت قطر أنها، رغم صغر مساحتها مقارنة بطهران فقط، قادرة على التأثير بشكل كبير على الساحة الدولية وحتى إرباك أقوى الدول مثل روسيا. ففي الوقت الذي كانت تعزز فيه الحصار الجيوسياسي حول إيران خطوة بخطوة، لم تغفل قطر عن كسب ود السياسيين الإيرانيين بأساليب مدروسة. كانت تقدم تنازلات رمزية أو إغراءات صغيرة مقابل تنفيذ خطط كبيرة قد تؤثر على الموقف الإيراني.

تميزت قطر بمرونة دبلوماسية وقدرة على التنقل بين الأيديولوجيات المتعارضة، حيث استطاعت التوفيق بين توجهات الإخوان المسلمين المتطرفة والوهابية التقليدية، ما يجعل تصنيفها في إطار فكري واحد أمرًا صعبًا. حيث لبعت دورًا بارزًا في المنطقة بأسلوب غير تقليدي، متحدية الأنماط السياسية السائدة في الشرق الأوسط.

كما أدرك الشيخ تميم أن كسب دعم أردوغان يتطلب الابتعاد عن الجذور الوهابية التقليدية والتقرب من أفكار الإخوان المسلمين وحماس. وفي الوقت نفسه، فإن تعزيز العلاقات مع إيران استوجب تخفيف الالتزام بالتحالف العربي في حرب اليمن.

برهنت قطر في سياستها الخارجية أن الصداقة والعداء لا يمكن أن يكونا دائمين في العلاقات الدولية، وأن الثابت الوحيد هو السعي لتحقيق المصالح الوطنية.

قاسم توكلي
صحفي إيراني

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى