فورين أفيرز: الطريق إلى اتفاق جيد مع إيران

هذا المسار يمكن أن يعزّز الاستقرار في المنطقة، ويقلّل من خطر الحرب، ويحافظ على إمكانية إعادة فرض العقوبات واللجوء إلى العمل العسكري في حال حدوث خرق.

ميدل ايست نيوز: كتب الباحث البارز في معهد بروكينغز، روبرت آينهورن، مقالاً في مجلة فورين أفيرز أكد فيه أنّ السبيل الواقعي الوحيد هو قبول التخصيب المحدود والخاضع لرقابة مشدّدة في إيران. هذا المسار يمكن أن يعزّز الاستقرار في المنطقة، ويقلّل من خطر الحرب، ويحافظ على إمكانية إعادة فرض العقوبات واللجوء إلى العمل العسكري في حال حدوث خرق. غير أنّ التوصّل إلى مثل هذا الاتفاق، بالنظر إلى الضغوط الداخلية في البلدين وانعدام الثقة العميق، سيكون بالغ الصعوبة.

وأشار إلى إصرار إدارة ترامب على حظر تخصيب اليورانيوم في إيران كشرط مسبق لأي اتفاق، قائلاً إنّ ما يُسمّى باتفاق «التخصيب الصفري» قد يمنع طهران من صنع القنبلة، لكنّه حتى الآن واجه رفضاً شديداً من إيران.

وإذا لم يكن مثل هذا الاتفاق قابلاً للتحقيق، فقد يلجأ البيت الأبيض إلى خيار عسكري واستخباراتي بحت لاحتواء البرنامج النووي الإيراني، وهو النهج الذي تؤيده إسرائيل بشدّة. لكنّ هذا الخيار قد يقود إلى صراع دائم في المنطقة من دون أن يقدّم ضمانة حقيقية لمنع إيران من الوصول إلى السلاح النووي.

آينهورن قدّم مقترحاً آخر، إذ قال إنّ الطريق الأفضل هو التفاوض على اتفاق يقبل بالتخصيب المحدود، تحت رقابة صارمة وتفتيش دقيق داخل إيران.

وهذا التقرير يعرض بالتفصيل مقترح فورين أفيرز للتوصّل إلى اتفاق مع إيران من دون الانزلاق إلى صراع لا نهاية له في الشرق الأوسط.

العودة إلى طاولة المفاوضات

بعد وقف إطلاق النار في الحرب ذات الاثني عشر يوماً، حاولت إدارة ترامب استئناف المحادثات المباشرة مع إيران، غير أنّ طهران لم تُبدِ رغبة في ذلك، جزئياً بسبب الخلافات الداخلية بين النخب السياسية. ومع ذلك، تفيد التقارير بأنّ القيادة الإيرانية وكبار رجال الدين توصّلوا إلى قناعة بأنّ استمرار التفاوض ضروري لبقاء النظام، وفي هذه الحالة فإنّ احتمال عودة البلدين إلى طاولة الحوار مرتفع.

الأولوية العاجلة للولايات المتحدة يجب أن تكون إعادة تفعيل رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي تم تعليقها بقرار من الرئيس مسعود پزشكيان في شهر تموز/يوليو. فبعد الهجمات العسكرية، لم تعد نحو ٤٠٠ كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب وعدد غير معلوم من أجهزة الطرد المركزي في متناول الوكالة. وإيران ما تزال تؤكّد أنّها لن تتخلى عن التخصيب الداخلي. ولمنع طهران من التوجه نحو السلاح، من الضروري أن تخضع كل المواد والمعدات لإشراف الوكالة الدولية.

العقبة الرئيسية في المفاوضات، كما في السابق، هي مسألة «التخصيب الصفري». فالولايات المتحدة تصرّ على هذا المبدأ، معتبرة أنّ الظروف الحالية في إيران تجعلها مضطرة إلى قبوله. غير أنّ طهران ترى في التخصيب جزءاً من كبريائها الوطني، ورمزاً للاستقلال وضمانة ضد أي قطع محتمل لإمدادات الوقود النووي. أما المتشددون فيعتبرون التراجع «إهانة وخيانة» تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام.

الحلول المقترحة

قدّم الخبراء أفكاراً لردم الهوة، من بينها إنشاء «كونسورتيوم متعدد الجنسيات للوقود النووي» حيث تقوم عدة دول بالتخصيب بشكل مشترك. ويقول مؤيدو هذه الفكرة إنّ ملكية وإدارة وتنفيذ التخصيب من قبل عدة أطراف سيساعد على تعزيز شفافية العملية. لكنّ إيجاد نموذج يُرضي طهران وواشنطن معاً يبدو صعباً للغاية. فكونسورتيوم نووي يُقام في الخليج من دون أن يكون لإيران فيه أي دور في التخصيب لن يكون جذاباً لطهران، وفي المقابل فإنّ كونسورتيوم يسمح لإيران بالاستمرار في التخصيب لن يحظى بدعم يُذكر في واشنطن. يضاف إلى ذلك أنّ إنشاء كونسورتيوم كهذا بمشاركة دول أخرى يعني نقل المعرفة والتكنولوجيا النووية إليها، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً لنظام منع انتشار الأسلحة النووية.

لهذا السبب، يفكر بعض المفاوضين في «اتفاق مؤقت» قصير الأجل ومحدود، يتجاوز مؤقتاً الخلاف حول التخصيب، ويقدّم بعض التنازلات الجزئية ويكسب الوقت. غير أنّ مثل هذا الاتفاق لن يكون مستقراً على الأرجح، خاصة بعد الهجوم الأميركي-الإسرائيلي، إذ سيحمل شروطاً مختلفة تماماً عمّا كان قبل الهجوم، من بينها مطالبة إيران بتوفير وصول خاص للمفتشين إلى المواقع المتضررة. في المقابل، ستطالب طهران برفع العقوبات وضمانات بعدم شنّ هجوم أميركي جديد أو دعم أي اعتداء على برنامجها النووي.

غير أنّ كلا الطرفين يسعيان إلى تعظيم مكاسبهما، والوصول إلى صيغة مشتركة لاتفاق مبدئي يظل بالغ الصعوبة.

عاجلاً أم آجلاً، سيكون على الطرفين حسم مسألة التخصيب: فإمّا أن تخضع إيران للضغوط وتقبل «تصفير التخصيب» (وهو أمر مستبعد)، أو تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين: إمّا استخدام الوسائل العسكرية والاستخباراتية لوقف قدرة إيران على بلوغ القنبلة النووية، أو تعديل موقفها والسماح بتخصيب محدود تحت إشراف صارم.

الخيار العسكري الصِرف

يحظى خيار النهج العسكري فقط (من دون اتفاق) بتأييد واسع في إسرائيل والولايات المتحدة، إذ يعتقد أنصارُه أنّ القدرات الاستخباراتية والعسكرية المتاحة قادرة على كشف نشاطات إيران السرّية واستهدافها. غير أنّ هذه الاستراتيجية تحتاج إلى هجمات متواصلة في المستقبل، وهو ما يُعرف في إسرائيل بـ«جزّ العشب». لكنّ هذا النهج قد يدفع إيران إلى الانتقام من المصالح الأميركية والإسرائيلية، ويُدخل الولايات المتحدة في مستنقع حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط. كما أنّه قد يقود إلى دوامة لا تنتهي من الهجمات والردود، وزعزعة استقرار المنطقة، واحتمال خروج إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي NPT، بل وربما اتخاذ قرار حاسم ببناء سلاح نووي.

إصلاح المسار أو الحرب

الخيار الأكثر عقلانية أمام الولايات المتحدة هو إعادة النظر في سياسة «التخصيب الصفري» وقبول تخصيب محدود يغطّي فقط الحاجات الفعلية والقصيرة الأمد للبرنامج السلمي الإيراني. ويتطلّب ذلك:

  • إزالة مخزونات اليورانيوم التي تتجاوز نسبة ٪٥ عبر التخفيف أو النقل إلى الخارج.
  • تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي إلى الحدّ الضروري.
  • تحويل اليورانيوم إلى هيئة مسحوق للاستخدام في الوقود، بدلاً من صورته الغازية القابلة لمزيد من التخصيب.
  • حصر التخصيب في منشأة سطحية محدّدة، مع الإغلاق الدائم لموقعي نطنز وفوردو.
  • فرض رقابة أشدّ صرامة من تلك التي نصّ عليها الاتفاق النووي (برجام)، بما في ذلك استخدام تقنيات متقدمة للرصد المباشر عبر الإنترنت، والسماح للوكالة الدولية بالوصول السريع إلى المواقع المشبوهة، وآليات عقابية فورية في حال وقوع أي خرق.

في المقابل، تستفيد إيران من رفع جزء من العقوبات وتحرير أموالها المجمّدة. ويجب أن يكون الاتفاق طويل الأمد (٢٥ إلى ٣٠ عاماً) أو دائماً، لتجنّب تكرار إشكالية «بنود الغروب» في برجام.

وفي الوقت ذاته، يلزم إبرام اتفاق منفصل يهدف إلى منع إيران من إرسال الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الجماعات الوكيلة في المنطقة.

المفاوضات الصعبة المقبلة

رغم القدرات الاستخباراتية الكبيرة للولايات المتحدة وإسرائيل، فإن أجهزتهما وحدها لا تستطيع أن تضمن بشكل قاطع أن إيران لا تسعى إلى تصنيع سلاح نووي. ولإيجاد مثل هذا الضمان، لا بد من دور نشط ومعزّز لخبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية داخل إيران، مع صلاحيات وصول أوسع وتقنيات رقابية متقدمة. وحده اتفاق جديد مع إيران يمكن أن يكرّس مثل هذا الدور للوكالة.

من شأن اتفاق كهذا أن يرفع الزمن اللازم لامتلاك إيران سلاحاً نووياً (زمن الاختراق) من نحو أسبوع واحد إلى عدّة أشهر، ما يمنح وقتاً كافياً لإجراءات الردع.

لكن العقبات كبيرة: على ترامب أن يتراجع عن موقفه القائم على صِفر تخصيب، وأن يتغلّب على المعارضة الداخلية ومعارضة إسرائيل. وهناك عقبة أخرى هي «آلية الزناد» (Snapback). إذ فعّلت فرنسا وألمانيا وبريطانيا مسارها الذي يستمر ثلاثين يوماً. فإذا قبلت إيران خلال هذه المدّة خطوات تُظهر من وجهة نظر الأوروبيين رغبة حقيقية في الحل الدبلوماسي ــ مثل استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة أو إعادة نشاطات الوكالة الدولية داخل إيران ــ فلن يتم تنفيذ الآلية. وفي تلك الحالة، قد يُمدّد العمل بالقرار 2231 وحق تفعيل الزناد بعد 18 تشرين الأول. أما إذا لم تُقدِم طهران على هذه الخطوات، فستُعاد العقوبات. وقد حذّر بعض نواب البرلمان الإيراني من أنّ تنفيذ هذه الآلية قد يدفع إيران إلى الانسحاب من معاهدة NPT، ما سيجعل أي مفاوضات لاحقة مستحيلة إلى أجل غير مسمّى. لذلك قد يتوقف مصير المفاوضات المثمرة على نتيجة المحادثات بين إيران والدول الأوروبية الثلاث الشهر المقبل.

حتى إذا قبلت واشنطن بمبدأ التخصيب المحدود، فقد ترفض إيران القيود والرقابات المشدّدة. وفي هذه الحال ستفشل المفاوضات، ولن يبقى أمام الولايات المتحدة سوى العودة إلى الضغط العسكري والاقتصادي. غير أنّ امتلاك واشنطن القدرة على القول إنها بذلت جهداً جدياً وقدّمت مرونة من أجل حل دبلوماسي، فيما إيران هي التي رفضت، سيكون أمراً بالغ الأهمية لكسب الدعم الداخلي والدولي لاستمرار هذا النهج.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة + خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى