قلق بين حلفاء أميركا في آسيا مع تحويل الأسلحة تجاه إيران
يعني التسارع اللافت في بناء القدرات العسكرية الصينية على مدى العقدين الماضيين، بالتوازي مع تطوير كوريا الشمالية صواريخ متقدمة، أن مستوى المخاطر في شرق آسيا ارتفع بصورة ملحوظة.
ميدل ايست نيوز: عندما سحبت الولايات المتحدة حاملة طائراتها الوحيدة المتمركزة في آسيا لدعم تعزيزاتها العسكرية في أفغانستان عام 2010، لم يُبدِ حلفائها في المنطقة قلقاً يُذكر من احتمال استغلال الصين أو كوريا الشمالية للوضع. أما اليوم، فتبدو المعادلة مختلفة تماماً.
فمع استمرار واشنطن في توجيه شحنات الأسلحة إلى الشرق الأوسط دعماً للعمليات العسكرية ضد إيران، تتصاعد هواجس مسؤولين حاليين وسابقين في قطاع الدفاع الآسيوي من احتمال نقل مزيد من القوة النارية الأميركية تدريجياً إذا طال أمد الحرب. وحتى لو انتهى القتال قريباً، يحذر هؤلاء من أن إعادة بناء مخزونات الذخائر المستنزفة قد يستغرق سنوات، ما قد يترك تايوان ومناطق أخرى عرضة للخطر.
في اجتماع لمجلس الوزراء هذا الأسبوع، أكد الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ أن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى إعادة نشر أصول دفاع جوي في الشرق الأوسط، في وقت أفادت فيه تقارير لاحقة برصد تحرك عدة منصات إطلاق تابعة لمنظومة الدفاع الصاروخي “ثاد” (THAAD) من قاعدة جنوبية.
ورغم تقليله من حجم المخاطر ووصفه قدرات سيؤول بأنها “متفوقة بلا شك”، قال لي أيضاً إنه يعارض قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنه لا يستطيع “فرض موقفنا” على الولايات المتحدة.
انتشار القوات الأميركية في الشرق الأوسط
قالت ليندسي فورد، التي شغلت سابقاً منصب نائبة مساعد وزير الدفاع لشؤون جنوب وجنوب شرق آسيا خلال إدارة بايدن: “كلما جرى سحب أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي من أي مسرح عمليات، يتصاعد القلق بشكل واضح. فهذه القدرات ليست بالغة الأهمية فحسب، بل أعتقد أنها تمنح الدول شعوراً بالطمأنينة”.
يعني التسارع اللافت في بناء القدرات العسكرية الصينية على مدى العقدين الماضيين، بالتوازي مع تطوير كوريا الشمالية صواريخ متقدمة، أن مستوى المخاطر في شرق آسيا ارتفع بصورة ملحوظة.
في هذا السياق، نشرت الولايات المتحدة بالفعل نحو ثلث أسطولها البحري السطحي في الشرق الأوسط، بينما تتركز عناصر رئيسية أخرى من منظومة الإمداد العسكري، مثل طائرات التزود بالوقود جواً وسفن الدعم اللوجستي، بكثافة في محيط إيران.
رداً على طلب للتعليق، أوضح مسؤول في البنتاغون أن الوزارة لا تفصح عن تحركات أو أماكن تموضع أنظمة تسليح بعينها، لكنها تدير التزاماتها العالمية مع الحرص على إبقاء القوات الأميركية في وضع يضمن قدرتها على ردع أي عدوان في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
تايوان في ظل إعادة انتشار القوات الأميركية
حتى الآن، لم تُبدِ الصين أي مؤشرات تذكر على نيتها تصعيد التوتر مع تايوان، إذ دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار في الشرق الأوسط، بالتوازي مع تخفيف الضغط على الدفاع الجوي للجزيرة. ومع ذلك، تثير الحرب في إيران قلقاً لدى البعض في تايبيه.
قال تشين كوان تينغ، عضو البرلمان التايواني وعضو لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني، في مقابلة، إن القدرات والموارد العسكرية الأميركية “لا يمكن نشرها في مكانين في آن واحد”. وأضاف أن “نشر الأصول العسكرية الرئيسية في آسيا ومواجهة المنافس الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة هنا يتماشى بدرجة أكبر مع المصالح الأميركية”.
في المقابل، سعى مسؤولون أميركيون إلى التقليل من شأن المخاوف بشأن الذخائر أو احتمال اتساع رقعة الحرب إلى مناطق أخرى من العالم، رغم تصاعد حدة الخطاب من الجانبين. وقال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحفيين في وقت سابق من هذا الشهر إنه لا يوجه رسالة إلى الصين أو روسيا، قائلاً “مشكلتنا ليست معهما”. ورغم الحرب، لا يزال ترمب يخطط لزيارة بكين في غضون أسابيع قليلة لعقد قمة مع نظيره الصيني شي جين بينغ.
من جانبه، قال جيمس تشار، الأستاذ المساعد في جامعة نانيانغ التكنولوجية، إن “الجيش الأميركي في الولاية الثانية لترمب عاد لينشغل بالشرق الأوسط، لكن طالما بقي الوضع القائم في مضيق تايوان على حاله، فمن غير المرجح أن تقدم بكين على خطوة تصعيدية”. وأضاف أنه “من الممكن إجراء بعض التحركات الاستكشافية على هامش الوضع” في شكل عمليات في المنطقة الرمادية.
وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي، قال إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع الأميركية لشؤون السياسات، إن كبار المسؤولين الأميركيين يركزون على “مواءمة وثيقة للغاية مع حلفائنا وشركائنا” في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وأشار إلى أن أول اتصال أجراه عقب الهجوم على إيران كان مع وزير دفاع الفلبين.
وقال كولبي: “نصب تركيزاً مكثفاً على سلسلة الجزر الأولى”، في إشارة أساسية إلى اليابان والفلبين وتايوان.
ميزان القوى في شرق آسيا
أكد مسؤول عسكري فلبيني، طلب عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله بالتصريح علناً، أن بلاده لا تشعر بقلق حيال تحالفها مع الولايات المتحدة على خلفية حرب إيران. وأضاف أن المناورات السنوية المشتركة مع الجيش الأميركي لا تزال مقررة الشهر المقبل، وتشمل عادة تدريبات على حماية الجزر الفلبينية الواقعة قرب تايوان.
مع ذلك، يرى بعض المحللين الاستراتيجيين في المنطقة أن تقليص الوجود العسكري الأميركي في شرق آسيا دون التأثير في ميزان القوى أمر صعب. فالصين تواصل بناء ونشر معدات عسكرية بوتيرة سريعة، بما فيها إنتاج السفن بمعدل يفوق الولايات المتحدة بكثير. كما تُظهر صور عسكرية أميركية نشر مدمرتين أميركيتين متمركزتين في اليابان للمشاركة في ضربات موجهة ضد إيران.
وقال روميل أونغ، الأدميرال المتقاعد في البحرية الفلبينية، إن مستوى الحضور البحري الأميركي الحالي يظل ضرورياً “للحيلولة دون تمكن الصين من فرض سيطرة بحرية كاملة على بحر الصين الجنوبي”.
وأضاف: “حتى بمعزل عن الوضع في إيران، تتمتع القوات البحرية الصينية في شرق آسيا بتفوق عددي في الوقت الراهن”.
استنزاف المخزونات العسكرية
لا يُعد تحريك الولايات المتحدة لأسلحتها حول العالم أمراً استثنائياً. ففي العام الماضي، جرى نقل منظومات باتريوت للدفاع الجوي من كوريا الجنوبية إلى قطر قبل الضربة الأميركية الإسرائيلية على مواقع إيران النووية، قبل أن تُعاد إلى مواقعها بعد عدة أشهر.
وحتى الآن، اتخذت الحرب في إيران طابعاً جوياً شبه حصري، ما يجعلها مختلفة عن صراعات سابقة. غير أن اتساع نطاقها قد يدفع واشنطن إلى إشراك وحدات إضافية، مثل كتائب من مشاة البحرية المتمركزة في اليابان التي أُرسلت سابقاً إلى أفغانستان.
وفي نزاعات سابقة بالشرق الأوسط، استعانت الولايات المتحدة بأصول عسكرية من شرق آسيا، من بينها حاملة الطائرات “يو إس إس جورج واشنطن” التي غادرت اليابان لعدة أشهر خلال ذروة العمليات في أفغانستان.
وقال هيروهيتو أوغي، المسؤول السابق في وزارة الدفاع اليابانية: “نقل أصول عسكرية أميركية رئيسية، مثل حاملة الطائرات يو إس إس جورج واشنطن المتمركزة في اليابان، إلى الشرق الأوسط سيطرح تحديات تتعلق بالجاهزية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”، مستبعداً في الوقت نفسه ترجيح هذا السيناريو.
لكنه لفت إلى أن مصدر القلق الأكثر إلحاحاً يتمثل في استنزاف الصواريخ مثل صواريخ باتريوت الاعتراضية، إذ يستغرق تصنيعها وقتاً طويلاً، ما قد يعني الحاجة إلى سنوات لإعادة ملء المخزونات بالكامل. وأضاف أن “ذلك قد ينعكس سلباً على مستوى الجاهزية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك قدرة الدفاع عن تايوان”.
يقدر معهد باين، وهو مؤسسة بحثية عامة مقرها كولورادو، أن أنظمة الدفاع الأميركية أطلقت أكثر من 300 صاروخ باتريوت وصواريخ اعتراضية أخرى خلال الساعات الـ36 الأولى من حرب إيران، فيما استخدمت دول الخليج 280 صاروخاً إضافياً. ولا توجد بيانات معلنة حول حجم المخزونات المتبقية، إلا أن شركة “لوكهيد مارتن” (Lockheed Martin) تنتج ما يقارب 620 صاروخ باتريوت سنوياً.
اختبار الجاهزية في آسيا
قال غرانت نيوشام، العقيد السابق في سلاح مشاة البحرية الأميركية وضابط الاتصال مع الجيش الياباني: “نشهد حالياً تبعات نهج ‘في الوقت المناسب’ في تجهيز وتعبئة الجيش، القائم على افتراض أننا لن نخوض حرباً كبرى مجدداً، ناهيك عن حربين في آن واحد”.
يمثل ذلك تحدياً مباشراً لآسيا، التي لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة بوصفها ركيزة الردع الأساسية في مواجهة الصين. وترى فورد، المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأميركية، أن على دول المنطقة بذل مزيد من الجهد لضمان امتلاك مواردها الخاصة، بحيث لا تكون “معتمدة بالضرورة على الولايات المتحدة” إذا ما اندلعت أزمة إقليمية.
وقالت: “لقد شهدنا هذا السيناريو من قبل. لكنني أعتقد أنه يثير تساؤلات عدة لدى الحلفاء الآسيويين حول ما ينبغي عليهم فعله بشأن قدراتهم السيادية”.
من جانبه، اعتبر جون ديلوري، الباحث البارز في جمعية آسيا، أن إعادة نشر أجزاء من منظومة الدفاع الجوي “ثاد” من كوريا الجنوبية تستحق التوقف عندها. وكانت الصين وكوريا الشمالية قد عارضتا بشدة نشر هذه المنظومة في كوريا الجنوبية عام 2017.
وأضاف ديلوري: “من الصعب المبالغة في المفارقة بأن منظومة ثاد، التي كانت رمزاً للتحول الاستراتيجي نحو آسيا، تُسحب في جنح الليل لدعم حرب جديدة في الشرق الأوسط”.



