الصحافة الإيرانية: الغموض الاستراتيجي يشكّل العائق الأكبر أمام خيار الحرب ضد إيران
عند قراءة المشهد من زاوية منطق القوة البارد والحسابي، يتضح أن العائق الرئيسي أمام أي عمل عسكري مباشر على المدى القصير لا يقتصر على موازين التسليح التقليدية، بل يتمثل في عنصر أكثر تعقيدًا وحسمًا، وهو «الكلفة غير القابلة للحساب الناتجة عن الغموض».
ميدل ايست نيوز: في خضم الضجيج الإعلامي والتكهنات المتواصلة بشأن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة ضد إيران، يبدو أن ما يجري داخل غرف العمليات ودوائر صنع القرار الاستراتيجي يختلف إلى حدٍّ كبير عن العناوين الانفعالية المتداولة.
وقال عابد أكبري الخبير في الشؤون الأوروبية، في مقال لدبلوماسي إيراني، إنه عند قراءة المشهد من زاوية منطق القوة البارد والحسابي، يتضح أن العائق الرئيسي أمام أي عمل عسكري مباشر على المدى القصير لا يقتصر على موازين التسليح التقليدية، بل يتمثل في عنصر أكثر تعقيدًا وحسمًا، وهو «الكلفة غير القابلة للحساب الناتجة عن الغموض».
فالدول والقوى الكبرى، على خلاف الخطاب السياسي الحاد، هي في جوهرها أطراف حذرة، ولا تلجأ إلى الخيار العسكري إلا عندما تكون قادرة بدرجة عالية من اليقين على توقّع ردود فعل الطرف المقابل، ومسار تصعيد الأزمة، ونقطة نهاية الصراع. تتشكل المعضلة الأمنية الإيرانية تحديدًا عند هذه النقطة؛ إذ إن نمط سلوك طهران لا يندرج ضمن الأطر الكلاسيكية لإدارة الأزمات، ما يجعل من عدم قابليته للتنبؤ الدرع الردعي الأكثر فاعلية لديها.
يكمن التحدي الجوهري أمام المخططين العسكريين الغربيين وبعض الفاعلين الإقليميين في أن إيران لا تتبع عقيدة خطية قابلة للنمذجة. ففي هذا الإطار، لا تؤدي الاستجابة لهجوم محدود بالضرورة إلى رد متماثل أو دفاعي بحت. ووفق الحسابات الراهنة، يواجه الطرف المقابل «صندوقًا أسود» في عملية صنع القرار في طهران؛ صندوقًا تتعايش داخله في الوقت نفسه مجموعة من الخيارات، تمتد من ضبط النفس التكتيكي إلى التوسع الأفقي في نطاق المواجهة. ويجعل هذا الغموض من غير الممكن ضمان بقاء أي ضربة محدودة ضمن حدودها.
كما أن إيران، بالاستناد إلى شبكة نفوذها الإقليمية وأدواتها غير المتكافئة، قادرة على نقل مستوى التوتر إلى جغرافيا تتجاوز ساحة الاشتباك الأولى، واستهداف مصالح حيوية للطرف المقابل في نقاط أكثر هشاشة.
وقد أدى العجز عن نمذجة دقيقة لما يُعرف بـ«سُلّم التصعيد» إلى تحويل أي سيناريو هجوم إلى مقامرة عالية المخاطر؛ مقامرة لا يكون فيها بالضرورة من يبدأ المواجهة هو المتحكم بمسارها أو بنهايتها.
وفي عالم اليوم المترابط، حيث بات الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة نقطة ضعف رئيسية لدى القوى الكبرى، تكتسب هذه المخاطر أبعادًا أكثر تعقيدًا. فالقلق من ردود إيرانية مبتكرة وغير تقليدية، قد تمس تدفقات الطاقة، وأمن الممرات المائية الدولية، أو استقرار الأسواق العالمية، يخرج كلفة الحرب من نطاق «القابل للتحمل».
وعندما لا يستطيع فاعل دولي أن يطمئن إلى أن المواجهة ستظل محصورة في الأهداف العسكرية، ويأخذ في الحسبان احتمال تغيّر قواعد اللعبة، فإن المنطق الاستراتيجي يفرض استبعاد الخيار العسكري. ومن هذا المنظور، لا ينبغي قراءة الوضع القائم على أنه مؤشر إلى سلام مستدام.
فما حال دون اندلاع الحرب حتى الآن هو نوع من التوازن القائم على الخوف والغموض؛ حالة يتجنب فيها الطرف المقابل الدخول في نفق مظلم بنهاية مجهولة، ويفضّل بدل المواجهة المباشرة الاكتفاء بأدوات الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي. وطالما استمر هذا الغموض في كيفية وزمان وحدّة رد إيران، فإن احتمال اندلاع حرب شاملة على المدى القصير سيظل رهينة حسابات عقلانية للكلفة والمنفعة.



