الصحافة الإيرانية: محادثات جنيف التاريخية والمخاطرة الواردة

إذا نجحت هذه الجولة وأفضت إلى بلورة إطار لاتفاق، فقد تمهّد الطريق لجولات لاحقة بمشاركة خبراء فنيين وقانونيين من الطرفين. أما إذا عجز الجانبان عن التوافق على الإطار والمبادئ العامة، فقد لا نشهد جولات تفاوض أخرى بينهما.

ميدل ايست نيوز: يمكن وصف مفاوضات الخميس في جنيف بين إيران والولايات المتحدة بأنها تاريخية من بعض الجوانب. فإذا نجحت هذه الجولة وأفضت إلى بلورة إطار لاتفاق، فقد تمهّد الطريق لجولات لاحقة بمشاركة خبراء فنيين وقانونيين من الطرفين. أما إذا عجز الجانبان عن التوافق على الإطار والمبادئ العامة، فقد لا نشهد جولات تفاوض أخرى بينهما.

وقال كوروش أحمدي، دبلوماسي إيراني سابق، في مقال لصحيفة شرق، إن الجولة السابقة بين طهران وواشنطن بدت قصيرة، إذ تأخر وصول الوفد الأمريكي وغادر مبكرًا بسبب مفاوضات أوكرانيا. ويُحتمل أن الطرفين كانا يتوقعان ردًا مختصرًا من بعضهما في تلك الجولة، غير أن هذا التوقع لم يتحقق. وقد يشير تأكيد عباس عراقجي المتكرر على إعداد نص من جانب إيران إلى أن واشنطن طلبت تسلم المواقف النهائية لطهران بصورة مكتوبة. وعادة ما يشكل النص الذي يعدّه أحد الطرفين أساسًا للتفاوض.

لكن إذا اقتصر تشكيل الفريق الأمريكي يوم الخميس أيضًا على شخصين غير دبلوماسيين، هما ويتكوف وكوشنر، أحدهما شريك ترامب في صفقات عقارية والآخر صهره، فإن ذلك قد يعني أن مفاوضات ذات مضمون حقيقي غير مرجحة، وأن الجانب الأمريكي يكتفي باختبار ما إذا كانت إيران قد رضخت لمطالبه أم لا.

وتشير المعطيات إلى أن ملف التخصيب سيبقى القضية الرئيسية في مفاوضات الغد. فالموقف الذي طرحه ويتكوف قبل ثلاثة أيام ما زال يقوم على «صفر تخصيب». غير أن بعض المطلعين على أجواء المفاوضات نقلوا عن مسؤولين أمريكيين أن صيغًا وسطًا مثل «تخصيب جزئي» أو «تخصيب رمزي»، وكذلك «تعليق التخصيب لفترة محددة»، قد تكون مقبولة لديهم. ويُحتمل أن يكون قبول «تعليق التخصيب» مشروطًا باعتراف الولايات المتحدة بحق إيران في التخصيب، وهو ما يمكن استنتاجه من بعض تصريحات المسؤولين الإيرانيين. ففي أحدث تصريح، قال عراقجي في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» قبل ثلاثة أيام إن «التخصيب حق لنا… وهذه التكنولوجيا عزيزة علينا».

وتكمن إشكالية هذا الخيار في أن الولايات المتحدة عارضت رسميًا تخصيب اليورانيوم في دول أخرى، واعتبرت أن التخصيب لا يكون مبررًا إلا في إطار برنامج تسليحي. ومع ذلك، فإن التوصل إلى اتفاق على تعليق التخصيب بصيغة ضمنية وبصياغة مشابهة لاتفاق سعدآباد عام 2003 ليس أمرًا مستحيلًا.

وبحسب تصريحات مسؤولين أمريكيين، يبدو أن قبول أي مقترح غير «صفر تخصيب» يتوقف على عاملين: آلية التحقق من الاتفاق، وقدرة ترامب على تسويق اتفاق من هذا النوع داخليًا في الولايات المتحدة. ففي ما يتعلق بالتحقق، فإن المشاركة النشطة والمستمرة لرافائيل غروسي في المفاوضات، واحتمال حضوره اجتماع الخميس، تعزز فرص مناقشة جدية لفكرة التخصيب الجزئي أو الرمزي. وقد يزداد هذا الاحتمال إذا اتفق الطرفان على صيغة خاصة للرقابة والتحقق، يكون للوكالة الدولية للطاقة الذرية فيها دور محوري.

وإلى جانب مسألة التحقق، تبقى قضية العقوبات أساسية. فمن الطبيعي أن توافق إيران على إحدى الصيغ الوسط إذا قبلت الولايات المتحدة رفع أو تعليق العقوبات العابرة للحدود. غير أن تحقيق ذلك قد لا يكون سهلًا لترامب في ظل اعتبارات السياسة الداخلية والتطورات الأخيرة في إيران. إذ يخشى ترامب أن يُنظر إلى استمرار حد أدنى من التخصيب، والأهم بقاء البنية التحتية والآليات المرتبطة به في إيران، على أنه «اتفاق نووي جديد» يمنح الديمقراطيين ورقة ضغط ضده ويعرضه لانتقادات داخلية.

ويُطرح أيضًا سؤال حول مدى إصرار الفريق الأمريكي على إدراج ملفات أخرى مثل الصواريخ والدور الإقليمي. وهناك احتمال بأن هذه القضايا، التي طُرحت لأول مرة من قبل ويتكوف في 16 يناير ولم يشر إليها ترامب سوى مرة واحدة بخصوص «الصواريخ»، لا تمثل أولوية ملحّة لديه، بل تُستخدم كورقة تفاوضية. وعليه، إذا حقق الجانب الأمريكي أهدافه في ملفي التخصيب والعقوبات، فقد لا يصر على هذه الملفات الأخرى.

وفي المقابل، يبرز تساؤل جوهري أمام المسؤولين الإيرانيين حول حدود الإصرار على التخصيب غير المشروط، وما إذا كان ذلك يستحق تحمل مخاطر كبيرة على الدولة والبلاد والشعب. فالمخاطرة المحسوبة المبنية على تقييم دقيق لاحتمالات النجاح والفشل وكلفة كل خيار يمكن الدفاع عنها. أما المخاطر التي لا تنسجم مع الأهداف النهائية، وقد تنطوي على خسائر فادحة أو غير قابلة للتعويض، فقد لا تكون مبررة، وغالبًا ما يصعب احتواء نتائجها. ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ظل عدم وجود حاجة ملحة وفورية لدى إيران لمواصلة التخصيب في المرحلة الراهنة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى