الصحافة الإيرانية: خطأ استراتيجي لواشنطن

تشير التجارب التاريخية إلى أن حتى أكثر الخلافات الأمنية تعقيداً لا تمنع الحوار، وأن المسألة الجوهرية تكمن في استعداد الأطراف لوضع قواعد لإدارة الخلافات بدلاً من محاولة فرض التراجع على الطرف الآخر عبر الضغوط والتهديدات.

ميدل ايست نيوز: أشارت تحليلات سياسية إلى أن أحد أبرز التحديات أمام التوصل إلى أي اتفاق مستدام بين إيران والولايات المتحدة يتمثل في التناقض القائم بين الخطوط الحمراء الاستراتيجية للطرفين. فواشنطن سعت خلال السنوات الماضية إلى إدراج القدرات الصاروخية والإمكانات العسكرية والنفوذ الإقليمي الإيراني ضمن أجندة المفاوضات، في حين تعتبر طهران هذه الملفات جزءاً غير قابل للمساومة من أمنها القومي ومنظومة ردعها، وترفض بشكل قاطع التفاوض بشأنها.

يقول عابد أكبري، الخبير في الشؤون الدولية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن هذا التباين أدى إلى نشوء حالة من الجمود المزمن عطلت مسار المفاوضات، كما أعادت في الآونة الأخيرة، مع تكرار خروقات وقف إطلاق النار واستمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية الأميركية، مخاوف تصاعد التوترات واحتمال الانزلاق إلى مواجهة عسكرية في المنطقة.

ويُطرح في هذا السياق تساؤل أساسي حول إمكانية إيجاد مخرج من هذا المأزق، يحافظ على الخطوط الحمراء الإيرانية ويمنع في الوقت نفسه استخدام الولايات المتحدة لأدوات الضغط الأحادي. يشير أصحاب هذا الطرح إلى أن التجارب التاريخية في مجال الحد من التسلح بين القوى الكبرى قد تقدم نموذجاً يمكن الاستفادة منه.

فخلال الحرب الباردة، أدركت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، رغم حدة التنافس بينهما، أن استمرار سباق التسلح من دون ضوابط قد يهدد أمن الطرفين معاً، ما أفضى إلى إبرام اتفاقيات عدة، من بينها مفاوضات الحد من الأسلحة الاستراتيجية (SALT)، ومعاهدة القوات النووية متوسطة المدى (INF)، ومعاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية (START). ولم يكن الهدف من هذه الاتفاقيات القضاء على قدرات الطرف الآخر، بل إيجاد توازن بين الحفاظ على الردع ومنع التوسع غير المنضبط في سباقات التسلح.

وتبرز من هذه التجربة قناعة مفادها أن الأمن المستدام لا يتحقق عبر إضعاف الخصم أو تجريده من عناصر القوة، وإنما من خلال وضع قواعد لإدارة التنافس وتنظيم الخلافات.

ويرى أصحاب هذا التوجه أن هذه التجربة يمكن أن تشكل مصدر إلهام للعلاقات الإيرانية الأميركية، إذ إن فتح باب الحوار حول القدرات العسكرية من دون القبول بنزع السلاح أو المساس بالردع قد يتيح لطهران صياغة إطار للحد المنظم من بعض الجوانب العسكرية.

وعلى غرار اتفاقيات الحد من التسلح بين القوى الكبرى، يمكن لأي آلية محتملة أن تركز على جانبي الكم والنوع في الأسلحة؛ فالكم يتعلق بعدد الأنظمة والمعدات العسكرية، بينما يرتبط النوع بخصائصها مثل المدى والدقة والقدرة التدميرية. غير أن أي قيود من هذا النوع لن تكون ذات جدوى ما لم تُحفظ أسس الردع والتوازن الإقليمي للقوى، وهما عنصران تعتبرهما إيران ضروريين لأمنها القومي.

خلال العقود الماضية، تحولت القدرات الصاروخية الإيرانية إلى الركيزة الأساسية لمنظومة الردع الوطنية، في ظل القيود المفروضة على حصول إيران على الأسلحة المتطورة والوجود العسكري الأميركي الواسع في محيطها الإقليمي. لذلك، فإن أي نقاش حول فرض قيود أو ضوابط يجب أن يستند إلى مبدأ الحفاظ على الردع والتوازن الإقليمي.

تؤكد تحليلات أن القيود التي تفرض أعباءً على طرف واحد فقط وتمنح الطرف الآخر مكاسب أحادية لن تكون قابلة للاستمرار، بل قد تتحول إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار.

وفي المقابل، يُنظر إلى المقاربة الأميركية للمفاوضات باعتبارها إحدى العقبات الرئيسية أمام أي تقدم. فالسلوك الأميركي خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في المرحلة الأخيرة، يعكس اعتماداً على ما يُعرف في نظريات التفاوض بـ«لعبة الدجاج»، أي افتراض أن إيران ستتراجع في اللحظة الأخيرة عن خطوطها الحمراء.

انطلاقاً من هذا التصور، تواصل واشنطن ممارسة الضغوط الاقتصادية والعسكرية بالتوازي مع المفاوضات، كما أن تكرار خروقات وقف إطلاق النار يُفسَّر في طهران على أنه محاولة لدفعها نحو التراجع وتقديم تنازلات.

ويُنظر إلى هذا النهج على أنه لا يساهم في بناء الثقة، بل يبعث برسالة واضحة مفادها أن الهدف من الحوار هو تغيير سلوك إيران عبر الإكراه، وليس الوصول إلى اتفاق متوازن ومستدام.

كما أن استمرار سياسة الضغوط القصوى وانتهاك التفاهمات القائمة يؤدي إلى زيادة التوتر ويدفع إيران إلى اعتماد حسابات أمنية أكثر حذراً، الأمر الذي يضيق هامش المرونة الدبلوماسية.

وتشير تجربة الحرب الباردة إلى أن الاستقرار الاستراتيجي لا يتحقق من خلال الضغوط الأحادية، بل عبر الاعتراف بوقائع القوة وحدودها المتبادلة ووضع قواعد واضحة لإدارة التنافس.

وفي هذا الإطار، يُطرح خيار إنشاء آلية تقوم على ضبط متبادل للقيود العسكرية، باعتباره خياراً يمكن أن يوفر عدة مزايا لإيران. فمن جهة، يساهم في منع الوصول إلى طريق مسدود في المفاوضات، ويمنح طهران فرصة لتقديم إطار للحوار من دون المساس بقدراتها الردعية.

من جهة أخرى، يمكن أن يسهم هذا الطرح في تعزيز مكانة إيران الدولية، إذ إن اتفاقيات الحد من التسلح ارتبطت تاريخياً بالقوى الكبرى، ما يجعل انخراط إيران في مثل هذه العملية، ولو على مستوى المبادرة والحوار، مؤشراً على وزنها الاستراتيجي في معادلات الأمن الإقليمي.

غير أن التحدي الأكبر يبقى في ضمان تنفيذ الالتزامات. فقد أظهرت تجربة الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي أن الالتزامات الرسمية نفسها قد تتأثر بالتغيرات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة.

ولذلك، فإن أي آلية جديدة ينبغي أن تتضمن ضمانات تنفيذية وآليات رقابة فعالة. كما أن طرح مثل هذا الخيار يتطلب، قبل كل شيء، بناء توافق داخلي بين المؤسسات السياسية والدبلوماسية والعسكرية في إيران بشأن المجالات التي يمكن قبول قيود فيها، والمكاسب أو الضمانات التي ينبغي المطالبة بها في المقابل.

بؤكد خبراء أن القضية لا تقتصر على جوانب فنية، بل ترتبط مباشرة بالأمن القومي الإيراني والمصالح الاستراتيجية بعيدة المدى للبلاد.

إذن، إن نجاح أي مبادرة دبلوماسية مرهون بتحقق شرطين أساسيين: التوافق الداخلي والانسجام مع حقائق النظام الدولي. وإذا توفرا، فإن هناك خياراً يتجاوز ثنائية الرفض المطلق أو تقديم التنازلات الأحادية، ويتمثل في إدارة التنافس مع الحفاظ على الردع وتحقيق التوازن.

وتشير التجارب التاريخية إلى أن حتى أكثر الخلافات الأمنية تعقيداً لا تمنع الحوار، وأن المسألة الجوهرية تكمن في استعداد الأطراف لوضع قواعد لإدارة الخلافات بدلاً من محاولة فرض التراجع على الطرف الآخر عبر الضغوط والتهديدات.

ووفق هذا الطرح، فإن تجاوز مأزق الخطوط الحمراء المتبادلة يظل احتمالاً قائماً إذا توافرت الإرادة السياسية لذلك، حتى في ظل استمرار سياسة الضغوط القصوى الأميركية وتكرار خروقات وقف إطلاق النار.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى