الصحافة الإيرانية: هدنة هشة في قلب العاصفة.. توقف تكتيكي لا نهاية للحرب

لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة بين الأطراف، لا سيما بشأن البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني، ودور القوى الحليفة، وآلية رفع العقوبات، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

ميدل ايست نيوز: اتخذت حرب فبراير 2026 بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل منذ بدايتها طابعًا مختلفًا عن المواجهات السابقة، إذ شكّلت الهجمات المباشرة التي نفذتها واشنطن وتل أبيب على الأراضي الإيرانية، والتي أسفرت عن اغتيال أعلى مستويات القيادة السياسية والعسكرية، نقطة تحول في مستوى وشدة التصعيد. وفي المقابل، وسّعت إيران نطاق ردها بشكل ملحوظ، بحيث لم تقتصر هجماتها على إسرائيل، بل طالت أيضًا القواعد والأصول الأمريكية في مختلف أنحاء منطقة الخليج، في تحول يعكس الانتقال من مواجهة محدودة إلى صراع أكثر بنيوية واتساعًا.

يقول جواد حيران نيا، مدير مجموعة الخليج في مركز دراسات الشرق الأوسط، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، بخلاف حرب الـ12 يومًا عام 2025 التي بقيت ضمن نطاق أكثر ضبطًا، شملت المواجهة الجديدة تقريبًا جميع دول مجلس التعاون الخليجي، حيث لم تسلم حتى الدول التي كانت تحافظ على علاقات متوازنة نسبيًا مع إيران من الهجمات. والأهم أن الأهداف الإيرانية لم تقتصر على المنشآت العسكرية، بل امتدت إلى البنى التحتية الاقتصادية وقطاع الطاقة والمراكز التجارية المرتبطة بالمصالح الأمريكية، في مؤشر على سعي طهران لإعادة تعريف قواعد الاشتباك ورفع كلفة الحرب على خصومها. وفي الرؤية الاستراتيجية الإيرانية، لا يُنظر إلى هذا الصراع باعتباره مواجهة ثنائية، بل كصراع على مستوى “نظام” متكامل، حيث لا يمكن تصور القوة العسكرية الإسرائيلية بمعزل عن شبكة القواعد والأنظمة الرادارية والدفاعات الجوية التي تديرها الولايات المتحدة في المنطقة. ولهذا، ركزت الموجة الأولى من الهجمات الإيرانية على إضعاف هذه الشبكة، من استهداف القواعد الأمريكية في العراق والخليج إلى ضرب أنظمة الإنذار المبكر، بهدف إرباك قدرات الرصد وتعقيد عمليات التتبع وتعزيز فعالية الضربات اللاحقة.

وسعت إيران كذلك إلى تعزيز المشروعية القانونية لعملياتها عبر التأكيد على أن الولايات المتحدة استخدمت أراضي ومجالات دول المنطقة لشن هجمات عليها، ما يجعل هذه الدول، حتى وإن لم تشارك مباشرة في الحرب، ضمن دائرة الأهداف المشروعة. وحمل هذا الطرح أيضًا رسالة سياسية مفادها أن الولايات المتحدة ليست طرفًا ثانويًا، بل الفاعل الرئيسي في هذا النزاع. ومن أبرز تطورات الحرب إقدام إيران على محاولة السيطرة على مضيق هرمز، في خطوة غير مسبوقة تعكس اعتبار طهران لهذا الصراع تهديدًا وجوديًا. ويُعد المضيق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، ما يمنح إيران أداة ضغط جيوسياسي فعالة، إذ ترى أن استمرار التوتر في هذا الممر قد يغير موازين القوى ويدفع الدول المعتمدة على طاقة الخليج إلى إعادة النظر في علاقاتها معها.

وفي هذا السياق، تنظر إيران إلى الحرب ليس فقط كتهديد، بل كفرصة لتعزيز موقعها الجيوسياسي، إذ يكتسب التحكم في الممرات الاستراتيجية والقدرة على فرض الردع الإقليمي أهمية مضاعفة في أوقات الأزمات. ومن هذا المنطلق، قد يؤدي استمرار حالة عدم الاستقرار إلى زيادة الوزن الجيوسياسي لطهران ودفع الأطراف الإقليمية والدولية إلى التعامل معها بحذر أكبر. ومع ذلك، لا تقتصر دوافع هذا السلوك على العوامل الخارجية، إذ لعبت المتغيرات الداخلية دورًا مهمًا في تشكيل هذا النهج، لا سيما الاحتجاجات الواسعة في يناير والدعم العلني الأمريكي لها، ما أثار مخاوف عميقة لدى القيادة الإيرانية. كما عززت تصريحات مسؤولين أمريكيين بشأن احتمال التدخل العسكري في حال قمع الاحتجاجات، الاعتقاد بوجود تلازم بين الضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية بهدف تغيير النظام.

وعلى الصعيد الإقليمي، أدى تراجع نفوذ القوى الحليفة لإيران خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، إلى إضعاف نموذج الردع التقليدي. وردًا على ذلك، تبنّت طهران استراتيجية “توسيع نطاق الحرب إقليميًا”، أي نقل أي مواجهة من مستوى محدود إلى نطاق أوسع يشمل المنطقة بأكملها. ويُعد هذا النهج شكلًا من “التصعيد الأفقي”، إلى جانب “التصعيد العمودي” المتمثل في زيادة كثافة الضربات، ما أسهم في تشكيل إطار جديد للردع. وفي هذا السياق، استهدفت إيران الأصول الأمريكية في أنحاء المنطقة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع محاولتها التحكم في جزء كبير من تدفقات الطاقة العالمية. كما شهدت هذه المرحلة مشاركة مباشرة من قوى حليفة مثل حزب الله والحوثيين، في مؤشر على تغير مستوى وحجم الانخراط في الصراع.

وفسّرت إيران أيضًا هذه الحرب على أنها تهديد لوحدة أراضيها، خاصة في ظل تصريحات أمريكية تحدثت عن احتمال تغيير خريطة البلاد بعد الحرب، ما عزز المخاوف من سيناريوهات تتجاوز إضعاف النظام إلى تفكيك الدولة. وفي هذا الإطار، برزت مبادرة باكستان لفرض هدنة لمدة أسبوعين كمحاولة لاحتواء التصعيد، ترافقت مع إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الملاحة البحرية، ما أتاح نافذة محدودة للعودة إلى المسار الدبلوماسي. واستندت المفاوضات إلى مقترح إيراني يتضمن وقف الهجمات ورفع العقوبات وتقديم ضمانات أمنية.

ورغم ذلك، لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة بين الأطراف، لا سيما بشأن البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني، ودور القوى الحليفة، وآلية رفع العقوبات، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. كما أن انعدام الثقة، وموقف إسرائيل، والضغوط الداخلية لدى جميع الأطراف، تجعل من استدامة الهدنة أمرًا غير مضمون. وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار الهدنة الحالية نهاية للحرب، بل مجرد توقف تكتيكي في صراع معقد ومتعدد الأبعاد، يتوقف مستقبله على نتائج المفاوضات ومدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات. وفي حال تعثر هذه الجهود، تبقى احتمالات العودة إلى المواجهة قائمة، رغم أن الحاجة المتبادلة لخفض الضغوط الاقتصادية والدولية، خصوصًا فيما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز، قد تدفع الأطراف إلى مواصلة الحوار.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى