الصحافة الإيرانية: الخليج بعد الحرب.. توازنات جديدة ومخاوف مشتركة

يتعين على الدبلوماسية الإيرانية إشراك دول الخليج في أي اتفاق سلام بطريقة تجعل استمراره مرادفاً لاستمرار مصالحها المشتركة مع إيران، وتجعل انتهاكه مساوياً للإضرار بمصالحها وأمنها.

ميدل ايست نيوز: تزامن انحسار المواجهات العسكرية المباشرة والانتقال إلى مرحلة وقف إطلاق النار مع بروز معطيات جديدة أعادت تشكيل المشهد الجيوسياسي في المنطقة. شكّلت الحرب التي استمرت أربعين يوماً، وبدأت بسلسلة من الضربات الجوية والصاروخية واسعة النطاق التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، قبل أن تتبعها الردود الدفاعية والردعية الإيرانية ضمن عمليات «الوعد الصادق»، اختباراً حقيقياً لقياس توجهات وسياسات عواصم دول الخليج وأنماط سلوكها خلال واحدة من أخطر الأزمات الإقليمية في السنوات الأخيرة.

ويقول الأستاذ الجامعي محمد مهدي مظاهري، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن قراءة واقعية لأداء دول المنطقة، ولا سيما الرياض وأبوظبي خلال هذه الأزمة، تظهر أن نهجها استند إلى «حسابات نفعية متعددة المستويات»، سعت من خلالها إلى تحقيق توازن بين التزاماتها الأمنية التقليدية تجاه واشنطن ومتطلبات حماية بنيتها التحتية الاقتصادية في مواجهة القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية.

وتشير مراجعة سلوك هذه الدول إلى أن مصلحتها الأساسية كانت تتمثل في تحقيق الولايات المتحدة وإسرائيل انتصاراً خاطفاً على إيران يؤدي إلى القضاء الكامل على قدراتها العسكرية وإضعاف نفوذها الجيوسياسي واحتوائه. وفي هذا السياق، ورغم امتناع هذه الدول عن الانخراط العلني والرسمي إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنها لم تدخر جهداً خلف الكواليس في تشجيع إدارة ترامب على مهاجمة إيران وتدمير قدراتها الدفاعية والعسكرية. كما وفرت في بعض الحالات تسهيلات دفاعية وتعاوناً استخبارياً، وسمحت للولايات المتحدة وإسرائيل باستخدام أراضيها لشن هجمات ضد إيران، الأمر الذي هيأ جميع الظروف غير المباشرة لدعم هذا العدوان غير القانوني.

ومع ذلك، فإن الخشية من التداعيات الاقتصادية الكارثية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز بالكامل، والارتفاع الهائل في تكاليف التأمين البحري، إلى جانب القلق من استمرار الردود الإيرانية القوية واتساع نطاقها، دفعت هذه الدول إلى انتهاج دبلوماسية نشطة وغير معلنة للحيلولة دون تحول أراضيها إلى قواعد رسمية للعمليات الهجومية الأمريكية. كما أن غياب الدعم الأمريكي الجاد لهذه الدول في مواجهة الضربات الإيرانية اللاحقة جعلها أكثر ميلاً إلى إنهاء هذه الحرب المكلفة وغير المثمرة.

وفي الواقع، توصلت دول الخليج خلال الحرب الأخيرة إلى قناعة استراتيجية مفادها أن تغيير النظام السياسي في إيران والقضاء على قدراتها الدفاعية والعسكرية، بل وحتى برنامجها النووي، عبر التدخل الخارجي ليس سوى وهم، وأن الخاسر الأول لأي حرب شاملة في المنطقة سيكون مشاريعها التنموية الاقتصادية طويلة الأمد.

ورغم أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية اعتبرت هذه الدول مسؤولة بشكل مباشر عن الحرب بسبب استضافتها قواعد عسكرية أمريكية وتقديمها دعماً لوجستياً للعدوان على إيران، وردت عليها بما رأت أنه رد مناسب، فإنها سعت في الوقت نفسه إلى منع تحولها الكامل إلى أطراف معادية وانضمامها العلني إلى معسكر الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هذا المنطلق، حرصت طهران على إبقاء قنوات الحوار مع الرياض والدوحة وأبوظبي مفتوحة حتى في ذروة الأزمة، مع الحفاظ على خطوطها الحمراء الأمنية.

وفي الوقت الذي تسعى فيه طهران وواشنطن، عبر وساطات إقليمية، إلى وضع اللمسات النهائية على مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب، تنظر العواصم الخليجية العربية إلى هذا المسار بمزيج من الهواجس الجيوسياسية والأمنية. وتتابع هذه الدول المفاوضات الجارية من خلال أربع قضايا رئيسية:

الخوف من التخلي الاستراتيجي: تخشى الدول العربية أن يؤدي أي اتفاق محتمل بين إيران وإدارة ترامب إلى تقليص التركيز الأمني الأمريكي على المنطقة أو إلى دفع واشنطن نحو قبول نظام إقليمي جديد يتم فيه تجاهل المصالح التقليدية لهذه الدول.

الاستقرار وأمن الملاحة البحرية: أدى إغلاق مضيق هرمز أو فرض قيود عليه، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل البحري، إلى جعل الشريان الاقتصادي لهذه الدول شديد الهشاشة. ومن وجهة نظرها، يجب أن يضمن أي اتفاق مستدام التدفق الحر وغير المشروط للطاقة.

مستقبل التوازن الإقليمي والفاعلين من غير الدول: تخشى دول المنطقة أن يؤدي تخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية على إيران إلى إعادة بناء شبكاتها الإقليمية وتعزيزها. ولذلك تمثل الأوضاع المستقبلية في اليمن ولبنان والعراق أولوية أساسية بالنسبة إليها.

انتقال آثار الهشاشة العسكرية: أظهرت الهجمات وتبادل الضربات الصاروخية خلال الأشهر الماضية أن أي مواجهة إقليمية شاملة ستجعل البنية التحتية الحيوية للطاقة والخدمات اللوجستية في هذه الدول عرضة لأضرار مباشرة أو جانبية.

ورغم هذه الهواجس المشتركة نسبياً، فإن مراجعة التموضع العسكري والدبلوماسي لدول الخليج خلال الحرب تظهر أن الحديث التقليدي عن «موقف موحد للدول العربية الخليجية» لم يعد صالحاً. فقد أظهرت التطورات الأخيرة أن مجلس التعاون الخليجي انقسم عملياً إلى ثلاثة محاور تتبنى استراتيجيات مختلفة تماماً تجاه إيران: أبوظبي في موقع المواجهة شبه الصلبة، والرياض في موقع الموازنة الدبلوماسية المدعومة من بكين، والدوحة في دور قناة العبور السياسية.

وفي هذه الظروف، يتعين على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إذا أرادت إعادة تنظيم علاقاتها مع دول المنطقة وبناء منظومة أمن إقليمي مستقرة في مرحلة ما بعد الحرب، أن تعيد تعريف عقيدتها الأمنية في الخليج استناداً إلى السلوك المتمايز لهذه الأطراف.

1- الإمارات العربية المتحدة: إدارة التوتر المنفلت والردع المتبادل

تسعى الإمارات، وفق رؤيتها الاستراتيجية «الإمارات 2031»، إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وترسيخ مكانتها مركزاً تجارياً وتقنياً آمناً على المستوى العالمي. غير أن انخراطها غير المباشر في الحرب ضد إيران خلال العدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي، يعكس تحولاً في عقيدتها الأمنية من التركيز على الاقتصاد والأمن السيبراني والتكنولوجيا إلى مفهوم «الأمن الهجومي».

وفي ضوء الهجمات الجوية السابقة على جزيرة لاوان والتوترات المرتبطة بمنطقة جبل علي، فإن الأدوات التقليدية في التعامل مع الإمارات لم تعد كافية. ومن ثم ينبغي لإيران اعتماد عقيدة «الردع المقترن بالانفتاح المشروط» في التعامل معها.

• الفصل الهيكلي بين دبي وأبوظبي (الرافعة التجارية – الأمنية)

يقوم النظام الاتحادي الإماراتي على وجود منطقين مختلفين في السياسة الخارجية لكل من دبي وأبوظبي. وقد تعرضت دبي لخسائر ملموسة نتيجة أزمة جبل علي. لذلك ينبغي لإيران أن تربط، عبر الرسائل الدبلوماسية غير الرسمية، استعادة العلاقات التجارية مع دبي بكبح السلوك العسكري لأبوظبي.

كما يمكن أن يشكل اقتراح منح «قناة خضراء للنقل العابر في الخليج» للشركات الإماراتية المتمركزة في دبي والتي لم تؤيد سياسياً القرارات المناهضة لإيران في أبوظبي، أداة مناسبة لإحداث فجوة داخل هيكل صنع القرار الإماراتي وربط العلاقات التجارية والاقتصادية بعدم تهديد إيران.

• اقتراح اتفاقية «أمن المجال الجوي والجزر المحيطة»

من أجل تخفيف مخاوف الإمارات من أي تفاهم إيراني أمريكي، واحتواء التوتر معها ومنع تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، يمكن لطهران أن تقترح معاهدة فنية، وليس بالضرورة سياسية، لتنظيم حركة الطيران العسكري والطائرات المسيّرة في الخليج.

وبموجب هذا التصور، تلتزم إيران باحترام المجال الأمني الجوي للإمارات ما دامت القواعد الإماراتية لا تُستخدم من قبل قوى خارج الإقليم. ومن شأن هذا الترتيب أن يثبت للإمارات أن أمن جزرها وسواحلها لا يعتمد على استدعاء القوى الأجنبية، بل على الالتزام المتبادل بعدم التدخل والاعتداء والإدارة المشتركة لأجواء الخليج.

2- المملكة العربية السعودية: ترسيخ إطار بكين وتحقيق التوازن الاستراتيجي

أظهرت الرياض، من خلال الحفاظ على مسافة من المواجهة المباشرة، أنها تسعى إلى استقرار هيكلي يتيح لها المضي قدماً في مشاريعها التنموية الداخلية. ويتمثل المقترح العملي في التعامل معها في تحويل هذا التوازن إلى إطار مؤسسي دائم.

• ضمان متعدد الأطراف برعاية صينية

ينبغي لإيران أن تستفيد من النفوذ الدبلوماسي الصيني لتحويل التفاهمات الثنائية بين طهران والرياض إلى وثيقة أمنية إطار تحظى بضمانات تنفيذية من بكين. ومن شأن ذلك أن يمنح السعوديين الثقة بإمكانية تأمين استقرارهم عبر قنوات غير غربية، ويقلل اعتمادهم على المظلة الأمنية التي توفرها إدارة ترامب.

• فريق عمل مشترك للأمن الإقليمي في الملفات الفرعية

يُقترح إطلاق حوارات فنية بشأن مستقبل اليمن وأمن البحر الأحمر ضمن حزمة متكاملة مرتبطة بالاتفاق النهائي. ومن شأن هذا المسار أن يعالج المخاوف السعودية الرئيسية المتعلقة بالتهديدات العابرة للحدود.

3- قطر: إضفاء الطابع المؤسسي على القناة الدبلوماسية

على خلاف أبوظبي، استند موقف الدوحة بالكامل إلى التمهيد الدبلوماسي والاستفادة من ورقة الوساطة. ويعكس تحولها إلى الوسيط الرئيسي نجاح نموذج «الدولة الصغيرة ذات الدور الكبير».

وبناء على ذلك، ينبغي أن ترتقي نظرة إيران إلى قطر من مجرد «صندوق بريد دبلوماسي» إلى «شريك استراتيجي في نظام ما بعد وقف إطلاق النار».

• إضفاء الطابع المؤسسي على منتدى تسوية الخلافات المتعلقة بالطاقة في الدوحة

تتمثل أكبر الهواجس غير المعلنة لدى قطر في أمن منشآت استخراج الغاز من الحقل المشترك. ولذلك ينبغي لإيران أن تقترح تأسيس «كونسورتيوم مشترك للدفاع المدني وحماية حقل بارس الجنوبي/القبة الشمالية».

ويمثل هذا الاتحاد، في أكبر حقل غاز في العالم، آلية فنية وقانونية ولوجستية متكاملة تمنح قطر ثقلاً استراتيجياً يصعب المساس به في ترتيبات ما بعد الحرب، بينما يتمثل هدفه الأساسي في تحييد المخاطر الجيوسياسية وضمان استمرارية الإنتاج من دون الحاجة إلى تدخلات عسكرية أو أمنية مباشرة.

وتستند هذه الفكرة إلى مفهوم «الاعتماد الأمني والاقتصادي المتبادل»، أي ربط أمن منشآت إيران بأمن منشآت قطر بحيث يؤدي أي ضرر يلحق بأحد الطرفين إلى تكاليف فنية وبيئية باهظة للطرف الآخر.

• آلية الاعتماد المتبادل في العبور المالي

في ضوء الدور الوسيط الذي تؤديه قطر، يمكن لطهران تطبيق استراتيجية «الاعتماد المتبادل المعقد» على المستوى المالي، بحيث يتم إيداع جزء من الأصول المفرج عنها أو العائدات التجارية الناتجة عن اتفاق وقف إطلاق النار في مصارف إيرانية – قطرية مشتركة داخل الدوحة، وبالاعتماد على العملات المحلية أو الأنظمة المالية البديلة بدلاً من البنوك الغربية.

ومن شأن هذه الخطوة أن تقلل مخاطر إعادة تجميد الأصول من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، كما تربط المصالح الاقتصادية القطرية بصورة عميقة باستمرار الاتفاق.

وبناء على ذلك، يبدو أن أمن إيران واستقرار المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب سيتحققان عندما تتعامل طهران مع كل طرف من هذه الأطراف الثلاثة وفقاً لطبيعة سلوكه خلال الحرب: مع الإمارات بلغة الردع الصارم والفصل بين الجوانب التجارية والأمنية، ومع السعودية عبر ترسيخ التوازن المدعوم من الصين، ومع قطر من خلال دبلوماسية مؤسسية منظمة.

وبعد جولتين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يعد خافياً على أي محلل أن إدارة ترامب وحكومة نتنياهو لا تلتزمان بأي اتفاق بصورة مستدامة. ولذلك يتعين على الدبلوماسية الإيرانية إشراك دول الخليج في أي اتفاق سلام بطريقة تجعل استمراره مرادفاً لاستمرار مصالحها المشتركة مع إيران، وتجعل انتهاكه مساوياً للإضرار بمصالحها وأمنها.

وقد يكون هذا هو المسار الوحيد القادر على إعادة الهدوء والاستقرار إلى الخليج الفارسي وتوفير ضمانة جدية وعملية تحول دون اندلاع حرب جديدة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى