الصحافة الإيرانية: عدم التوافق الزمني و«عبء الدين السياسي» يعطلان أي اتفاق بين طهران وواشنطن
لا يتم التقليل من حجم العقبات. فكلا الطرفين يمتلك حوافز لإظهار التفوق وإرسال إشارات تفيد بأنه قادر على الصمود أكثر من الآخر. ومن دون اتفاق شامل، من غير المرجح أن يبقى مضيق هرمز مفتوحاً بشكل مستدام.
ميدل ايست نيوز: لم تُحسم المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة على مدى عقود بسبب مشكلتين أساسيتين: عدم التوافق الزمني، إذ تستطيع الولايات المتحدة دائماً إعادة فرض العقوبات بعد أن تتخلى إيران عن مخزوناتها من اليورانيوم ومعداتها المرتبطة به، و«عبء الدين السياسي المتراكم»، أي تراكم الوعود السابقة الموجهة إلى القواعد السياسية المؤثرة بما يجعل أي اتفاق محدود غير كافٍ من منظورهم.
توضح هذه المقالة، التي كتبها أمير كرماني وهو أستاذ في الشؤون المالية في جامعة كاليفورنيا، وسیمون جانسون وهو أستاذ في الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ونشرتها صحيفة دنياي اقتصاد، توضح كيف يمكن لـ«إغلاقات مزدوجة» لمضيق هرمز أن تغيّر هذه الدينامية بشكل غير متوقع. إذ تمنح هذه الإغلاقات الطرفين قدرة تفاوضية أكثر توازناً، وتتيح التوصل إلى اتفاق متوافق زمنياً يربط بين الملف النووي، وتخفيف العقوبات، واستمرار الملاحة البحرية دون انقطاع. كما أن إدراج استثمارات واسعة في البنية التحتية المدنية وصناعة النفط والغاز يمكن أن يجعل الاتفاق كبيراً بالدرجة التي تسمح لكل طرف بتقديمه كإنجاز.
وتوجد الصين في موقع فريد يتيح لها المساعدة في الوساطة حول هذا النوع من التسوية. وتبدو العلاقات الإيرانية–الأميركية في أدنى مستوياتها منذ عقود. ففي أعقاب هجمات واسعة بدأت في 28 فبراير 2026، واغتيال المرشد الأعلى وعدد من القادة الآخرين، وإقدام إيران على إغلاق فعلي لمضيق هرمز، وما تبعه من حصار بحري من جانب الرئيس الأميركي، بدا أن البلدين انزلقا إلى مواجهة شبه مستعصية. ومع ذلك، يكمن في قلب هذا التصعيد تناقض أساسي: الأدوات نفسها التي عمّقت الأزمة قد تحمل أيضاً بذور حلها.
مسألة الملف النووي، عدم التوافق الزمني، وعبء الدين السياسي
على مدى أكثر من عقدين، ارتكزت المقترحات الخاصة بحل الملف النووي الإيراني على مقايضة بسيطة: تقليص أو إنهاء البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات. لكن المشكلة الأساسية تتمثل في عدم التوافق الزمني. فعندما تتحمل إيران تكاليف غير قابلة للتراجع، تنشأ لدى الولايات المتحدة إغراءات قوية لإعادة فرض العقوبات والضغط من أجل تنازلات إضافية. والتاريخ يشهد على ذلك، إذ رغم التزام إيران بالاتفاق النووي لعام 2015، انسحبت الولايات المتحدة منه في مايو 2018 وأعادت فرض عقوبات صارمة دون التوصل إلى اتفاق بديل.
كانت كلفة العقوبات المتراكمة هائلة. إذ قدّر «لوداتي وآخرون» (2023) أن العقوبات خفّضت النمو السنوي لإيران بنحو نقطتين مئويتين خلال الفترة 1989–2019، ما يعني أن الاقتصاد كان يمكن أن يكون أكبر بنحو 50%. كما وجد «فرزنكان وحبيبي» (2025) أن العقوبات قلّصت حجم الطبقة الوسطى في إيران بنسبة 30%. وتُظهر المقارنة مع تركيا دلالة واضحة: فقد كان البلدان قبل عام 1979 متشابهين في الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه، لكن بحلول نهاية الحرب الإيرانية–العراقية عام 1988 أصبح اقتصاد إيران لا يتجاوز ثلث الاقتصاد التركي، قبل أن تتقلص الفجوة مجدداً بحلول 2001. ثم نما الاقتصادان بشكل متوازٍ تقريباً حتى عام 2010، حين أدى تطبيق العقوبات المالية الشاملة إلى تباعد حاد بين مساريهما، ليصبح الاقتصاد الإيراني اليوم أصغر من الاقتصاد التركي.
وبالنظر إلى هذا الاختلال غير المتكافئ، حيث تتحمل إيران الكلفة الأكبر للعقوبات بينما تكاد لا تكلف الولايات المتحدة شيئاً، يصبح من الصعب على أي إدارة أميركية مقاومة إغراء إعادة فرض العقوبات بعد أن تقدم إيران تنازلات غير قابلة للتراجع في الملف النووي.
وتوجد مشكلة ثانية مرتبطة بالملف النووي. فكلا البلدين استثمرا بشكل كبير، مادياً وسياسياً، في هذا الملف، ويحتاج كل منهما الآن إلى إظهار «انتصار ملموس» أمام الرأي العام الداخلي. وهذا ما يخلق ما يسمى «عبء الدين السياسي» (جونسون وكرماني 2026)، أي التزامات سياسية متراكمة تقيد خيارات الطرفين، لأن تغيير المسار يحمل تكاليف سياسية كبيرة، من الظهور بمظهر التراجع إلى خسارة القواعد الداعمة، حتى عندما تكون السياسة الجديدة أفضل موضوعياً.
في إيران، أدت عقود من العقوبات إلى تعطيل فرص اقتصادية كبرى. ويتطلب استعادة نمو يتجاوز 5% استثمارات سنوية تفوق 50 مليار دولار في البنية التحتية وقطاع النفط والغاز. وبالتالي فإن أي اتفاق يقدم تخفيفاً محدوداً للعقوبات لا يمكنه تبرير التخلي عن البرنامج النووي.
وفي المقابل، في الولايات المتحدة، الدينامية مشابهة إلى حد كبير. فقد فرض اتفاق 2015 قيوداً مهمة على قدرات تخصيب اليورانيوم الإيرانية، وأي اتفاق بديل يجب أن يُنظر إليه كتحسين واضح. لكن معيار «التحسين» أصبح أعلى بكثير، خاصة بعد الحروب الأخيرة التي خلّفت خسائر وتكاليف اقتصادية على الجانبين، ما جعل قبول شروط لا تتجاوز بوضوح ما طُرح سابقاً أكثر صعوبة.
ورقة تفاوض جديدة قد تغيّر قواعد اللعبة
أظهرت حرب الأربعين يوماً أن إيران تمتلك مصدراً جديداً للقوة التفاوضية يتمثل في القدرة على إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية. ورغم أن إيران لا تستطيع الاستفادة من هذه القوة بشكل أحادي دائم، فإنها، في ظل الحصار المتبادل من الولايات المتحدة، تستطيع استخدام تهديد الإغلاقات المستقبلية لفرض تكاليف ملموسة على حلفاء واشنطن في المنطقة، وعلى أسعار النفط العالمية، وعلى اقتصاد الولايات المتحدة والعالم.
وعلى عكس العقوبات أو العمليات العسكرية التي تتحمل إيران عبئها بشكل غير متناسب، فإن اضطرابات مضيق هرمز تلحق الضرر بالطرفين بشكل أكثر توازناً. لذلك يمكن لاتفاق جديد أن يربط بين حل الملف النووي، وتخفيف العقوبات بشكل ملموس، واستمرار تدفق الملاحة عبر المضيق دون انقطاع.
وإذا تم ربط هذه العناصر ببعضها، بحيث تصبح استمرارية تخفيف العقوبات (أي عدم إعادة فرضها بعد رفعها) مرتبطة باستمرار الملاحة الطبيعية عبر المضيق، والعكس بالعكس، فإن أي طرف سيواجه تكاليف أعلى في حال خرق الاتفاق. والفرق الأساسي بين الالتزام بإبقاء المضيق مفتوحاً والالتزام بإنهاء البرنامج النووي هو أن الأول لا يعاني من مشكلة عدم التوافق الزمني.
عبء الدين السياسي: لماذا لا ينجح اتفاق صغير
حتى إذا نجح اتفاق جديد في معالجة مشكلة عدم التوافق الزمني، فإنه يحتاج بالتوازي إلى معالجة «عبء الدين السياسي»، بحيث يمكن تقديمه كإنجاز واضح للرأي العام الداخلي في كلا الطرفين.
من منظور إيران، لم يكن ضعف اتفاق 2015 مقتصراً على هشاشته أمام إمكانية الانسحاب منه، بل أيضاً على محدودية مكاسبه الاقتصادية. فقد جاءت تخفيفات العقوبات جزئية وضعيفة، ولم ينجح الاتفاق في خلق مستويات كافية من الاستثمار أو التكامل التجاري لتوليد دعم داخلي مستدام لاستمراره.
ومن منظور الولايات المتحدة، كان نطاق الاتفاق محدوداً للغاية. كما أن غياب قنوات واضحة تمكّن الشركات الأميركية وحلفاءها من الاستفادة منه قلل الدعم الداخلي، بينما عززت المخاوف من انتهاء بعض البنود الأساسية الانطباع بأن الاتفاق يوفر نفوذاً طويل الأمد محدوداً.
يمكن لإطار مُراجع معالجة أوجه القصور هذه عبر إدماج روابط اقتصادية أقوى وأكثر وضوحاً داخل الاتفاق نفسه. وبدلاً من التعامل مع تخفيف العقوبات كنتيجة سلبية أو تلقائية، يمكن تحويله إلى آلية نشطة مرتبطة باستثمارات محددة واسعة النطاق، خصوصاً في البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة.
هذا النهج من شأنه أن يحقق أكبر فائدة للطبقة الوسطى في إيران، كما يمكن أن يخلق أطرافاً داخلية لها مصلحة مباشرة في استمرار الاتفاق. ويمكن أيضاً توجيه الأصول الإيرانية المجمدة نحو تمويل هذه المشاريع.
دور الصين
في ظل عمق انعدام الثقة بين إيران والولايات المتحدة، سيكون التوصل إلى اتفاق شامل عبر المفاوضات المباشرة أمراً صعباً. الصين في موقع فريد يتيح لها لعب دور حاسم في الوساطة.
وباعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني، تتمتع بكين بثقة كبيرة في طهران وبنفوذ اقتصادي مهم. كما أن لديها دوافع قوية للتحرك؛ إذ إن استيرادها لما يقارب 10 ملايين برميل يومياً يجعل أي زيادة قدرها 40 دولاراً في سعر النفط تكلفها سنوياً نحو 150 مليار دولار، وقد يتجاوز الأثر الإجمالي، بما في ذلك ارتفاع تكاليف الغاز المسال والأسمدة والمدخلات الأخرى، 200 مليار دولار.
كما أن الصين في موقع جيد لتوفير السلع الرأسمالية اللازمة للاستثمار الإيراني في الطاقة المتجددة والبنية التحتية المدنية. ويشكل الاجتماع المقرر بين ترامب وشي هذا الأسبوع فرصة مهمة لدفع عناصر اتفاق محتمل.
مسار ضيق أمام الاتفاق
لا يتم التقليل من حجم العقبات. فكلا الطرفين يمتلك حوافز لإظهار التفوق وإرسال إشارات تفيد بأنه قادر على الصمود أكثر من الآخر. ومن دون اتفاق شامل، من غير المرجح أن يبقى مضيق هرمز مفتوحاً بشكل مستدام.
لكن المنطق البنيوي يشير إلى إمكانية التوصل إلى تسوية نهائية. فتكاليف استمرار المواجهة حقيقية ومتزايدة. كما أن تقارب القوة التفاوضية للمرة الأولى يوفر آلية موثوقة لتنفيذ الالتزامات عبر الزمن، بينما يشكل حجم المكاسب الاقتصادية المحتملة أساساً لاتفاق كبير بما يكفي لتجاوز عبء الدين السياسي لدى الطرفين.
يبقى السؤال ما إذا كان الطرفان سيدركان هذه الفرصة قبل إغلاقها.



