الصحافة الإيرانية: طريق مسدود أم فرصة جديدة.. لماذا يجب إحياء مفاوضات طهران وواشنطن؟
لا شك في أن الحل الدبلوماسي، في أي ظرف كان، هو أقل الخيارات ضرراً وتكلفة وأكثرها عقلانية من الحرب. إذا قبل طرفا المعادلة المعقدة الحالية، أي أمريكا وإيران، أن ترجيحهما يبقى لاستمرار الأنشطة الدبلوماسية، فإن هذا الوضع بحد ذاته يشكل خطوة أساسية إلى الأمام.

ميدل ايست نيوز: بعد 14 ساعة من المفاوضات المضنية التي جرت بين الوفد الإيراني والوفد الأمريكي، لم تسفر هذه الجولة من المفاوضات عن نتيجة أو اتفاق بين الطرفين. فبعد مرور 40 يوماً على حرب مكلفة أوقعت خسائر بشرية جسيمة بين المدنيين، وتسببت في تدمير البنى التحتية، وإلحاق أضرار بالمباني والآثار التاريخية والمدارس والمستشفيات والمراكز المدنية الأخرى، تم في النهاية إعلان هدنة، وأدت مبادرة باكستانية إلى بدء المفاوضات ثم إلى حوار مباشر بين كبار المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين. إلا أن الفجوة بين مطالب الطرفين حالت دون إتمام المفاوضات والتوصل إلى اتفاق جوهري بينهما. ووفقاً لتقارير إعلامية، فإنه إضافة إلى الملف النووي، فإن كلاً من الهدنة في لبنان ووضع إدارة مضيق هرمز هما من بين القضايا الخلافية التي أدت إلى فشل هذه الجولة من المفاوضات.
يقول إحسان هوشمند، هو باحث في الدراسات الإيرانية، في مقال لصحيفة شرق، إنه بناءً على تقارير مجموعة من وسائل الإعلام، فإن واشنطن لا تزال تطالب بمواقفها السابقة المتعلقة بمنع تخصيب اليورانيوم، وهي المطالب التي كانت مصرّة عليها حتى قبل الحرب. وفي الوقت نفسه، أضاف موضوع مضيق هرمز تعقيداً إضافياً إلى المفاوضات. فهل يعني هذا الوضع وفشل المفاوضات الجارية في باكستان إغلاق قناة الحوار بين إيران وأمريكا؟ وهل يمكن أن يؤدي فشل مفاوضات يوم السبت إلى اشتعال الحرب من جديد؟ ليس فقط أن فشل المفاوضات وتوقفها الحالي بين إيران وأمريكا يمكن أن يؤدي إلى اندلاع الحرب والاشتباكات العسكرية مرة أخرى، بل إنه لم يكن هناك أيضاً أي ضمان بأنه في حال استمرار المفاوضات بين كبار المسؤولين في البلدين لن تندلع الحرب مجدداً، مع العلم أن استمرار المفاوضات كان سيجعل احتمال نشوب الحرب أقل. ولكن: أولاً، وبما أن المفاوضات قد وصلت إلى طريق مسدود، فمن الضروري أن يجد الطرفان طريقة لاستئناف الحوار من جديد، وأن يضعا إيجاد حل دبلوماسي آخر على جدول أعمالهما، وذلك لتقليل احتمال اندلاع الحرب والصراع العسكري مجدداً.
لا شك في أن الحل الدبلوماسي، في أي ظرف كان، هو أقل الخيارات ضرراً وتكلفة وأكثرها عقلانية من الحرب. إذا قبل طرفا المعادلة المعقدة الحالية، أي أمريكا وإيران، أن ترجيحهما يبقى لاستمرار الأنشطة الدبلوماسية، فإن هذا الوضع بحد ذاته يشكل خطوة أساسية إلى الأمام. فالمبادرة الباكستانية مرتين، أو مبادرة جديدة من دول أخرى، يمكنها بسرعة أن تهيئ فضاء جديداً لاستمرار الدبلوماسية. الكلام هنا ليس حول سبب توقف المفاوضات أو سبب المأزق الحالي في المبادرة الباكستانية. إذا كان الجانب الإيراني يعتقد أن أمريكا لم تستطع أن تحقق عبر الحرب والعدوان على إيران ما تسعى إليه الآن عبر مسار دبلوماسي، فلا ينبغي له أن يستنتج من هذه العبارة أن المفاوضة ليست حلاً مناسباً.
أصل المفاوضات بين الدول هو لتحقيق المصالح والأهداف، ولكن ما تنتهي إليه المفاوضات في النهاية هو نتيجة لوضع ميداني أكثر تعقيداً، ولميزان القوى، وطبيعة الطلبات والمطالب والتوقعات لكل طرف من طرفي النزاع. على أي حال، فإن مفاوضات باكستان أوجدت بارقة أمل لإيجاد حل يحفظ الكرامة ويرضي الطرفين للتحدي المزمن بين إيران وأمريكا، وفي النتيجة، وحدث غير مسبوق خلال 47 عاماً، جلس مجموعة من أرفع المسؤولين في البلدين وجهاً لوجه للتفاوض، على أمل إيجاد طريقة للخروج من الوضع الراهن. هذا الحدث ليس بقليل الأهمية أو تافهاً، بل يمكن أن يكون بداية لتكرار تلك التجربة وعقد جلسات بين مسؤولي البلدين في مسارات دبلوماسية لاحقة، ليتمكن الطرفان، دون وسيط، من متابعة أهدافهما في مسار دبلوماسي. لذلك، فإن الاقتراح الاستراتيجي للبلاد هو أنه يجب اختبار الدبلوماسية مرة أخرى لتأمين مصالح البلاد بهذه الطريقة.
ثانياً، قد يرحب بعض الأطراف داخل البلاد بالمأزق الذي تشكل في المفاوضات. فهذه الفئة التي كانت على مدى العقود الماضية تشعر دوماً بالقلق من المسار الدبلوماسي بين إيران وأمريكا، وفي الأيام الماضية، ورغم التأكيد الواضح من قبل مسؤولي البلاد على أن التفاوض في باكستان والانضمام إلى المبادرة الباكستانية لم يكن قرار الحكومة أو جزء من النظام السياسي، بل هو قرار النظام السياسي بأكمله، أعلنت هذه الفئة بوضوح معارضتها للمسارات الدبلوماسية وشنّت هجوماً علنياً على فريق التفاوض. والآن وقد وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، يجب على هذه الفئة أن تجيب على السؤال التالي: برأيهم، ما هو النهج الذي يجب على إيران اتباعه في هذه الظروف؟ هل تبدأ الحرب؟ أم تبقى في وضع الهدنة الهشة هذه منتظرة حدثاً معيناً؟ إذا كان الجواب على هذا السؤال إيجابياً، وهم يعتقدون أن استئناف الاشتباكات العسكرية هو السبيل الوحيد للخروج من الوضع الراهن، فعليهم أن يجيبوا: إلى متى يجب الاستمرار في الحرب؟ وإذا تغير ميزان القوى المتشكل لأسباب ما، فمن يضمن أن يبقى الوضع لصالح إيران؟
إذا كان جواب هذه الفئة هو أن الهجوم على البنى التحتية الإيرانية سيؤدي إلى تدمير واسع لبنى تحتية في الدول المجاورة، فيجب السؤال مرة أخرى: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ أي إلى متى ستستمر هذه العملية من الحرب والتدمير؟ في النهاية، من وجهة نظر هذا التيار، إلى متى يجب أن تستمر الحرب والصراع؟ وإذا لم تسر الحرب والصراع وفق توقعاتهم، وألحقت أضراراً لا يمكن تعويضها بالبلاد، فمن يتحمل مسؤولية مثل هذه الكارثة؟ وما هي المكانة التي تعطيها هذه الفئة لرأي ووجهة نظر جميع الإيرانيين في هذا الشأن؟ هل رأي الشعب الإيراني وجميع المواطنين الإيرانيين أو غالبية المواطنين الإيرانيين في اتخاذ القرار وتحديد النهج الواجب اتباعه لتحقيق مصالح البلاد هو العامل الأهم في تحديد سياسات البلاد، أم أن أقلية يمكنها، دون النظر إلى رأي الأغلبية، أن تفرض إرادتها ورأيها على الأمة الإيرانية بأكملها؟



