صحيفة إيرانية: إصرار ترامب على إخراج اليورانيوم الإيراني مرتبط بمستقبل إيران لا بملفها النووي فقط

رأت صحيفة اطلاعات الإيرانية أن بعض الدوائر الأمريكية تعتقد أن الهجوم النووي وحده هو القادر على إخضاع إيران، وأن وسائل الضغط الأخرى، مثل دعم الحركات الانفصالية أو فرض الحصار الاقتصادي والعسكري، لن تحقق النتيجة المطلوبة.

ميدا ايست نيوز: في ظل موجة الشروط الأمريكية التي تصفها طهران بالتعجيزية في المفاوضات معها، شكّلت معارضة مبدأ تخصيب اليورانيوم على مدى العقدين الماضيين، والإصرار الحالي على إخراج كامل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، المطلب الأكثر محورية بالنسبة للولايات المتحدة. فحتى بعد تلويح إيران بورقة مضيق هرمز، لم يُبدِ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم إظهاره بعض المرونة في ملفات معينة، أي استعداد للتراجع عن مطلب إخراج اليورانيوم الإيراني ووقف الأنشطة النووية للبلاد.

وذكرت صحيفة اطلاعات الإيرانية في تقرير، أن هذا الواقع يطرح سؤالاً مهماً حول أسباب إصرار الولايات المتحدة، بهذه الحدة، على تجريد إيران من اليورانيوم المخصب، رغم الهجمات الواسعة التي استهدفت منشآتها النووية خلال الحربين الثانية والثالثة المفروضتين عليها، ورغم عمليات اغتيال العلماء النوويين.

ورغم أن الدور المحوري لتكنولوجيا التخصيب في دفع التقدم العلمي الإيراني في المجالات الصناعية والاقتصادية والزراعية والصحية والعلاجية يُعد أمراً لا يمكن إنكاره، كما أن تخصيب اليورانيوم يُنظر إليه مستقبلاً بوصفه “حقول النفط في القرن الحادي والعشرين”، إلا أن تقرير الصحيفة يرى أن ذلك ليس السبب الوحيد وراء إصرار واشنطن على مشروع “إيران بلا يورانيوم محلي”.

وأضافت اطلاعات أن شخصية ترامب وسلسلة مواقفه المثيرة للجدل تجاه إيران وعلى الساحة الدولية، بما في ذلك تلبية طموحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضمن استراتيجية “إسرائيل أولاً”، قد توفر تفسيراً لهذه المسألة التي ترتبط، بحسب التقرير، بمصير إيران التاريخية ومستقبلها.

تشابه إيران واليابان من منظور المحافظين الجدد

ويرى تقرير الصحيفة الإيرانية أن اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، وبفضل أيديولوجيتها القوية المستندة إلى تقاليدها التاريخية، لم تكن دولة قابلة للاستسلام، بل أثبتت من خلال هجومها على ميناء بيرل هاربور أنها لن تقف متفرجة أمام السياسات الأمريكية التي اعتبرتها توسعية.

وبحسب رؤية المحافظين الجدد والتيارات الداعية إلى الحرب في الولايات المتحدة، وعلى رأسهم ترامب، فإن الضربتين النوويتين اللتين وجهتهما واشنطن إلى هيروشيما وناغازاكي هما اللتان أجبرتا الإمبراطورية اليابانية على الاستسلام رغم الصدمة التي أثارتها تلك الهجمات عالمياً.

ويضيف التقرير أن هؤلاء يعتقدون اليوم أن إيران، التي تستند إلى إرث تاريخي يمتد لسبعة آلاف عام وإلى مدرسة التشيع بوصفها مشروعاً تحررياً، والتي مزجت بين الإرث القومي المنسوب إلى كوروش الكبير ومبادئ الإمام علي بن أبي طالب، لن تستسلم هي الأخرى، لأن المقاومة تمثل سمة متجذرة في الشخصية الإيرانية عبر التاريخ.

ويتابع أن الحرب الثالثة المفروضة على إيران أظهرت أن استشهاد قائد الثورة الإسلامية، إلى جانب الهجوم العسكري الشامل بمشاركة إسرائيل و”الخونة”، لم يكن كافياً لإجبار إيران على الاستسلام، بل أدى إلى تعزيز التماسك الوطني وظهور البلاد بصورة أقوى، مع تطوير أدوات ردع جديدة في مواجهة خصومها.

حق الدفاع النووي المشروع

ومن هذا المنطلق، رأت صحيفة اطلاعات أن بعض الدوائر الأمريكية تعتقد أن الهجوم النووي وحده هو القادر على إخضاع إيران، وأن وسائل الضغط الأخرى، مثل دعم الحركات الانفصالية أو فرض الحصار الاقتصادي والعسكري، لن تحقق النتيجة المطلوبة.

لكنها تضيف أن امتلاك إيران لليورانيوم المخصب يرفع مستوى المخاطرة المرتبطة بأي هجوم نووي محتمل، بسبب احتمال رد طهران بالمثل، في ظل قدرة إيران على الوصول إلى المرحلة النهائية من البرنامج النووي إذا أرادت ذلك.

كما يشير التقرير إلى أن القانون الدولي لا يضع حظراً صريحاً على هذا الأمر في حال تعرض دولة لتهديد وجودي.

واستشهد التقرير بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 8 يوليو/تموز 1996 بشأن استخدام الأسلحة النووية، والذي أكد أن استخدام السلاح النووي يتعارض عموماً مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، لكنه لم يجد قاعدة قانونية عرفية أو تعاقدية تنص على حرمان دولة تواجه تهديداً وجودياً أو حالة دفاع مشروع قصوى من حق استخدام هذا السلاح.

ويرى التقرير أن المحكمة شددت بصورة غير مباشرة على حق الدفاع النووي المشروع في مواجهة هجوم نووي يهدد وجود الدولة.

وأضاف أنه رغم اعتقاد بعض التيارات داخل إيران بأن تسليم اليورانيوم المخصب، حتى دون القبول بالشروط الأخرى، لن يؤدي إلى هجوم نووي أمريكي، فإن الوقائع الأخيرة، بحسب المقال، تثير الشكوك حول هذا التصور.

وأشار في هذا السياق إلى حادث سقوط المروحية التي كانت تقل الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي، واغتيال إسماعيل هنية في طهران، ومقتل عدد من العلماء النوويين وعائلاتهم، واستشهاد قائد الثورة الإسلامية ومئات القادة والمدنيين، إضافة إلى مقتل تلاميذ مدرسة ابتدائية في ميناب، معتبراً أن كل ذلك جرى دون أن تُقدم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رغم عضوية إيران في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، على إدانة تلك الأحداث.

ضرورة تجنب الخطأ الاستراتيجي

واعتبر التقرير أن التصريحات المبطنة للرئيس الأمريكي بشأن التهديد النووي لإيران، بدءاً من قوله إن رئيس الوزراء الياباني يفهم معنى المفاجأة أكثر من غيره، وصولاً إلى حديثه عن احتمال ظهور “ضوء هائل” في إيران، لا تعكس مجرد أمنيات شخصية، بل تمثل قناعة لديه بشأن كيفية إخضاع طهران.

وأضاف أن القرار المتعلق بمصير اليورانيوم الإيراني لا يرتبط فقط بملف تقني أو تفاوضي، بل يتعلق بمسألة “وجود إيران التاريخية أو عدم وجودها”، محذراً من أن أي خطأ في هذا الملف، خصوصاً إذا جرى تبريره بقراءات فقهية غير متناسبة مع التحولات الجذرية في الظروف، قد يدفع إيران بعد سبعة آلاف عام من التاريخ إلى مسار يخدم ما وصفه المقال بـ”استراتيجية إسرائيل الكبرى”.

كما أشار إلى أن ظهور أصوات وصفها بالاختراقية دفع حتى بعض الدول التي سبق أن وصفها ترامب بعبارات ساخرة إلى المطالبة بإخراج اليورانيوم الإيراني المخصب أو خفض نسبة تخصيبه إلى 3.5%.

واستعرض التقرير تجارب كل من باكستان والهند وكوريا الشمالية وفرنسا، معتبراً أن التحول إلى دولة نووية لا يتحقق بمنحة من الآخرين، بل عبر إرادة الدولة نفسها وقدرتها على فرض واقعها النووي في لحظة تاريخية مناسبة، الأمر الذي يغيّر المعادلات الأساسية ويضمن مكاسب دفاعية وجيوسياسية وعلمية واسعة.

وأضاف أن النظام الدولي الحالي يتسم بحالة من الفوضى، وأن ميزان القوى لا يمكن أن يستقر عندما يمتلك أحد الطرفين المتخاصمين السلاح النووي فيما يفتقر إليه الطرف الآخر، لأن بقية عناصر القوة لا تستطيع أن تعوض الردع النووي، خاصة في مواجهة الدول التي وصفها التقرير بالمتمردة.

وختم بالقول إن بعض مراكز الأبحاث الغربية المستقلة باتت تعترف بأن مفتاح السلام في غرب آسيا يكمن في تحقيق توازن نووي واحترام حقوق إيران في هذا المجال، مؤكداً أن العالم والتاريخ يترقبان اليوم القرارات المصيرية التي سيتخذها المسؤولون الإيرانيون في هذه المرحلة الحساسة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى