من تخصيب اليورانيوم إلى مضيق هرمز: التحول الكبير في قواعد الاشتباك بإيران

رغم اختلاف زوايا النظر، تلتقي جميع الروايات عند نقطة واحدة: إيران، وبعد تلقيها ضربات عسكرية، استبدلت جزءاً من ردعها المفقود بـ "رافعة هرمز".

ميدل ايست نيوز: لم يعد من الممكن اختزال هذا الصراع في الملف النووي وحده؛ فما تصدّر المشهد في هذه المرحلة هو مضيق هرمز، الذي تحول عملياً إلى الميدان الرئيسي للاشتباك.

وحسب تقرير لموقع “رويداد24” الإيراني، رغم اختلاف زوايا النظر، تلتقي جميع الروايات عند نقطة واحدة: إيران، وبعد تلقيها ضربات عسكرية، استبدلت جزءاً من ردعها المفقود بـ “رافعة هرمز”، بينما تستهدف الولايات المتحدة الآن هذه الرافعة تحديداً لانتزاعها من يد طهران. الخلاف لم يعد مجرد نزاع على تخصيب اليورانيوم، بل بات على مَن يضع قواعد العبور، والأمن، بل وحتى مَن يتحكم في المصالح الاقتصادية لهذا الشريان الحيوي.

إن الاستراتيجية الأمريكية — استناداً إلى هذه المعطيات — قد غيّرت ماهيتها لكنها لم تغيّر مسارها؛ إذ لا يزال نموذج “الضغط-التفاوض” قائماً، ولكن بمستوى أكثر عنفا وملموسية. إن مقترحات الوقف طويل الأمد للتخصيب، والمطالبة بإخراج اليورانيوم عالي التخصيب، وانسحاب المندوب الأمريكي من المفاوضات، بالتزامن مع تشديد الضغط البحري، كلها تصب في اتجاه واحد: فرض نظام جديد. في هذا الإطار، لم يعد التفاوض أداة لحل الخلافات، بل جزءاً من دورة استنزافية؛ مجرد هدنة لتنظيم الموجة التالية من الضغط. وحتى تمديد وقف إطلاق النار يبدو وكأنه محاولة لشراء الوقت أكثر من كونه مؤشراً على قرب التوصل إلى اتفاق.

على الجانب الآخر، وخلافاً لبعض التقديرات الأولية، لم ينهَر هيكل صنع القرار في إيران. فقد تمكنت طهران، رغم الضربات القاسية، من تغيير قواعد اللعبة ونقل ثقل المواجهة من الميدان العسكري إلى الاقتصاد العالمي. ويمكن فهم لجوئها إلى “انعدام الأمن المنضبط” في الممرات البحرية، ورفع مخاطر التأمين، وعرقلة تدفق التجارة دون إغلاق المضيق بالكامل، في هذا الإطار تحديداً. وهذا يعني أن إيران لم تعد تبحث عن “نصر كلاسيكي”، بل تسعى لرفع التكلفة على الطرف الآخر. ومع ذلك، فإن هذه الرافعة لها حدودها؛ فإذا أفرطت طهران في الإصرار على التخصيب، قد تخلق إجماعاً دولياً أكبر ضدها، مما يؤدي تدريجياً إلى تآكل ميزة هرمز نفسها.

أما دور إسرائيل، فهو أقرب إلى “المسرِّع” منه إلى “المحدد” للمسار النهائي. تشير الدلائل إلى أن تل أبيب تخشى نهاية مبكرة للصراع والوصول إلى اتفاق محدود؛ لذا يصبح ضغطها لبدء جولة جديدة من العمليات — قبل تثبيت أي وقف لإطلاق النار أو اتفاق — أمراً مفهومًا. فإسرائيل لا تزال ترى هذه الحرب غير مكتملة، وتفضل تغيير التوازن بشكل كامل ضد إيران، حتى لو كان ذلك يعني استمرار النزاع.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل عامل مهم آخر: عدم الاستقرار في عملية صنع القرار الأمريكي. تسعى واشنطن لتحقيق أهداف متعددة في آن واحد: استعراض القوة، التوصل إلى اتفاق، تجنب حرب طويلة، وحتى كسب منافع اقتصادية من السيطرة على الممرات الحيوية. هذا التعدد يخلق فرصاً ومخاطر معاً؛ فمن جهة، قد يؤدي إلى تذبذب وتناقض في السياسات، ومن جهة أخرى، قد يقود إلى قرارات مفاجئة وباهظة الثمن. في ظل هذه الظروف، تقل القدرة على التنبؤ بالسلوك الأمريكي، وهو ما يتحول بحد ذاته إلى متغير مستقل في الأزمة.

لا تلوح في الأفق بوادر نصر صريح، ولا أرضية لاتفاق كبري ومستدام. ما تشكّل هو مواجهة استنزافية متعددة الطبقات: ضغط اقتصادي، تهديد عسكري، مفاوضات مقطعية، واستنفار للجولة القادمة، وكلها تجري في وقت واحد. وتبقى العقدة الرئيسية هي هرمز؛ حيث حولتها إيران إلى أداة للبقاء والمساومة، بينما تسعى أمريكا لإبطال مفعولها أو مصادرتها. وبين هذا وذاك، يبدو وقف إطلاق النار أشبه بـ “سكون قلق”؛ وقفة قصيرة في منتصف مسار لم يصل بعد إلى نقطة الحسم.

في هذه المرحلة، لا توجد إشارات لعودة فورية إلى حرب واسعة، كما لا توجد أرضية لاتفاق مستدام. ما يبدو جلياً هو استمرار حالة الاستنزاف حيث يمضي الحصار البحري والضغط الاقتصادي جنباً إلى جنب مع الدبلوماسية المقطعية. يبدو أن واشنطن تفضل حالياً انتزاع رافعة هرمز من يد إيران دون الدخول في صراع مكلف، مع إبقاء قنوات الدبلوماسية مفتوحة. في مثل هذه الظروف، إذا وقع أي هجوم، فمن المرجح أن يكون محدوداً وهادفاً؛ ضربة لتغيير الموازين قبل جولة المفاوضات القادمة، وليس بداية لحرب شاملة. ومع ذلك، تبقى هذه الحالة غير مستقرة بطبيعتها؛ فأي خطأ في الحسابات — بدءاً من اشتباك مباشر في البحر وصولاً إلى محاولة أحادية لتغيير قواعد العبور في هرمز — يمكن أن يرفع مستوى التوتر بسرعة. وعليه، فإن المشهد القادم يشبه فترة طويلة من الضغط والاختبار والمساومة، أكثر مما يشبه طريقاً واضحاً نحو الحرب أو السلام.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى