الصحافة الإيرانية: ما سر هجمات المتشددين المتصاعدة على قاليباف؟

بات محمد باقر قالیباف هذه الأيام في موقع يعكس صورة مختلفة عنه في المشهد السياسي الإيراني، صورة أكثر تميزاً وملامح جديدة في سجل رئيس البرلمان.

ميدل ايست نيوز: في ظلّ تصاعد غير مسبوق في مواقف معارضي رئيس البرلمان الإيراني وتنوع أدوات التصعيد ضده، اختار محمد باقر قالیباف نهج «الصمت»، موجهاً جهده نحو مهمته الدبلوماسية، ومتحاشياً الانخراط في معارك سياسية يفرضها خصومه.

تقول وكالة خبر أونلاين في تقرير، إن محمد باقر قالیباف بات هذه الأيام في موقع يعكس صورة مختلفة عنه في المشهد السياسي الإيراني، صورة أكثر تميزاً وملامح جديدة في سجل رئيس البرلمان. ففي وقت تخوض فيه البلاد مواجهة عسكرية شديدة مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومع استمرار ظلال الحرب، تحوّل إلى فاعل نشط في المجال الدبلوماسي، بل وتولى دوراً في مسار المفاوضات.

ولم يكن من المبالغة ما قاله رضا صالحي أميري، وزير التراث الثقافي الإيراني، حين صرّح في أحد الاجتماعات: «في غياب (استشهاد) القادة، كان قالیباف قائد حرب الـ 12 يوماً».

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال قالیباف في كونه «سياسياً» أو «شخصية عسكرية» فقط، إذ إنه خلال السنوات الأخيرة وقف في منطقة وسط بين السياسة والقيادة العسكرية، من تجربة عضوية البرلمان وتوليه رئاسة السلطة التشريعية، إلى 12 عاماً في منصب عمدة طهران.

كيف أصبح قالیباف مسؤولاً عن التفاوض مع فانس؟

في خضم تهديدات دونالد ترامب بشن هجمات على البنى التحتية وتدمير «حضارة إيران»، جرى بوساطة باكستان التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين بين طهران وواشنطن. وبعد ذلك، ومع قبول الطرف الأمريكي بالمقترح الإيراني المكوّن من 10 بنود، انطلقت مفاوضات بين البلدين في إسلام آباد.

وقد أُجريت هذه المفاوضات، التي ترأسها محمد باقر قالیباف وبحضور جيه دي فانس، نائب دونالد ترامب، واستمرت لمدة 21 ساعة، لكنها لم تفضِ في النهاية إلى اتفاق محدد.

ومع ذلك، منذ لحظة تداول تكهنات حول دور قالیباف على رأس الوفد الإيراني المفاوض، طُرح سؤال حول كيفية توليه هذه المسؤولية. ويمكن العثور على إجابة ذلك في تصريحات محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، بشأن شروط وقف إطلاق النار والمفاوضات، حيث قال: «وجود قالیباف في المفاوضات كان باقتراح من بزشکیان».

ومع طرح خبر مفاوضات إسلام آباد الأسبوع الماضي، وظهور احتمالات تمديد وقف إطلاق النار وإعادة عقد المفاوضات بين طهران وواشنطن، عاد مجدداً الجدل حول ثنائية «المفاوضات–المقاومة» إلى صدارة النقاشات السياسية. وفي هذا السياق، اعتبر بعض أعضاء التيارات المتشددة أي مفاوضات نوعاً من التراجع، واتخذوا مواقف حادة منها، وفق نهجهم المعتاد تجاه ملف التفاوض.

وفي المقابل، فإن قبول وقف إطلاق النار والدخول في المفاوضات كان قراراً صادراً عن النظام والدولة. حتى حسين شريعتمداري، مدير صحيفة كيهان المتشددة، الذي كان قد عارض في البداية وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، كتب لاحقاً أن مثل هذا القرار المصيري لا يمكن أن يكون خارج إطار رأي القيادة العليا للثورة، والتي وصفها بأنها المرجع الحاسم والدقيق في مثل هذه القضايا.

صورة للوفد الإيراني المفاوض في إسلام آباد وهو يجري نقاشا بشأن بعض النصوص القانونية (جماران)

حملات متجددة من التيار المتشدد على قالیباف

رغم أن تعرض محمد باقر قالیباف لهجمات التيارات المتشددة ليس أمراً جديداً، فإن هذه المرة اكتسبت الهجمات طابعاً مختلفاً، بعيداً عن المنافسات الانتخابية أو الخلافات داخل التيار الواحد. إذ إن هذه الحملات، التي طُرحت في الفضاء الإعلامي وأحياناً عبر منابر رسمية وشبه رسمية، تعكس بشكل أوضح وجود انقسام في توجهات السياسة الخارجية داخل البلاد، وهو انقسام يظهر بقوة في اللحظات الحساسة، خصوصاً في ملف التفاوض مع الغرب.

وبهذا المعنى، فإن هجوم المتشددين على قالیباف في ظرف دقيق، يترافق مع اعتراض على قرارات الدولة، ويسهم في تعميق الاستقطاب داخل المجتمع وزيادة حدة الانقسام السياسي في لحظة حساسة.

وقال أمير حسين ثابتي، النائب عن طهران ومساعد سعيد جليلي، خلال مشاركته في تجمعات شعبية حول مفاوضات إسلام آباد: «يجب على السيدين قالیباف وعراقجي توضيح ما إذا كانت الأخبار المتداولة في الإعلام الداخلي والخارجي بشأن التفاوض حول تعليق التخصيب أو تخفيف تخصيب اليورانيوم صحيحة أم لا، وإذا كانت كاذبة فعليهما نفيها رسمياً، وإلا إذا ثبت تجاوز الخطوط الحمراء للمرشد، فسنخاطب الشعب بشكل مختلف».

وأضاف ذلك في وقت تؤكد فيه طهران أنها لن تتراجع عن حقوقها في التخصيب وإدارة مضيق هرمز.

ومع ذلك، ادعى هذا النائب البرلماني أن هناك تساؤلات كثيرة لدى المواطنين حول التناقضات، مشيراً إلى أن القيادة (ويقصد آية الله مجتبى خامنئي) أكدت في رسالة مكتوبة ضرورة وقف الحرب في جميع جبهات المقاومة، بينما قال قالیباف بشكل صحيح إن خرق وقف إطلاق النار في لبنان يمثل شرطاً مسبقاً للتفاوض، لكنه في الوقت نفسه توجه إلى باكستان لإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو ما أثار، بحسب قوله، دهشة واستغراب الرأي العام الإيراني.

كما نشر حميد رسائي مقطع فيديو له بين المتظاهرين، وقال فيه: «المفاوضات ليست نصراً، لم تتحقق الشروط العشرة، وأمريكا لا تلتزم بوعودها، وهناك أسباب خلف الكواليس لا يمكنني قولها على المنبر».

وكتب أبو الفضل إقبالي، عضو الهيئة العلمية في جامعة الزهراء ومصمم قانون الحجاب والعفة: «إذا تراجعنا عن التخصيب أو مضيق هرمز فإن العدو لن يتلقى رسالة عقلانية بل سيعتبر ذلك ضعفاً ويستعد لضربات أقوى وسيناريوهات جديدة. أيها المسؤولون عن الميدان والتفاوض، اتركوا للميدان أن يصنع خيارات للعدو، لأنه حينها لن يبقى أمامه سوى خيار واحد وهو قبول حقوق الشعب الإيراني».

ومن جهة أخرى، استخدم معارضو التفاوض خلال الأيام الأخيرة خطاباً حاداً تجاه رئيس البرلمان الإيراني، وطرحوا ادعاءات غير متوقعة. إذ شهد الفضاء الإلكتروني، خاصة منصة «فيراستي»، حملات تشويه وهجمات ضد قالیباف، مع انتشار وسوم مثل «الموت للمساوم» و«الخائن» في منشورات تتعلق برئيس البرلمان.

وكتب مستخدم باسم سيد حسين هاشمي: «هل أحصيتم عدد المرات التي يقال فيها في الأخبار إن وقف إطلاق النار في لبنان يبدأ من ساعة معينة؟ الأمر لا يبدو واضحاً، ويبدو كخط إعلامي لكسب الوقت. أنصار الغرب والخونة بحاجة لذلك، ثم يقولون لا تتجاوزوا القيادة. يا للجهل».

وأضاف في منشوره وسوم مثل «الموت للمساوم»، «قالیباف»، «بزشکیان»، و«عراقجي».

وكتب مستخدم آخر: «يا حاج باقر، كان يمكنك أن تملأ فراغ قاسم سليماني وجعفري زاده، لكن يبدو أنك قررت أن تملأ مكان حسن روحاني. والله أنت شخص ذو قيمة يا حاج باقر، ليتني أكون مخطئاً».

ورغم استمرار حملات التشويه ضد قالیباف في الفضاءين الإعلامي والافتراضي، كتب محمد منان رئیسي، أحد الوجوه المتشددة والقريب من سعيد جليلي، معلناً تبرؤه من بعض هذه الأفكار، موضحاً أن التيار الذي يعتبر فريق التفاوض خائناً رغم وجود بعض الملاحظات على تفاصيل العملية التفاوضية، يخلط بين التقصير والخيانة، مشيراً إلى أن القيادة سبق أن حذرت مراراً من هذا النوع من الأحكام تجاه المسؤولين في البلاد.

ما قصة الصمت؟

في ظلّ مواقف معارضي رئيس السلطة التشريعية الإيراني تجاهه بأقصى درجات التصعيد الممكنة، فضّل محمد باقر قالیباف اعتماد «الصمت»، والتركيز على مهمته الدبلوماسية، وعدم الدخول في ساحة لعب خصومه.

لكن لماذا اختار قالیباف سياسة «الصمت الاستراتيجي»؟ هذا النهج ليس جديداً عليه، إذ سبق أن استخدمه مراراً في مواجهة هجمات التيارات المتشددة. إلا أن الإجابة في السياق الحالي ليست معقدة.

قالیباف، بخلفيته العسكرية، دخل المجال السياسي ولا يرغب في الخروج عن إطار النظام أو اللعب خارجه. وفي ظرف تواجه فيه البلاد صراعاً عسكرياً مع احتمال تصعيد واسع يصل إلى حرب برية، قام بتحديد مجال حركته ضمن بنية النظام الداخلية. وبالاعتماد على معرفته ونفوذه داخل مراكز القوة في إيران، يواصل إدارة تحركاته دون تحفظ، ولا يبدي رغبة في أن يكون جزءاً من سيناريوهات يصوغها خصومه ويؤسسون لها نظرياً.

ومن جهة أخرى، فإن ما يُلاحظ في المشهد السياسي والإعلامي خلال الأيام الأخيرة لا يقتصر على ردود فعل متفرقة تجاه قضية واحدة، بل يعكس انتقال مركز الجدل من «أصل التفاوض» إلى استخدامه كأداة للصراع السياسي الداخلي. وفي هذا الإطار يمكن تحليل الهجمات والمواقف الحادة تجاه محمد باقر قالیباف، حيث انتقل الموضوع من مستوى نقد مسار سياسي إلى مستوى إعادة تشكيل تنافس سياسي والتأثير على الرأي العام داخل الساحة الداخلية.

والنتيجة النهائية لهذا الوضع ليست حل الخلافات، بل تثبيت وتعميق الانقسامات السياسية في ملف السياسة الخارجية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى