الصحافة الإيرانية: نحو اتفاق شامل ينهي الحرب والعقوبات عن إيران

في الظروف الراهنة، إما ألا تدخل إيران في مفاوضات، أو إذا قررت الدخول إلى طاولة التفاوض، فعليها ألا تقبل بأقل من اتفاق شامل ومستدام وغير مشروط يزيل نهائيًا شبح الحرب ويمنع أي عدوان جديد.

ميدل ايست نيوز: فرضت على إيران منذ أكثر من ثلاثة عقود عقوبات اقتصادية واسعة وذات تأثير عميق، وتحمل الإيرانيون على مدى سنوات طويلة آثارها وتداعياتها بما رافقها من مشقة وألم، على أمل رفعها وتحقيق انفراجة في قطاعات البلاد. غير أن مرور الزمن لم يؤدِ إلى تقليص العقوبات، بل شهد عام 2025 تدريجيًا فرض ظاهرة أشد قسوة تمثلت في الحرب، بحيث خاضت إيران خلال أقل من عام حربين شاملتين استمرتا 12 يومًا و40 يومًا. وفي الأيام الأخيرة، ورغم سريان وقف إطلاق النار وبذل جهود إقليمية ودولية مكثفة لإنهاء الحرب، فإن الواقع يشير إلى أن ظلي الحرب والعقوبات يخيّمان معًا على البلاد، من دون أفق واضح لإنهاء هذا الوضع. وقد أدت هذه الظروف، إلى جانب حالة الإرباك العام وانعدام القدرة على التخطيط، لا سيما في المجال الاقتصادي، إلى تعريض القدرة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لإيران لمخاطر جدية، وهي مخاطر لا تقتصر على المرحلة الراهنة أو الجيل الحالي، بل قد تمتد إلى معيشة الأجيال المقبلة وتمس مجمل البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ووحدة الأراضي في المستقبل.

یقول علي رضا سلطاني، وهو خبير في الشؤون الاقتصادية، في مقال لصحيفة شرق، إن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين أعاد فتح نافذة جديدة أمام الدبلوماسية والتفاوض لإنهاء الحرب. ورغم فشل الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد بباكستان، فإن المؤشرات تفيد، في ظل إرادة طرفي النزاع إنهاء الحرب في هذه المرحلة، وبفضل جهود بعض الدول الإقليمية ومنها باكستان، وبالرغم من معارضة إسرائيل وتردد دول الخليج، بارتفاع فرص التوصل إلى اتفاق. ومع ذلك، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، فإن احتمال استئناف الحرب خلال فترة لا تقل عن ستة أشهر يبدو محدودًا، نظرًا لاستضافة الولايات المتحدة منافسات كأس العالم في يونيو المقبل، إضافة إلى اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية وأهمية نتائجها للرئيس ترامب وفريقه.

يعيد هذا المشهد إيران إلى حالة مقلقة وخطرة من «لا حرب ولا سلم»، وهي وضعية تسلب الحكومة والفاعلين الاقتصاديين والشركات القدرة على وضع السياسات والتخطيط والتنفيذ، وتضع البلاد في حالة تيه حاد، وتمهد فقط لاندلاع حرب أخرى. وعليه، ينبغي أن تكون الأولوية في إيران هي الخروج السريع من هذا الوضع والانتقال نحو اتفاق نهائي ومستدام يرفع جميع العقوبات والقيود الاقتصادية والتجارية، ويقلص إلى أدنى حد احتمال اندلاع أي حرب أو عدوان جديد. فالوقائع تشير إلى أن أي مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، قياسًا بالحربين السابقتين، ستكون أطول وأشد وأكثر كلفة وخسائر، ولن تفضي سوى إلى مزيد من إنهاك الدولة وإضعافها. ومن ثم يتعين على النظام السياسي الإيراني الحيلولة دون تحقق هذا السيناريو الذي يخدم مصالح عدد من دول المنطقة وخصوم إيران.

ويبدو أن اللحظة الراهنة، رغم التحديات السياسية والأمنية والممانعة الداخلية في إيران والولايات المتحدة ومحاولات العرقلة من بعض دول المنطقة، تمثل الفرصة الأنسب لإزالة شبح الحرب والعقوبات عبر مفاوضات تؤدي إلى اتفاق سياسي شامل ومستدام وغير مشروط. أما الاكتفاء بتفاوض يهدف فقط إلى تمديد وقف إطلاق النار أو التوصل إلى اتفاق ضعيف وناقص، فيُعد أسوأ السيناريوهات بالنسبة لإيران. وقد يكون ترامب وفريقه، في ضوء اعتبارات داخلية مثل كأس العالم والانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر، مستعدين لاتفاق جزئي أو أحادي البعد يقتصر مثلًا على الملف النووي أو يكرّس استمرار وقف إطلاق النار وحالة «لا حرب ولا سلم»، غير أن مثل هذا المسار، مع دور نتنياهو في إسرائيل وبعض دول المنطقة، لن يكون سوى تمهيد لعدوان أوسع في المستقبل القريب.

وفي الظروف الراهنة، إما ألا تدخل إيران في مفاوضات، أو إذا قررت الدخول إلى طاولة التفاوض، فعليها ألا تقبل بأقل من اتفاق شامل ومستدام وغير مشروط يزيل نهائيًا شبح الحرب ويمنع أي عدوان جديد. وقد أفضت الحرب التي استمرت 40 يومًا إلى نتيجة لم تخرج منها إيران مهزومة، ما يمنحها قدرًا عاليًا من الثقة لخوض المفاوضات من موقع قوة، لا سيما مع امتلاكها أداة استراتيجية مهمة تتمثل في السيطرة على مضيق هرمز. وفي المقابل، لا تشعر الولايات المتحدة وإسرائيل بأنهما خرجتا منتصرتين من هذه الحرب، إذ لم تحققا أهدافهما رغم الصورة العسكرية القوية التي سعتا إلى إظهارها. ومن ثم ينبغي أن تنصب الجهود على اتفاق شامل ومستدام وغير مشروط يزيل بصورة نهائية ذرائع التهديد الاقتصادي أو العسكري أو الأمني.

ولا ينبغي أن يقتصر الاتفاق المنشود على الجانب النووي أو العسكري، بل يجب أن يكون اتفاقًا شاملًا يتناول الجوانب النووية والعسكرية والاقتصادية والسياسية بالمعنى الحقيقي، ويضع حدًا دائمًا للتهديدات العسكرية والاقتصادية، ويقود العلاقات بين إيران والولايات المتحدة إلى إنهاء الخصومة وترسيخ سلام مستدام. ومن شأن مثل هذا الاتفاق أن يضعف بدرجة كبيرة أي محاولات إقليمية لاستغلال الأوضاع أو الاعتداء على إيران، ويعزز مكانتها السياسية والأمنية والاقتصادية إقليميًا ودوليًا من خلال توظيف مزاياها الجيوسياسية والجيو-اقتصادية، كما يساهم في تسريع انتقال البلاد نحو مسار التنمية المستدامة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة + خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى