بين السكن والغذاء والثقافة.. كيف فقدت الطبقة الوسطى الإيرانية جزءاً كبيراً من مكتسباتها؟
يتعرض أبناء الطبقة الوسطى في إيران منذ سنوات لضغوط متزايدة بفعل التضخم وارتفاع أسعار الشقق السكنية وتراجع القدرة الشرائية، إلا أن ما يحدث اليوم لم يعد مجرد أزمة اقتصادية.

ميدل ايست نيوز: يتعرض أبناء الطبقة الوسطى في إيران منذ سنوات لضغوط متزايدة بفعل التضخم وارتفاع أسعار الشقق السكنية وتراجع القدرة الشرائية، إلا أن ما يحدث اليوم لم يعد مجرد أزمة اقتصادية. فالعائلات التي كانت يوماً ما المحرك الأساسي للاستهلاك والثقافة والاستقرار الاجتماعي باتت تتخلى تباعاً عن السكن الملائم، والسفر، والترفيه، وشراء الكتب، وارتياد دور السينما، وحتى امتلاك السيارات الخاصة. وهو تحول يتجاوز حدود تقلص موائد الطعام ليحمل تداعيات عميقة على مستقبل المجتمع والسياسة في البلاد.
يقول موقع رويداد 24 الإيراني في تقرير له، إنه كان من السهل قبل عقود التعرف إلى ملامح الطبقة الوسطى الإيرانية من خلال نمط حياتها؛ أسرة قد لا تكون ثرية، لكنها قادرة على شراء منزل أو استئجاره في حي متوسط، وامتلاك سيارة متواضعة، والسفر مرة أو مرتين سنوياً، وشراء الكتب لأبنائها، وقضاء بعض الوقت في السينما أو المسرح أو المطاعم.
أما اليوم، فقد تحولت كثير من هذه المظاهر إلى ذكريات. وتشير التقارير الرسمية إلى تراجع مستمر في القدرة الشرائية للأسر، فيما فرضت الزيادات المتواصلة في أسعار المساكن والسيارات والسلع الاستهلاكية ضغوطاً غير مسبوقة على هذه الشريحة الاجتماعية.
وربما لهذا السبب باتت الدراجات النارية، التي كانت تُستخدم في السابق بشكل أساسي من قبل ذوي الدخل المحدود أو العاملين في المهن الخدمية، خياراً مفضلاً لدى جزء من الطبقة الوسطى. ولا يعكس هذا التحول مجرد تفضيل مرتبط بالازدحام المروري، بل يمثل مؤشراً على التراجع الاقتصادي لأسر لم تعد قادرة على الحفاظ على مستويات المعيشة التي اعتادت عليها.
النزوح من مراكز المدن إلى الأطراف
كان قطاع الإسكان العامل الأبرز في استنزاف الطبقة الوسطى خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفعت أسعار شراء الشقق السكنية بوتيرة تفوق بكثير نمو الدخول، كما بلغت الإيجارات مستويات دفعت كثيراً من الأسر إلى مغادرة أحيائها التقليدية.
وأصبحت عائلات كانت تعيش سابقاً في المناطق الوسطى للمدن مضطرة للانتقال إلى الأحياء الجنوبية أو إلى المدن التابعة والمجاورة. كما اضطرت أسر إيرانية أخرى إلى السكن في منازل أصغر حجماً لتقليل النفقات.
ولا يقتصر هذا التحول على البعد الجغرافي فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية وزيادة أوقات التنقل اليومية وتراجع جودة الحياة وظهور فجوات اجتماعية جديدة. وبذلك لا تتراجع الطبقة الوسطى من حيث الدخل فقط، بل أيضاً من حيث موقعها الحضري ومكانتها الاجتماعية.
موائد تتقلص يوماً بعد يوم
ولم يقتصر تأثير التضخم على قطاع الإسكان وحده، بل امتد إلى الغذاء أيضاً. فقد دفعت الزيادات المستمرة في أسعار المواد الغذائية العديد من الأسر إلى تعديل أنماط استهلاكها، بينما بدأت بعض السلع التي كانت جزءاً طبيعياً من السلة الغذائية تختفي تدريجياً أو يجري تقليص استهلاكها.
وحذر اقتصاديون على مدى سنوات من أن تراجع جودة التغذية يعد من أوائل المؤشرات على انخفاض مستوى الرفاه المعيشي. فعندما لا تواكب الأجور ارتفاع الأسعار، تصبح نوعية الحياة اليومية أولى الضحايا، بدءاً من الغذاء ووصولاً إلى الصحة الجسدية والنفسية لأفراد الأسرة.
تراجع الثقافة والترفيه من الحياة اليومية
لكن الجانب الأبرز من هذه التحولات يتمثل في التغيرات التي لا تظهر عادة في المؤشرات الاقتصادية. فضعف القدرة الشرائية لم يؤدِ فقط إلى الاستغناء عن السلع المادية، بل أبعد أيضاً كثيراً من الأنشطة الثقافية والاجتماعية عن متناول الطبقة الوسطى.
وأصبح شراء الكتب، وارتياد دور السينما والمسارح، وحضور الحفلات الموسيقية، والجلوس في المقاهي، والرحلات العائلية، وحتى تناول الطعام في المطاعم، من النفقات التي يمكن الاستغناء عنها بالنسبة لقطاع واسع من المجتمع، وغالباً ما تكون أول البنود التي تُحذف في أوقات الضيق الاقتصادي.
ونتيجة لذلك، تقضي الأسر وقتاً أطول داخل المنازل، بينما يبدو نمط حياتها أكثر فقراً مقارنة بالماضي. هذا الفقر لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد ليشمل البعدين الثقافي والاجتماعي أيضاً.
ناقوس خطر للمجتمع والسياسة
لا يُعد تراجع إنفاق الطبقة الوسطى قضية اقتصادية فحسب. ففي كثير من الدول تُعتبر هذه الطبقة إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعي والسياسي، نظراً لأنها الشريحة الأكثر ارتباطاً بالأمل في المستقبل والمشاركة الاقتصادية والاهتمام بالتعليم والحفاظ على النظام والاستقرار.
وقد يؤدي تقلص حجم الطبقة الوسطى واقتراب شرائح واسعة منها من الفئات ذات الدخل المنخفض إلى تداعيات واسعة، تتراوح بين تنامي السخط الاجتماعي وتراجع المشاركة الثقافية والمدنية.
ويرى خبراء أن المجتمعات التي تضعف فيها الطبقة الوسطى تصبح أكثر عرضة لاتساع الفجوات الاجتماعية وتراجع رأس المال الاجتماعي وتنامي مشاعر انعدام الثقة. وبمعنى آخر، فإن القضية لا تتعلق فقط بتفاقم صعوبات الحياة بالنسبة لملايين الأسر، بل بإضعاف إحدى أهم ركائز الاستقرار والتنمية في البلاد.
طبقة تتلاشى تدريجياً
قد يبدو ازدياد الاعتماد على الدراجات النارية، والانتقال إلى أطراف المدن، والاستغناء عن السفر، وتقلص موائد الطعام، والتخلي عن الأنشطة الثقافية، تغيرات منفصلة وعادية عند النظر إلى كل منها على حدة. لكن اجتماع هذه المؤشرات يرسم صورة واضحة عن واقع الطبقة الوسطى في إيران اليوم.
فهذه الطبقة التي كانت تمثل رمزاً للرفاه النسبي والأمل بالمستقبل أصبحت منشغلة أكثر من أي وقت مضى بتأمين الاحتياجات الأساسية للحياة.
ويبقى السؤال المطروح: إذا استمر هذا المسار، فما الذي سيتبقى من الطبقة الوسطى، تلك الشريحة التي أدت لسنوات دور صمام الأمان الاقتصادي وأحد أهم ضمانات الاستقرار الاجتماعي؟



