الصحافة الإيرانية: هل تستطيع طهران تحويل التراجع الأمريكي إلى مكسب استراتيجي؟

ويرتبط مستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن بتطورات الأيام المقبلة، وهي أيام يجب أن تجد فيها الدبلوماسية، تحت ظل التهديدات، طريقًا للحفاظ على السلام.

ميدل ايست نيوز: شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة واحدة من أكثر الفترات توترًا في تاريخها المعاصر، وهي أيام خيّم فيها شبح حرب شاملة على منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية أكثر من أي وقت مضى. لكن في اللحظات التي كان العالم ينتظر فيها بدء الموجة الأولى من الهجمات، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تحول مفاجئ، عن إلغاء أمر الهجوم.

يقول طهمورث كيلاني، الخبير في الشؤون السياسية، في مقال لصحیفة توسعه إيراني، إن أثار هذا القرار، الذي قال ترامب إنه جاء نتيجة طلبات دبلوماسية ووساطات إقليمية، يطرح سؤالًا أساسيًا أمام المراقبين: هل نحن أمام تراجع تكتيكي أم أن هناك إرادة حقيقية للعودة إلى طاولة المفاوضات؟ وفي الوقت الذي تتحدث فيه مصادر الوساطة في باكستان وقطر عن “تفاؤل حذر”، تتزايد داخل إيران أيضًا دعوات المحللين إلى استثمار هذه “الفرصة الذهبية” قبل أن تفقد أوراق استراتيجية مثل السيطرة على مضيق هرمز فعاليتها.

عندما منعت الرياض الحرب

يتمثل أحد أكثر جوانب الأزمة الأخيرة إثارة للدهشة في دور الدول العربية في إلغاء أمر ترامب بشن الهجوم. ووفقًا لتقارير نقلتها مصادر عن مسؤولين أمريكيين، كتب موقع أكسيوس أن “محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، أعرب خلال اتصال هاتفي مع الرئيس ترامب عن قلقه البالغ من احتمال شن الولايات المتحدة هجمات واسعة على أهداف الطاقة في إيران”.

ولم يكن سبب هذا الموقف السعودي التعاطف مع طهران، بل الخوف من انهيار اقتصادي في المنطقة. فقد هددت إيران بالرد على أي هجوم عبر استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج.

السلام فرصة لا ينبغي إهدارها

تشهد الساحة الداخلية الإيرانية نقاشًا واسعًا حول كيفية التعامل مع هذا الوضع. ويرى العديد من المحللين أنه لا ينبغي السماح بإغلاق هذه النافذة الدبلوماسية. وكتب الصحفي أحمد زيد آبادي محذرًا: “إذا كان من المقرر حل النزاع عبر المفاوضات والاتفاق بين الطرفين، فإن الوقت المناسب هو الآن. وإذا ضاعت هذه الفرصة لأي سبب، وتم استهداف منشآت الطاقة الإيرانية فعليًا، وردت إيران في المقابل باستهداف منشآت الطاقة في المنطقة، فلن يبقى أي شيء بعد ذلك كما كان. سنعيش نوعًا من الحياة التي تُصوَّر في أفلام الرعب”.

وتكمن النقطة الأساسية في أن إيران تمتلك حاليًا أوراق قوة مهمة. فما يسمى بـ”ورقة هرمز” لا تزال تحتفظ بفعاليتها، وقد ألقت بظلالها على أسواق النفط العالمية.وفي المقابل، فإن المجتمع الإيراني، رغم تحمله ظروفًا صعبة ومتزايدة الضغوط، يؤيد اتفاقًا يؤدي إلى انفراج اقتصادي وإنهاء أجواء الحرب.

وكتبت صحيفة جمهوري إسلامي بهذا الشأن: “عموم الشعب والحكومة والقوات المسلحة يريدون سلامًا مشرفًا، ويقفون بحزم لإجبار العدو على إنهاء عدوانه. وأكبر حيلة للعدو هي أن يجعلنا نغتر بالقوة العسكرية ونغفل عن التفاهم والانسجام الوطني”.

ويقوم هذا الطرح على أن دعم الحكومة في المسار الدبلوماسي لا يقل أهمية عن تعزيز القوات العسكرية في الميدان لضمان المصالح الوطنية.

قيود الجيش الأمريكي

ورغم أن ترامب يتحدث عن “فضله” في وقف الهجوم، فإن التقارير الفنية تشير إلى أن الجيش الأمريكي كان يواجه أيضًا قيودًا كبيرة. وكشف المحلل العسكري في شبكة سي إن إن براد لاندون أن مخزونات صواريخ الاعتراض التابعة لمنظومات باتريوت الأمريكية شهدت انخفاضًا حادًا.

ويرى تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، أن “ترامب لا يمتلك مسارًا قائمًا على تصعيد التوتر للخروج من هذا الصراع. والسعوديون ليسوا متأكدين من أن الولايات المتحدة تمتلك استراتيجية عسكرية قادرة على تحقيق الانتصار”.

ويمنح هذا الجمود العسكري أفضل فرصة أمام الدبلوماسية الإيرانية للاستفادة من الردع الذي تم إنشاؤه، والحصول على التنازلات المطلوبة في أي مفاوضات محتملة.

بانتظار العودة إلى إسلام آباد

يبدو شرط إنهاء هذه الأزمة بشكل نهائي من وجهة نظر طهران واضحًا: عودة الولايات المتحدة بشكل كامل إلى التزاماتها في “مذكرة تفاهم إسلام آباد”. وتتضمن هذه المذكرة الإفراج عن الأصول المجمدة، ورفع القيود المفروضة على صادرات النفط، وإنهاء الحصار البحري، وهي خارطة الطريق الوحيدة القادرة على إعادة السلام إلى المنطقة.

لم تكن إيران الطرف الذي بدأ الحرب، كما أنها لا تريد توسيع نطاقها. لكن كما أكد كبار المسؤولين، فإن أساس أي اتفاق يجب أن يكون التنفيذ الكامل وغير المعدل لجميع البنود الـ14 لمذكرة تفاهم إسلام آباد.

وفي ظل إجراء الوسطاء القطريين والباكستانيين والعمانيين مشاورات مكثفة، يبقى السؤال ما إذا كانت واشنطن وطهران قادرتين على قبول الحقائق الجديدة في المنطقة أم لا. ويرتبط مستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن بتطورات الأيام المقبلة، وهي أيام يجب أن تجد فيها الدبلوماسية، تحت ظل التهديدات، طريقًا للحفاظ على السلام.

وإذا ضاعت هذه الفرصة، فكما حذر المحللون، سيدخل الشرق الأوسط مرحلة “لن يكون فيها أي شيء كما كان من قبل”.

وتشير تقارير واردة من الأوساط الدبلوماسية إلى أن الحكومة الأمريكية أصبحت على اطلاع كامل، عبر سلطنة عمان، على مقترحات إيران بشأن إدارة مضيق هرمز. كما أن ادعاء ترامب بأن تهديداته دفعت إيران إلى التراجع لا يتوافق مع الحقائق الزمنية. بل إن الضغوط الدولية والجمود العسكري الذي واجهته واشنطن هما اللذان دفعا ترامب إلى التراجع.

والآن، حان الوقت أمام الجهاز الدبلوماسي لاستثمار هذا التراجع بحكمة وتحويله إلى مكسب وطني مستدام؛ فرفع الشعارات ومواصلة الصراع لا يوفران للشعب طعامًا ولا لباسًا.

اقرأ ايضا

الصحافة الإيرانية: السياسة الخارجية بين تشدد الداخل وضغوط الإقليم

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى