هل فقدت إيران حقاً نصف بحر قزوين؟ الرد القانوني على أبرز 3 شائعات حول اتفاقية أكتاو

أرسلت الحكومة الإيرانية مشروع قانون "اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين" بصفة الاستعجال إلى مجلس الشورى الإسلامي، ليُحسم المصير القانوني لهذه الوثيقة الشاملة.

ميدل ايست نيوز: أرسلت الحكومة الإيرانية مشروع قانون “اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين” بصفة الاستعجال إلى مجلس الشورى الإسلامي، ليُحسم المصير القانوني لهذه الوثيقة الشاملة تحت قبة البرلمان بعد مرور 8 سنوات على توقيعها في 12 أغسطس 2018 (مدينة أكتاو، كازاخستان). تُعرف هذه الوثيقة، التي جاءت ثمرة 21 عاماً من الدبلوماسية المكثفة، و52 اجتماعاً للخبراء، و10 اجتماعات لوزراء الخارجية، و5 مؤتمرات قمة، بـ “الدستور الجديد لبحر قزوين”.

وحسب تقرير لموقع “خبر أنلاين” الإيرانية، أثار إرسال هذا المشروع في ظل الظروف الإقليمية الخاصة الحالية تساؤلات، وغموضاً، وبعض المفاهيم الخاطئة لدى الرأي العام؛ بدءاً من ادعاء “حصة الـ 50%”، مروراً بالمخاوف بشأن “خط أستارا-حسينقلي”، وصولاً إلى أسباب الاستعجال في إقرارها من الناحية الأمنية. يستعرض هذا التقرير كافة أبعاد هذه الاتفاقية بشكل مفصل، وموثق، وشامل.

لماذا لم تعد معاهدتا 1921 و1940 كافيتين؟

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وتوسع نطاق الدول المطلة على بحر قزوين من دولتين إلى 5 دول (إيران، روسيا، كازاخستان، أذربيجان، وتركمانستان)، فقد النظام القانوني السابق فاعليته بشكل كامل.

كانت المعاهدات السابقة، وتحديداً “معاهدة الصداقة لعام 1921” (26 مادة) و”اتفاقية التجارة والملاحة لعام 1940″ (16 مادة)، تعتمد على مبدأين أساسيين فقط:

  • حرية الملاحة المشتركة للسفن الإيرانية والسوفيتية.

  • تحديد منطقة حصرية بعرض 10 أميال من الساحل مخصصة للصيد.

الواقع التاريخي: لم تتضمن معاهدتا 1921 و1940 أي إشارة إلى ترسيم الحدود، أو تقسيم المسطح المائي، أو قاع البحر وما تحته (حيث تتركز موارد النفط والغاز). في تلك الحقبة، كان الاتحاد السوفيتي يملي شروطه كقوة عظمى، لدرجة أن الصيادين الإيرانيين لم يكن يُسمح لهم بتجاوز نطاق الـ 10 أميال المخصصة لهم. ومع انهيار السوفييت، بات وضع نظام قانوني جديد ضرورة حتمية لمنع التوترات بين دول الجوار.

لماذا أُرسلت اللائحة للبرلمان في ظل الظروف الحساسة الحالية؟

يُعد هذا التساؤل من أبرز ما يشغل الرأي العام. وتكمن الإجابة في عاملين رئيسيين: التوقيت الدبلوماسي، والأمن القومي:

  1. دخول الوثيقة حيز التنفيذ (بعد 8 سنوات): إيران هي الدولة الوحيدة من بين الدول الخمس الساحلية التي لم تصادق على هذه الوثيقة في برلمانها حتى الآن. ووفقاً للقواعد، لا يمكن أن تدخل هذه الاتفاقية مرحلة التنفيذ الرسمي إلا بعد مصادقة البرلمان الإيراني عليها.

  2. بناء “درع دفاعي” ضد التهديدات الخارجية: أثبتت التطورات والاعتداءات العسكرية في السنوات الأخيرة الحاجة الماسة لتعزيز أمن الحدود الشمالية. وتنص اتفاقية أكتاو صراحةً على حظر أي تواجد عسكري أجنبي في بحر قزوين.

البنود الأمنية الرئيسية في الاتفاقية (المادة 3):

  • البند 3 (حصرية الملاحة): تقتصر الملاحة في بحر قزوين حصرياً على السفن التي ترفع علم إحدى الدول الخمس المطلة عليه.

  • البند 6 (الحظر المطلق للقوات الأجنبية): يُحظر قانوناً تواجد أي قوات مسلحة تابعة لدول غير ساحلية (بما في ذلك الولايات المتحدة، حلف الناتو، أو الكيان الصهيوني) في بحر قزوين.

  • البند 7 (منع استخدام أراضي الجوار للاعتداء): لا يحق لأي دولة ساحلية وضع أراضيها تحت تصرف دولة ثالثة للقيام بأي عدوان أو عمليات عسكرية/تجسسية (بما في ذلك تحليق الطائرات المسيرة أو إنشاء قواعد) ضد دولة ساحلية أخرى.

الهيكلية القانونية للمسطح المائي في اتفاقية أكتاو

تُعد اتفاقية أكتاو “اتفاقية إطارية” (Framework Convention) تتألف من 24 مادة، وتُقسِّم المسطح المائي إلى النطاقات التالية:

  • المياه الإقليمية: تمتد بعرض 15 ميلاً بحرياً (حوالي 28 كيلومتراً) من خط الأساس، وتخضع للسيادة المطلقة للدولة.

  • المنطقة الحصرية للصيد: تمتد لمسافة 10 أميال بحرية ملاصقة للمياه الإقليمية (ليصبح إجمالي منطقة الصيد الحصرية 25 ميلاً).

  • المسطح المشترك: ما تبقى من مساحة المياه السطحية، وهو مخصص للملاحة الحرة لسفن الدول الخمس.

  • قاع البحر وما تحته (الجرف القاري): تم فصل الموارد النفطية والمعدنية الموجودة تحت قاع البحر تماماً عن المياه السطحية، وأُحيل مسألة ترسيم حدودها إلى اتفاقيات ثنائية وثلاثية لاحقة.

الرد الموثق على 3 مفاهيم خاطئة وشائعات عامة

المفهوم الخاطئ الأول: “ضياع حصة الـ 50% الخاصة بإيران!”

الرد القانوني: لا يوجد أي سند قانوني في تاريخ المعاهدات يثبت ادعاء امتلاك إيران لحصة 50%. لم يُذكر مصطلح “حصة 50%” أو تقسيم بالمناصفة في أي مادة من معاهدتي 1921 و1940. كلمة “مشاع” الواردة في تلك المعاهدات كانت تعني حق الاستخدام المشترك للمياه السطحية لأغراض الملاحة، وليس تقسيم قاع البحر مناصفة. فقبل عام 1991، كان الساحل السوفيتي يمتد لأكثر من 7 آلاف كيلومتر، بينما لم يتجاوز الساحل الإيراني ألف كيلومتر، مما ينفي وجود أي تساوٍ جغرافي في حصص القاع.

المفهوم الخاطئ الثاني: “قبول خط أستارا-حسينقلي كحدود لإيران!”

الرد القانوني: هذا الخط الوهمي فرضه الاتحاد السوفيتي من جانب واحد في الستينيات، وكان يُستخدم فقط لتحديد نطاق معلومات الطيران (FIR) والإجراءات الأمنية السوفيتية الداخلية. وقد اعترضت كافة الحكومات الإيرانية (قبل وبعد الثورة) رسمياً على هذا الخط. وبفضل الدبلوماسية الإيرانية الفاعلة في اتفاقية أكتاو، تم حذف البند المتعلق بقبول “الممارسات التاريخية” (والذي حاولت الدول الشمالية إدراجه) بالكامل، لكي لا يكتسب هذا الخط أي شرعية قانونية.

المفهوم الخاطئ الثالث: “الاتفاقية حددت حصة إيران بـ 11% أو 13%!”

الرد القانوني: لم تحدد اتفاقية أكتاو أي أرقام، أو نسب مئوية، أو خطوط حدودية لقاع بحر قزوين. الأرقام المتداولة هي مجرد حسابات رياضية مبنية على الأطوال الطبيعية للسواحل. وبينما حسمت الدول الأربع (روسيا، كازاخستان، أذربيجان، وتركمانستان) تقسيم قاع القطاع الشمالي عبر اتفاقيات ثنائية، فإن ترسيم حدود القاع في الجزء الجنوبي لا يزال معلقاً، ويخضع حصرياً لمفاوضات واتفاقيات ثنائية وثلاثية مستقلة مستقبلاً بين إيران، وأذربيجان، وتركمانستان.

تثبيت “مبدأ الإنصاف” وتحديد خطوط الأساس

يُعتبر التغلب على التحدي الجغرافي لسواحل إيران من أهم الإنجازات الدبلوماسية في هذه الاتفاقية:

  • تحدي الساحل الإيراني: تتميز سواحل الدول الشمالية بوجود تعرجات، وخلجان، وجزر، بينما الساحل الإيراني مقعر (متراجع للداخل) وأملس. ووفقاً للقواعد التقليدية للقانون الدولي للبحار، فإن الساحل المقعر يقلص بشدة من مساحة المياه الإقليمية وحصة الدولة من قاع البحر.

  • الحل القانوني الإيراني (المادة 1 – البند 4): نجح الدبلوماسيون الإيرانيون في إدراج “مبادئ الإنصاف” (Equitable Principles) في نص الاتفاقية، حيث ينص البند على:

    “إذا كان شكل ساحل إحدى الدول الساحلية يضعها بوضوح في موقف غير مؤاتٍ عند تحديد مياهها الداخلية، فسيتم أخذ هذه الحالة في الاعتبار عند رسم خطوط الأساس المباشرة.”

المعنى العملي لهذا البند: يُعد هذا البند اعترافاً رسمياً بأن الساحل الإيراني يعاني من وضع “غير مؤاتٍ”، ويجب تعويضه استثنائياً عند رسم خط الأساس بناءً على مبدأ الإنصاف. علاوة على ذلك، تم ربط التحديد النهائي لخط الأساس بإبرام “اتفاقية خماسية مستقلة”، مما يعني أن المصادقة الحالية لا تلزم إيران بأي خط أساس إجباري.

السمات الرئيسية للاتفاقية (خلاصة)

  • طبيعة المعاهدة: اتفاقية أكتاو هي معاهدة إطارية وأمنية، وليست وثيقة نهائية لترسيم حدود قاع البحر وما تحته.

  • استخراج النفط: طالما لم يتم ترسيم حدود قاع البحر في القطاع الجنوبي، لا يحق لأي دولة التعدي على الموارد في المناطق المتنازع عليها مع إيران.

  • الأمن القومي: يُحظر تماماً تواجد أي قوات عسكرية، أو قواعد، أو قطع بحرية تابعة لدول من خارج إقليم بحر قزوين.

  • القوة الدبلوماسية: مصادقة البرلمان على هذه الوثيقة ستمنح إيران الأداة القانونية واليد العليا في المفاوضات المستقبلية الخاصة بتحديد خطوط الأساس.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 + 8 =

زر الذهاب إلى الأعلى