الأحجار الكريمة في العراق… حكايات تُنقش بالعقيق والفيروز
هذه المهنة تتجاوز حدود التجارة، إذ تمثل إرثاً عائلياً ارتبط بتاريخ العراق وموقعه في حركة تجارة الأحجار الكريمة بالمنطقة.

ميدل ايست نيوز: في العراق، لا تزال الأحجار الكريمة تحتفظ بمكانتها رغم تغير الأزمنة وتبدل أنماط الحياة. فهذه الأحجار التي تتنوع ألوانها وأشكالها، تحوّلت إلى جزء من ذاكرة اجتماعية وثقافية ارتبطت بالعادات والمناسبات والرموز الشعبية المتوارثة.
وبينما تتبدل الموضة وتظهر أشكال جديدة من الحلي، تبقى الخواتم المرصعة بالعقيق والفيروز، والقلائد، والأساور، والمسابح المصنوعة من الأحجار الطبيعية حاضرة في الأسواق العراقية، شاهدة على علاقة قديمة بين الإنسان وهذه الأحجار التي حملت عبر السنين معاني تتجاوز قيمتها المادية.
يرى تاجر الأحجار الكريمة، علي الموسوي، أن هذه المهنة تتجاوز حدود التجارة، إذ تمثل بالنسبة إليه إرثاً عائلياً ارتبط بتاريخ العراق وموقعه في حركة تجارة الأحجار الكريمة بالمنطقة.
يقول الموسوي: “نشأت بين صناديق الأحجار قبل أن أتعلم القراءة والكتابة. كان والدي وجدّي يعملان في هذه المهنة، ومنهما تعلّمت أسرارها، بدءاً من التمييز بين الحجر الطبيعي والصناعي، وصولاً إلى معرفة جودة العقيق والفيروز من خلال اللون والنقاء والتكوين”.
يضيف: “دفعتني هذه المهنة إلى السفر نحو بلدان عدة، منها اليمن وإيران وتركيا والإمارات والهند وتايلاند وسريلانكا، وهي من أبرز مراكز صقل الأحجار الكريمة والاتجار بها في العالم. يملك العراق سوقاً مهمة لهذه التجارة بسبب موقعه الجغرافي، ووجود المدن الدينية التي تستقبل ملايين الزوار سنوياً، فضلاً عن ارتباط بعض الأحجار بالتراث المحلي، وفي مقدمتها درّ النجف الذي اكتسب شهرة واسعة داخل العراق وخارجه”.
تنوع الأحجار الكريمة وزبائنها
يشير الموسوي إلى أن العقيق اليماني، ودرّ النجف، والفيروز، والكهرمان، والياقوت، والزمرد، والعقيق السليماني، تأتي في مقدمة الأحجار الأكثر طلباً بين الزبائن. ولا تقتصر تجارة الأحجار الكريمة على المحال المتخصصة، إذ ما زالت الأسواق الشعبية والأرصفة تحتفظ بحضور هذه المهنة القديمة.
وفي مدينة الكاظمية شمالي بغداد، يجلس مصطفى النعيمي خلف صندوق خشبي صغير في أحد الأسواق المزدحمة، وقد رتّب داخله عشرات الأحجار الملونة، إلى جانب الخواتم والمسابح والقلائد التي تجذب المارة.
يقول النعيمي إنه يعمل في بيع الأحجار الكريمة منذ نحو أربعين عاماً، بعدما بدأ مساعداً لوالده قبل أن تصبح المهنة مصدر رزقه الأساسي. ويوضح أن السوق تغيرت خلال العقود الماضية، لكن الأحجار الأكثر شهرة حافظت على مكانتها. ويتابع: “نبيع العقيق اليماني، ودرّ النجف، والفيروز، والكهرمان، والعقيق السليماني، والياقوت، والزمرد، والمرجان، وحجر عين النمر، والهيماتيت، وغيرها من الأنواع. وتختلف الأسعار بحسب مصدر الحجر وجودته ودرجة نقائه”.
أما فلاح هادي، الذي يعمل في بيع الأحجار والمسابح والخواتم، فيلفت إلى تنوع زبائنه، موضحاً أن الرجال يقبلون غالباً على الخواتم الفضية والمسابح، خصوصاً المصنوعة من حجر الكهرب (الكهرمان)، بينما تفضّل النساء القلائد والأساور المرصعة بالأحجار الطبيعية. ويضيف أن دوافع الشراء تختلف بين الزبائن؛ فبعضهم يقتني الأحجار للاستخدام الشخصي، بينما يشتريها آخرون هدايا، ولا سيما الزوار الآتين من خارج العراق.
ويطرح استمرار حضور هذه التجارة سؤالاً حول سر بقاء الأحجار الكريمة جزءاً من الحياة اليومية العراقية رغم تغير الأذواق. ويرى الباحث التراثي، ستار البغدادي، أن الإجابة ترتبط بعلاقة طويلة بين المجتمع العراقي وموروثه الشعبي. يقول البغدادي إن الأحجار الكريمة تمثل جزءاً من الذاكرة الاجتماعية العراقية، موضحاً أن اقتناء الخواتم والقلائد والأساور والمسابح المصنوعة من الأحجار الطبيعية أصبح عادة متوارثة، وحاضرة في المناسبات الاجتماعية والدينية، وانتقلت بين الأجيال بوصفها جزءاً من الإرث العائلي.
هل من مستقبل للأحجار الكريمة؟
يشير إلى أن بعض الأحجار ارتبطت بمعتقدات شعبية متوارثة، إذ يفضّل بعض الأشخاص ارتداء حجر معيّن أو الاحتفاظ به اعتقاداً بقدرته على جلب الحظ أو الرزق أو الحماية. ويؤكد أن هذه التصورات تمثل جانباً من التراث غير المادي، رغم عدم وجود أدلة علمية تثبت الخصائص التي تنسبها المعتقدات الشعبية إلى تلك الأحجار.
يلفت البغدادي إلى أن المدن الدينية، مثل النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، تشكل مراكز رئيسية لهذه التجارة، بسبب حركة الزوار الكبيرة التي جعلت أسواق الأحجار الكريمة جزءاً من النشاط الاقتصادي والسياحي فيها، وساعدت على استمرار المهنة وتوارثها بين العائلات.
ويرى البغدادي أن مستقبل هذه التجارة مرتبط بقدرتها على الحفاظ على خصوصيتها الثقافية إلى جانب دورها الاقتصادي، قائلاً إن الأحجار الكريمة لم تعد مجرد مقتنيات للزينة، وإنما أصبحت رمزاً لذاكرة اجتماعية وثقافية تتجدد مع كل جيل، وتجمع بين الحرفة والتاريخ والموروث الشعبي.



