إلى أين يتجه الاقتصاد الإيراني مع انتقال الوظائف من الصناعة إلى الخدمات؟
أكد خبير اقتصادي أن ارتفاع حصة قطاع الخدمات في الاقتصاد الإيراني لا يمكن اعتباره مؤشرًا على التنمية إلا إذا جاء نتيجة نمو الخدمات الإنتاجية والمرتكزة على التكنولوجيا.

ميدل ايست نيوز: قال خبير في الشؤون الاقتصادية إن بيانات سوق العمل الإيراني تظهر أن عدد العاملين في القطاع الصناعي انخفض بنحو 629 ألف شخص خلال ربيع عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، في حين ارتفعت حصة قطاع الخدمات من إجمالي العمالة. وطرح تساؤلًا حول ما إذا كان هذا التحول في توزيع القوى العاملة يمثل جزءًا طبيعيًا من مسار التنمية الاقتصادية، أم أنه يعكس تراجعًا تدريجيًا في القدرات الصناعية للبلاد.
وأوضح مجتبى راعي، في تصريحات نشرتها صحيفة شرق، أن تجارب الدول المتقدمة تشير إلى أن مسار التنمية الاقتصادية يبدأ عادة بانتقال اليد العاملة من القطاع الزراعي إلى القطاع الصناعي، ثم يتجه، بعد بناء قاعدة صناعية قوية، نحو تطوير قطاع الخدمات المتقدمة والاقتصاد التكنولوجي.
وأضاف أن الصناعة في هذا المسار لا تمثل مجرد قطاع اقتصادي، بل تشكل المحرك الأساسي لإنتاج القيمة المضافة، ورفع الإنتاجية، وتطوير التكنولوجيا، وبناء سلاسل اقتصادية واسعة. ولهذا السبب يرى اقتصاديون، مثل نيكولاس كالدور، أن القطاع الصناعي، ولا سيما الصناعات التحويلية، يمثل محرك النمو الاقتصادي طويل الأجل، نظرًا لدوره في تعزيز التعلم التكنولوجي، ورفع مهارات القوى العاملة، والاستفادة من وفورات الحجم، وتعزيز الروابط مع مختلف قطاعات الاقتصاد. كما يعتبر داني رودريك أن التنمية الصناعية من أهم المسارات التي تتيح للدول النامية التقارب مع الاقتصادات المتقدمة.
وأشار إلى أن أهمية الصناعة لا تقتصر على عدد العاملين فيها، إذ إن كل فرصة عمل صناعية ترتبط بمجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، تشمل سلاسل التوريد، والنقل، والخدمات المالية، والهندسة، والبحث والتطوير، والصادرات وغيرها، ما يجعل آثارها الاقتصادية تتجاوز بكثير الوظيفة المباشرة. ولذلك فإن تراجع العمالة الصناعية قد يعني انخفاض قدرة الاقتصاد على إنتاج القيمة المضافة في مختلف قطاعاته.
وأكد الخبير في الشؤون الاقتصادية أن ارتفاع مساهمة قطاع الخدمات في الاقتصاد لا يعد بحد ذاته ظاهرة سلبية، إذ إن العديد من الاقتصادات المتقدمة تعتمد اليوم على الخدمات في توفير الجزء الأكبر من فرص العمل، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في أن هذه الخدمات نشأت على أساس قاعدة صناعية قوية. فخدمات تكنولوجيا المعلومات، والخدمات المالية، والهندسة، والخدمات اللوجستية المتقدمة، والأنشطة التكنولوجية، جميعها تطورت إلى جانب قطاع إنتاجي يتمتع بقدرة تنافسية.
أما في إيران، فأوضح راعي أن نسبة كبيرة من الوظائف التي استحدثها قطاع الخدمات خلال السنوات الأخيرة تركزت في أنشطة منخفضة الإنتاجية وغير رسمية ومحلية، مثل تجارة التجزئة التقليدية، وخدمات النقل كسيارات الأجرة عبر التطبيقات الذكية، وأعمال الوساطة، والخدمات الشخصية، وهي أنشطة توفر مصادر دخل للأسر الإيرانية، لكنها تمتلك قدرة محدودة على رفع الإنتاجية وتحقيق النمو الاقتصادي طويل الأمد.
وأضاف أن ارتفاع حصة قطاع الخدمات لا يمكن اعتباره مؤشرًا على التنمية إلا إذا جاء نتيجة نمو الخدمات الإنتاجية والمرتكزة على التكنولوجيا، أما إذا ترافق مع تراجع القطاع الصناعي واستبداله بخدمات منخفضة الكفاءة، فقد يواجه الاقتصاد ما يعرف في أدبيات التنمية بـ”إزالة التصنيع المبكرة”، وهي الحالة التي يبتعد فيها الاقتصاد عن مسار التصنيع قبل بلوغه مرحلة النضج الصناعي، ما يؤدي إلى فقدان فرص النمو على المدى الطويل.
وأشار إلى أن هذه القضية تكتسب أهمية مضاعفة بالنسبة لإيران، لأن هيكل العقوبات الاقتصادية المفروضة خلال السنوات الماضية أظهر أن الصناعات المولدة لفرص العمل كانت دائمًا من أبرز أهداف الضغوط الخارجية.
وأوضح أن ريتشارد نفيو، أحد أبرز مهندسي نظام العقوبات الأمريكية على إيران، ذكر في كتابه “فن العقوبات” أن أحد أساليب العقوبات الأكثر فاعلية، في ظل التركيبة السكانية الشابة لإيران، يتمثل في استهداف القطاعات التي توفر أعدادًا كبيرة من الوظائف الصناعية، بما يؤدي إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على المجتمع.
وأضاف أن صناعات مثل السيارات والأجهزة المنزلية، التي تمتلك سلاسل قيمة واسعة وتوفر فرص عمل كبيرة، واجهت خلال السنوات الماضية قيودًا شديدة، بدءًا من انسحاب العلامات التجارية الأجنبية، وصولًا إلى تعقيد التعاون الدولي وصعوبة الحصول على التكنولوجيا.
وأكد أنه في ظل مواجهة الاقتصاد الإيراني للعقوبات، وحالة عدم اليقين، والقيود على النقد الأجنبي، والضغوط الناجمة عن ظروف الحرب، أصبحت أهمية الحفاظ على القدرات الصناعية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
وأضاف أن دعم القطاع الصناعي في هذه الظروف لا يمثل مجرد سياسة اقتصادية، بل يعد جزءًا من استراتيجية تعزيز الصمود الاقتصادي والأمن القومي، مشيرًا إلى ضرورة تصميم السياسات التجارية، والنقدية، والمالية، والصناعية بما يضمن دعم الصناعات الإنتاجية، والمولدة لفرص العمل، والمرتكزة على سلاسل قيمة محلية.
واختتم الخبير الإيراني بالقول إن انخفاض العمالة الصناعية قد يبدو للوهلة الأولى مجرد رقم في تقارير سوق العمل، لكنه في الواقع قد يكون مؤشرًا على تحول في مسار الاقتصاد، محذرًا من أن التوجه نحو الخدمات منخفضة الإنتاجية ستكون كلفته خلال السنوات المقبلة واضحة، ليس فقط في تراجع الإنتاج، بل أيضًا في انخفاض الإنتاجية، وتراجع دخول الأسر الإيرانيين، وإضعاف القدرة التنافسية للاقتصاد الإيراني.



