لماذا فقد سوق العقارات التركي جاذبيته لدى الإيرانيين؟
تشير البيانات المتاحة إلى أن سوق العقارات التركية في الظروف الحالية لم يعد الوجهة الجذابة نفسها لرأس المال الإيراني كما كان بين عامي 2018 و2021.

ميدل ايست نيوز: تُظهر الإحصاءات الرسمية التركية أن موجة شراء الإيرانيين للعقارات في هذا البلد، التي بلغت ذروتها عند 10 آلاف شقة عام 2021، تراجعت بشدة خلال السنوات الأخيرة، ووصلت في عام 2026 إلى أدنى مستوياتها منذ عدة سنوات.
تقول صحيفة دنياي اقتصاد، إن شراء الإيرانيين للمنازل في تركيا كان قد تحول خلال السنوات الماضية إلى أحد أهم مسارات خروج رؤوس الأموال من إيران، إلا أنه شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. وتُظهر مراجعة بيانات معهد الإحصاء التركي أنه، خلافاً لبعض الروايات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حول عودة الانتعاش إلى سوق شراء العقارات من جانب الإيرانيين في تركيا، لا تشير البيانات الرسمية إلى وجود مثل هذا التعافي المستدام.
وبحسب هذه البيانات، اشترى الإيرانيون في الأشهر المنقضية من عام 2026 ما متوسطه 141 شقة سكنية شهرياً في تركيا، وهو رقم يقل بنسبة 19% عن متوسط المشتريات في عام 2025. وكان عام 2025 أيضاً من أضعف الأعوام من حيث عدد الوحدات التي اشتراها الإيرانيون، إذ تراجع حجم المشتريات فيه إلى أدنى مستوى منذ عام 2018.
وعلى الرغم من ارتفاع عدد المساكن التي اشتراها الإيرانيون في يوليو/تموز 2026 إلى 189 شقة، فإن هذا الارتفاع لم يستمر في الشهر التالي، إذ عاد عدد المعاملات في أغسطس/آب إلى نحو 140 شقة. وبالتالي، لا يمكن اعتبار الارتفاع المؤقت في عدد المعاملات خلال شهر واحد مؤشراً على عودة موجة شراء الإيرانيين إلى سوق العقارات التركية.
من ذروة 10 آلاف شقة إلى التراجع الحاد في المشتريات
تسارعت وتيرة شراء الإيرانيين للعقارات في تركيا اعتباراً من عام 2018، وهي الفترة التي تزامنت فيها التحولات الاقتصادية في إيران وتركيا، ما زاد من حافز الاستثمار في سوق العقارات التركية.
في إيران، تزامن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 مع قفزة في سعر الصرف وارتفاع حالة عدم اليقين الاقتصادي. وفي تركيا أيضاً، أدت السياسات الاقتصادية وارتفاع التضخم وتراجع قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية إلى خلق ظروف مختلفة في أسواق الأصول.
وفي ظل هذه الظروف، تحول شراء العقارات في تركيا بالنسبة إلى شريحة من المستثمرين الإيرانيين إلى وسيلة لنقل الأصول إلى خارج البلاد والتحوط من مخاطر انخفاض قيمة العملة. وفي العام نفسه، اشترى الإيرانيون نحو 3900 عقار سكني في تركيا، وهو رقم يعادل نحو أربعة أضعاف ما سجلوه في العام السابق.
واستمر هذا الاتجاه في السنوات التالية، ليبلغ ذروته التاريخية عام 2021. ففي ذلك العام، وصل عدد الوحدات السكنية التي اشتراها الإيرانيون في تركيا إلى نحو 10 آلاف وحدة.
إلا أن هذا الاتجاه دخل مساراً هبوطياً اعتباراً من عام 2022.
لماذا تراجع شراء الإيرانيين للعقارات في تركيا؟
كان أحد العوامل المهمة وراء هذا التغيير هو التحولات الاقتصادية في تركيا. فمعدل التضخم في البلاد، الذي كان أقل من 20% قبل عام 2018، وصل في عام 2022 إلى نحو 85%. إلا أن السياسات الاقتصادية التركية اتجهت بعد ذلك نحو احتواء التضخم وتعزيز الاستقرار النقدي، وبدأ معدل التضخم لاحقاً في التراجع.
وفي سوق العقارات أيضاً، انخفض التضخم السنوي، الذي بلغ نحو 149.9% عام 2022، خلال السنوات التالية، ويبلغ حالياً نحو 32% وفقاً للتقارير.
وكان انخفاض التضخم وتغير الظروف الاقتصادية في تركيا يعنيان أن العائد المتوقع من شراء العقارات لم يعد مماثلاً لما كان عليه خلال سنوات ذروة ازدهار السوق. وبعبارة أخرى، تراجع جزء من جاذبية الاستثمار التي كانت تتولد في السنوات السابقة من ارتفاع أسعار الأصول وتغيرات أسعار الصرف.
وفي الوقت نفسه، أدى تحسن آفاق المفاوضات النووية في إيران عام 2022 واحتمال التوصل إلى اتفاق إلى خفض حدة التوقعات التضخمية لفترة من الوقت. وأسهمت هذه التطورات مجتمعة في التراجع التدريجي للطلب الإيراني على شراء العقارات في تركيا.
وبحسب البيانات التي جرت مراجعتها، انخفضت مشتريات الإيرانيين من المساكن من نحو 9 آلاف وحدة عام 2022 إلى نحو 4700 وحدة عام 2023، ثم تراجعت بشكل أكبر في عام 2024 إلى 2391 وحدة.
واستمر هذا الاتجاه في عام 2025، عندما انخفض عدد الوحدات التي اشتراها الإيرانيون إلى نحو 2076 وحدة، وهو أدنى مستوى لمشتريات الإيرانيين خلال السنوات الأخيرة.
الحرب وقيود تحويل الأموال؛ ضغوط إضافية على المشترين الإيرانيين
من العوامل الأخرى التي أثرت خلال السنوات الأخيرة في شراء الإيرانيين للعقارات في تركيا، ازدياد صعوبة تحويل العملات.
فقد جعلت التطورات الإقليمية، واندلاع حربين، والقيود المفروضة على نشاط الأسواق ومسارات تحويل الأموال، نقل رؤوس الأموال من إيران إلى تركيا أكثر صعوبة. وفي مثل هذه الظروف، حتى إذا كان هناك طلب على شراء العقارات، فإن تحويل رأس المال وتأمين الموارد المالية اللازمة لإتمام الصفقة يمكن أن يتحولا إلى عقبة كبيرة.
من جهة أخرى، أدى تصاعد الضغوط والعقوبات الأميركية على الشبكات الاقتصادية المرتبطة بإيران إلى زيادة مخاطر استخدام الشبكات المصرفية في الدول المتعاونة مع إيران. وفي هذا السياق، تُعد تركيا، نظراً إلى علاقاتها الاقتصادية الواسعة مع إيران، إحدى الدول التي يمكن أن تؤثر التطورات المتعلقة بتحويل الأموال فيها على تدفق رؤوس الأموال الإيرانية إلى سوقها.
العقارات التركية في منافسة مع الذهب والعملات الذهبية
هناك عامل آخر يمكن أن يحد من الطلب الإيراني على شراء العقارات في تركيا، وهو تغير فرص الاستثمار داخل إيران.
ففي السنوات الأخيرة، تحول الذهب والعملات الذهبية، إلى جانب بعض أدوات الاستثمار القائمة على الذهب، بالنسبة إلى شريحة من المستثمرين الإيرانيين إلى خيار ذي تكاليف دخول وخروج أقل مقارنة بشراء العقارات خارج البلاد.
فشراء شقة سكنية في تركيا لا يتطلب رأس مال أولياً كبيراً فحسب، بل يترتب عليه أيضاً تكاليف إضافية للصفقة والصيانة والضرائب وتحويل الأموال وإدارة العقار. في المقابل، يُعد الدخول إلى سوق الذهب والعملات الذهبية والخروج منه أكثر سهولة بالنسبة إلى المستثمر الإيراني، كما أنه لا يتطلب نقل رأس المال إلى خارج البلاد.
ولهذا السبب، يمكن أن تلعب مقارنة العائد المحتمل للعقارات في تركيا مع أصول مثل الذهب والعملات الذهبية دوراً في قرار نقل رؤوس الأموال بالنسبة إلى شريحة من المستثمرين.
هل تلوح في الأفق موجة جديدة من شراء الإيرانيين؟
قد يُنظر إلى ارتفاع عدد المشتريات في يوليو/تموز 2026 إلى 189 وحدة للوهلة الأولى على أنه مؤشر على عودة الطلب، إلا أن تراجع المعاملات مجدداً في أغسطس/آب إلى نحو 140 وحدة يشير إلى أنه لا يمكن حتى الآن الحديث عن تشكل اتجاه صعودي مستدام.
في الواقع، لا يزال المتوسط الشهري البالغ 141 وحدة في عام 2026 بعيداً بشكل كبير عن فترة ذروة شراء الإيرانيين. ففي عام 2021، اشترى الإيرانيون ما مجموعه نحو 10 آلاف وحدة سكنية في تركيا، أي أن متوسط المشتريات الشهرية في ذلك العام تجاوز 800 وحدة.
وبالتالي، فإن مستوى المشتريات الحالي بلغ مقارنة بتلك الفترة نحو خُمس المتوسط الشهري المسجل في عام 2021.
وبوجه عام، تشير البيانات المتاحة إلى أن سوق العقارات التركية في الظروف الحالية لم يعد الوجهة الجذابة نفسها لرأس المال الإيراني كما كان بين عامي 2018 و2021. فانخفاض العائد المتوقع من سوق العقارات التركية، وصعوبة تحويل العملات من إيران، وزيادة جاذبية بعض الأسواق البديلة داخل البلاد، كلها عوامل يمكن أن تحول دون عودة موجة مماثلة لتلك التي شهدتها سنوات الذروة.
ومع ذلك، فإن استمرار هذا الاتجاه يعتمد على التطورات الاقتصادية والسياسية في البلدين. فأي تغير ملحوظ في أوضاع الاقتصاد الإيراني، أو سعر الصرف، أو مسار العقوبات، أو وضع الاقتصاد التركي، يمكن أن يغير حسابات المستثمرين. لكن استناداً إلى البيانات الحالية، فإن الارتفاع المؤقت في المشتريات خلال بعض الأشهر لا يعني حتى الآن عودة رؤوس الأموال الإيرانية إلى سوق العقارات التركية.



