الصحافة الإيرانية: أوراسيا وإعادة هيكلة التجارة الخارجية الإيرانية

أظهرت تجربة الأشهر الأخيرة حقيقة أساسية مفادها أن الاقتصاد الإيراني يحتاج إلى تنويع أكبر في مسارات تجارته الخارجية للحفاظ على قدرته على الصمود.

ميدل ايست نيوز: انطلقت أعمال قمة قادة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، التكتل الاقتصادي الصاعد الذي يعمل على ترسيخ مكانته بين الصين والاتحاد الأوروبي، صباح الجمعة، بمشاركة وزير الصناعة والمناجم والتجارة الإيراني ممثلاً للرئيس بزشكيان، في وقت تواجه فيه الجمهورية الإسلامية تداعيات الحرب المفروضة عليها، بما في ذلك الضغوط على مسارات التجارة البحرية وتضرر جزء من القدرات التصديرية للبلاد، بينما تواصل العمل على معالجة هذه التحديات وتعويض آثارها.

ويقول عباس حسیني، عضو المجلس التنفيذي لمنظمة تطوير وتجديد المناجم والصناعات المعدنية الإيرانية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن صفة العضو المراقب التي تتمتع بها إيران في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، إلى جانب اتفاقية التجارة الحرة الموقعة معه، أصبحت جزءاً من استراتيجية إعادة تنظيم مسارات الاستيراد والتصدير وتأمين الاحتياجات الاقتصادية للبلاد. وتُعد هذه المرة الرابعة خلال العامين الماضيين التي يشارك فيها الوزير محمد أتابك في قمم الاتحاد الأوراسي ممثلاً للرئيس أو النائب الأول للرئيس، ما يعكس الأهمية التي توليها طهران لهذا الملف. كما أن إسناد ملف أوراسيا إلى وزير الصناعة والمناجم والتجارة يؤكد سعي إيران إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة تشغيلية في التجارة الإقليمية.

ولم يعد الاتحاد الاقتصادي الأوراسي مجرد اتفاقية محدودة للتعرفة الجمركية، بل تحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة تمتلك هياكل مستقلة تشمل لجنة تنفيذية وآليات للتنسيق الجمركي وخططاً للاندماج التدريجي بين أسواق الدول الأعضاء. وخلال السنوات الأخيرة، سعت روسيا إلى تحويل هذا الاتحاد إلى أحد مراكز الاقتصاد العالمي متعدد الأقطاب، الأمر الذي جعل قضايا ممرات النقل والربط السككي والتجارة بالعملات الوطنية وأمن سلاسل التوريد من البنود الثابتة على جدول أعمال قممه.

وضاعفت التطورات التي أعقبت الحرب من أهمية هذا التعاون بالنسبة لإيران. فقد شكل قطاعا الصلب والبتروكيماويات خلال السنوات الماضية المحركين الرئيسيين للصادرات غير النفطية الإيرانية، إلا أن الأضرار التي لحقت بجزء من الطاقة الإنتاجية والتصديرية لهذين القطاعين نتيجة الهجمات الإسرائيلية ـ الأمريكية، دفعت الحكومة إلى إعادة النظر في هيكل الصادرات والواردات.

وتحتاج إيران حالياً، بالتوازي مع جهود إعادة تأهيل قدراتها الصناعية، إلى استيراد جزء من المواد الأولية والسلع الأساسية والآلات والمعدات. ويمكن للقرب الجغرافي بين إيران ودول الاتحاد الأوراسي، إضافة إلى إمكانات النقل البري والسككي إلى أسواقه، أن يسهم في خفض تكاليف ومخاطر تأمين السلع، خصوصاً في مرحلة تواجه فيها المسارات التجارية الجنوبية لإيران قدراً من عدم اليقين.

وفي موازاة ذلك، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في إيجاد محركات جديدة للصادرات الإيرانية. فالسوق الروسية وأسواق آسيا الوسطى شهدت، عقب التحولات الجيوسياسية الأخيرة، تغيرات ملموسة في أنماط الاستيراد، ما أتاح فرصاً أوسع أمام المنتجات الإيرانية، بما في ذلك الصناعات الغذائية والمنتجات الزراعية ومواد البناء والأدوية والخدمات الفنية والهندسية والأجهزة المنزلية وعدد من الصناعات المتوسطة.

كما يمكن لاتفاقية التجارة الحرة بين إيران والاتحاد الأوراسي أن تسهم في خفض تكاليف دخول هذه السلع إلى الأسواق الإقليمية وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجين الإيرانيين، رغم أن حجم التبادل التجاري بين الجانبين لا يزال بعيداً عن مستواه وإمكاناته الحقيقية.

ومع ذلك، لا تزال التحديات الاقتصادية قائمة، إذ يواجه القطاعان المصرفي والتأميني قيوداً مختلفة، كما ترتفع تكاليف النقل عبر بحر قزوين، فيما تحتاج البنية التحتية للسكك الحديدية في شمال إيران إلى مزيد من التطوير والتوسعة.

ورغم هذه العقبات، أظهرت تجربة الأشهر الأخيرة حقيقة أساسية مفادها أن الاقتصاد الإيراني يحتاج إلى تنويع أكبر في مسارات تجارته الخارجية للحفاظ على قدرته على الصمود. وفي هذا السياق، تمثل قمة أستانا والمشاركة النشطة لوزير الصناعة والمناجم والتجارة فرصة مهمة لتحويل الموقع الجغرافي لإيران وقدراتها الصناعية وشبكة علاقاتها الإقليمية إلى ميزة اقتصادية مستدامة، وهي فرصة يبقى نجاحها مرهوناً بسرعة تنفيذ القرارات من قبل مختلف المؤسسات داخل البلاد، واستقرار السياسات الاقتصادية، وقدرة الصناعات الإيرانية على المنافسة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى