تحديات ومطبات مميتة.. هل يتحمل الأسطول الأمريكي كلفة المواجهة البرية مع إيران؟

على الرغم من أن أمريكا زادت الضغط العسكري على إيران في الحرب الأخيرة مقارنة بحرب الـ12 يوماً، فإن احتلال حتى محافظة جنوبية واحدة في إيران يُعد مشروعًا ثقيلًا للغاية على الجيش الأمريكي.

ميدل ايست نيوز: لن يكون دخول القوات البرية الأمريكية إلى إيران، بخلاف دخول قواتها الجوية، مهمة سهلة، غير أن الجزء الأصعب في هذا السيناريو سيكون كيفية خروج تلك القوات من الأراضي الإيرانية.

وقال موقع عصر إيران، إن احتمال دخول القوات البرية الأمريكية إلى الأراضي الإيرانية أصبح في الأسابيع الأخيرة محور التحليلات العسكرية والسياسية. وللإجابة عن ما إذا كانت أمريكا ستدخل إيران بقوات برية، يجب المرور على مجموعة من العوامل، ويمكن تعداد وتحليل بعض أهمها على النحو الآتي:

التحديات الجغرافية والعسكرية: إيران بلد واسع ذو تضاريس كثيرة التعقيد (جبال زاغروس والبرز). يعتقد معظم الخبراء العسكريين أن دخول القوات البرية إلى عمق الأراضي الإيرانية سيكون مكلفًا للغاية بل ويبدو «مستحيلًا». فعلى خلاف العراق أو أفغانستان، تمتلك إيران بنية دفاعية منسجمة وقوات عسكرية ذات خبرة، من شأنها أن تحول الحرب بالنسبة لأي معتدٍ إلى عملية استنزاف دامية.

سيناريو «العمليات المحدودة»: ما يبرز في التقارير والتحليلات المختلفة بشأن احتمال دخول القوات البرية الأمريكية إلى إيران هو احتمال تنفيذ عمليات برمائية (Amphibious) أو هجمات خاطفة لقوات الكوماندوز في المناطق الساحلية وجزر الخليج. والهدف من هذا النوع من التدخلات البرية المحدودة ليس احتلال كامل البلاد، بل شلّ الموانئ والمنشآت النفطية أو البنى التحتية العسكرية في جنوب إيران، استكمالًا للحصار الاقتصادي والبحري.

التركيز على الهجمات الجوية والصاروخية: كانت الاستراتيجية الأمريكية في الحرب مع إيران قائمة على «التفوق الجوي والتكنولوجي». وتفضل الحكومة الأمريكية، بدلًا من إشراك آلاف الجنود مباشرة على الأرض بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر خسائر كبيرة، توجيه ضربات إلى الأهداف الاستراتيجية وأعمدة القوة العسكرية الإيرانية عبر الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية.

الردع ورد الفعل الإيراني: حذّر المسؤولون العسكريون الإيرانيون من أن أي اعتداء بري سيُواجه برد شديد جدًا بل وحتى عابر للإقليم. ويُعد هذا التهديد، الذي يعني تصعيد الحرب وتوسيعها، عامل ردع قوي يحذر مسؤولي البنتاغون من إرسال قوات برية.

ومع ذلك يُطرح هذا السيناريو أيضًا، ومفاده أن أمريكا ربما تسعى بقواتها البرية إلى احتلال جنوب إيران فحسب؛ أي جنوب محافظتي هرمزغان وبوشهر، أو ربما تدريجيًا كامل هاتين المحافظتين إضافة إلى جنوب محافظة سيستان وبلوشستان (تشابهار وغيرها). ويشير محللون عسكريون إلى هذا السيناريو بعنوان «استراتيجية قطع الوصول» أو «إقامة منطقة عازلة ساحلية».

في إطار افتراضي صرف، تبدو فرضية أن تركز واشنطن على الشريط الساحلي الجنوبي بدلًا من محاولة احتلال كامل إيران (وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا عمليًا) أكثر احتمالًا من التحرك نحو طهران. وقد طُرح مثل هذا المخطط في عهد جورج دبليو بوش، لكن بوش وديك تشيني والمسؤولين العسكريين الأمريكيين تخلوا عنه في النهاية. وعلى أي حال، يمكن شرح أسباب وعوائق هذا السيناريو المحتمل على النحو التالي:

محاولة خنق الاقتصاد الإيراني: أكثر من 90 في المئة من صادرات النفط والواردات السلعية الإيرانية تتم عبر هذه المحافظات الثلاث (بوشهر، هرمزغان، سيستان وبلوشستان). والسعي إلى احتلال هذه المناطق يعني عمليًا قطع الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني من دون الحاجة إلى التقدم في الجبال الوسطى.

التحكم في طاقة العالم: باحتلال بوشهر افتراضًا (المحطة النووية وعسلويه) وهرمزغان (مضيق هرمز)، تمسك أمريكا عمليًا بمفتاح طاقة العالم، ويمكنها إدارة تدفق النفط العالمي لصالحها ولصالح حلفائها.

إنشاء قاعدة استراتيجية: تُعد سواحل مكران وتشابهار حيوية من الناحية الجيوسياسية للسيطرة على المحيط الهندي وبحر عمان.

ويُضاف إلى ذلك أنه في هذا السيناريو قد تستخدم أمريكا نموذج «القفز فوق الأرخبيلات»؛ أي محاولة السيطرة فقط على النقاط الرئيسية مثل الجزر الاستراتيجية (قشم، كيش، أبو موسى)، والموانئ الرئيسية (بندر عباس، تشابهار)، والمنشآت النفطية (خارك، عسلويه).

العوائق والتحديات الكبرى لخطة «احتلال جنوب إيران»

على الرغم من جاذبية هذا المخطط على الورق، فإن تنفيذه يواجه تحديات قاتلة:

الدفاع الساحلي والصاروخي: ركزت إيران في العقد الأخير جزءًا ملحوظًا من قدراتها العسكرية على «الدفاع الساحلي». ووجود أنفاق صاروخية، ومدن بحرية تحت الأرض، وزوارق سريعة في مياه جنوب إيران يجعل أي عملية برمائية مكلفة للغاية للأسطول الأمريكي.

و«المدن البحرية تحت الأرض» تعني قواعد عسكرية خاصة واستراتيجية جدًا بُنيت في أعماق الأرض وداخل جبال السواحل الجنوبية لإيران (الخليج وبحر عمان). وكلمة «بحرية» تشير إلى الزوارق والسفن العسكرية، ولا سيما الزوارق السريعة. بالتالي فإن «المدينة البحرية تحت الأرض» هي قاعدة واسعة تحت الأرض صُممت لحفظ وتجهيز وإرسال زوارق سريعة مزودة بصواريخ وطوربيدات. وعلى خلاف «المدن الصاروخية»، فإن «القطع البحرية» هي التي تتمركز في هذه القواعد تحت الأرض.

الحرب غير المتكافئة: حتى لو تمكنت أمريكا من السيطرة على الساحل، فإن الاحتفاظ به تحت نيران المدفعية والطائرات المسيّرة الإيرانية التي تُطلق من عمق الأراضي سيكون مهمة صعبة.

رد فعل السكان المحليين: إن احتلال الأراضي يثير الحس القومي بشدة ويضع القوات المحتلة في مواجهة مقاومات شعبية ومحلية، ما يرفع التكاليف البشرية والمالية للحرب على واشنطن بشكل كبير.

الأثر السلبي على المعادلات الدولية: إن احتلال جنوب إيران سيواجه حتمًا ردًا حادًا من الصين وروسيا. فالصين تعتمد بشدة على نفط هذه المنطقة، وترى احتلالها من قبل أمريكا تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

خلاصة

على الرغم من أن أمريكا زادت الضغط العسكري على إيران في الحرب الأخيرة مقارنة بحرب الـ12 يوماً، فإن احتلال حتى محافظة جنوبية واحدة في إيران يُعد مشروعًا ثقيلًا للغاية على الجيش الأمريكي. ومن المرجح أن تظل الاستراتيجية الأمريكية أكثر تركيزًا على «الحصار البحري والضربات الموضعية» بدلًا من «احتلال جزء من الأراضي الإيرانية»، لأن احتلال جنوب إيران يعني فتح جبهة قد تستمر عقودًا وتُغرق الجنود الأمريكيين في مستنقع جديد أسوأ من مستنقعي أفغانستان والعراق.

في العموم، يرى معظم المحللين العسكريين والسياسيين أن الولايات المتحدة تسعى إلى «تغيير سلوك أو بنية حكم إيران عبر الضغط الأقصى والضربات الموضعية»، لا إلى خوض حرب برية كلاسيكية لاحتلال الأراضي. إن دخول القوات البرية الأمريكية إلى إيران، بخلاف دخول قواتها الجوية، لن يكون سهلًا، لكن الجزء الأصعب من القصة هو خروج تلك القوات من إيران.

لم يكن الخروج الأميركي من حرب اقترنت باشتباكات جوية أمرًا سهلًا، وإذا اندلعت هذه الحرب مجددًا فمن المستبعد أن تقبل إيران هذه المرة بوقف إطلاق النار عبر المساومات وتهديدات ترامب. وإذا كان حكم الحرب الجوية على هذا النحو، فإن الحرب البرية ستكون حتمًا أشد صعوبة. أي إن أمريكا لن تستطيع بسهولة إدخال قواتها البرية إلى الأراضي الإيرانية ثم إعلان إنهاء الحرب متى ما رأت ذلك مناسبًا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى