ما هي الحقائق التي كشفتها الحرب الأخيرة عن قوة إيران الدفاعية؟
شهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة تطورات أظهرت أن إيران تمكنت رغم الضغوط الواسعة التي واجهتها على مدى السنوات الماضية من انتهاج مسار مختلف في المجال الدفاعي.

ميدل ايست نيوز: شهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة تطورات أظهرت أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمكنت رغم الضغوط الواسعة التي واجهتها على مدى السنوات الماضية من انتهاج مسار مختلف في المجال الدفاعي. فقد أسهم الاعتماد على القدرات المحلية، وتطوير التقنيات الوطنية، والاستثمار في المجالات الدفاعية الحديثة، وبناء قدرات الردع، في تحويل إيران إلى أحد الفاعلين الرئيسيين في المعادلات الأمنية الإقليمية.
وقالت وكالة إرنا الحكومية في تقرير، إن التطورات الأخيرة في المنطقة أعادت التذكير بحقيقة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تركز خلال السنوات الماضية على زيادة عدد المعدات العسكرية فحسب، بل بنت استراتيجيتها على إنشاء منظومة دفاعية محلية تعتمد على القدرات الوطنية؛ وهي منظومة تشكلت في ظل العقوبات والقيود الدولية والضغوط السياسية، وأصبحت تدريجياً أحد المرتكزات الأساسية للأمن القومي الإيراني.
العقوبات.. من القيود إلى الفرص
ربما لا توجد دولة في العالم تمتلك خبرة في العمل ضمن ظروف القيود الدفاعية والعقوبات بقدر ما تمتلكه إيران. فعلى مدى العقود الماضية أُغلقت أمامها نسبة كبيرة من مسارات الحصول على المعدات العسكرية، كما امتنعت دول عديدة عن التعاون الدفاعي مع طهران.
إلا أن هذه الظروف نفسها أسهمت في نشوء مسار مختلف في القطاع الدفاعي، يقوم على تطوير التكنولوجيا المحلية والاعتماد على القدرات الوطنية وتأهيل الكوادر المتخصصة. وفي الوقت الذي كان كثيرون يعتقدون أن العقوبات ستؤدي إلى إضعاف القدرات الدفاعية الإيرانية، تمكنت الصناعات الدفاعية تدريجياً من تحقيق إنجازات ملحوظة في مجالات متعددة، بدءاً من أنظمة الصواريخ والطائرات المسيّرة، وصولاً إلى المعدات الرادارية وأنظمة الدفاع الجوي والتقنيات الإلكترونية.
ويعتقد العديد من الخبراء اليوم أن جانباً مهماً من القدرة الردعية الإيرانية هو نتاج تلك المرحلة من الضغوط والقيود، عندما اضطرت البلاد إلى انتهاج طريق الاكتفاء الذاتي بدلاً من الاعتماد على الاستيراد.
القوة الدفاعية.. أبعد من المعدات
ومن أبرز النقاط التي كشفت عنها التطورات الأخيرة في المنطقة أن القوة الدفاعية لا تعني امتلاك معدات متطورة فقط. فخبرة الحروب الحديثة تشير إلى أن النجاح في ساحة المعركة يعتمد بالدرجة الأولى على القدرة على دمج التكنولوجيا والمعلومات والقيادة وصنع القرار.
وخلال السنوات الأخيرة، سعت القوات المسلحة الإيرانية إلى تحديث هياكلها العملياتية بما يتناسب مع التحولات الجديدة في طبيعة الحروب. ويُعد توسيع دور التقنيات الحديثة، والأنظمة غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والعمليات الشبكية، والاستفادة من البيانات الاستخباراتية في ساحات القتال، جزءاً من مسار تتبعه جيوش عديدة حول العالم.
ومن هذا المنطلق، فإن القدرات الدفاعية الإيرانية لا تقتصر على المعدات فحسب، بل تشمل منظومة متكاملة من المعرفة والخبرة والبنى العملياتية التي جرى تطويرها على مدى السنوات الماضية.
الردع.. الركيزة الأهم للأمن
في الأدبيات الأمنية، لا يتمثل الهدف الأساسي من القوة الدفاعية في إشعال الحروب، بل في منع وقوعها. ولهذا السبب أصبح مفهوم «الردع» خلال العقود الأخيرة أحد أهم مبادئ الأمن القومي للدول.
ويتحقق الردع عندما يقتنع الطرف المقابل بأن تكلفة أي عمل عسكري ستكون أعلى من المكاسب المحتملة منه. ويرى كثير من الخبراء أن مكانة إيران الحالية في المعادلات الإقليمية تعود بدرجة كبيرة إلى هذه القدرة الردعية، التي جعلت من الصعب اتخاذ أي قرار يتعلق بتطورات المنطقة من دون أخذ ردود الفعل والقدرات الإيرانية في الحسبان.
وقد شكّلت منطقة غرب آسيا خلال العقود الماضية واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيداً في العالم. فوجود القوى الدولية، والتنافسات الجيوسياسية، والأزمات الأمنية، والتحولات السياسية، جعل المنطقة دائماً في صلب اهتمام المؤسسات الاستراتيجية العالمية.
وفي ظل هذه الظروف، تحولت إيران، بفضل موقعها الجغرافي وقدراتها الدفاعية وحجم سكانها ومواردها من الطاقة ونفوذها الإقليمي، إلى أحد اللاعبين المؤثرين في المعادلات الأمنية.
وأصبحت قضايا أمن الطاقة، والأمن البحري، وطرق التجارة، وحتى العديد من المشاريع الجيوسياسية في المنطقة، مرتبطة بشكل أو بآخر بمكانة إيران، وهو ما يعكس أن دورها لم يعد محصوراً ضمن حدودها الجغرافية، بل اكتسب أبعاداً أوسع.
الصناعات الدفاعية ودورها في التطور التكنولوجي
ومن الجوانب الأقل تناولاً في القوة الدفاعية الإيرانية الدور الذي تؤديه الصناعات الدفاعية في تطوير التكنولوجيا. ففي كثير من دول العالم تُعد الصناعات الدفاعية محركاً أساسياً للابتكار.
وغالباً ما يبدأ تطوير التقنيات المتقدمة في مجالات مثل الإلكترونيات والاتصالات والذكاء الاصطناعي والصناعات الفضائية والمواد المتقدمة داخل القطاع الدفاعي، قبل أن ينتقل إلى بقية القطاعات الاقتصادية والصناعية.
وخلال السنوات الأخيرة، سعت إيران إلى الاستفادة من الإمكانات المتاحة في هذا المجال لتعزيز قدراتها العلمية والتكنولوجية. ومن شأن هذا التوجه، إلى جانب دعم البنية الدفاعية، أن يسهم أيضاً في تطوير الاقتصاد القائم على المعرفة.
الأمن والتنمية الاقتصادية
ومن أبرز الدروس المستخلصة من التطورات الأخيرة أن الأمن والتنمية الاقتصادية ليسا مفهومين منفصلين عن بعضهما البعض. فلا يمكن لأي استثمار أن يتحقق في غياب الأمن، كما لا يستطيع أي اقتصاد أن يسلك مسار النمو المستدام من دون الاستقرار.
ولهذا يرى كثير من الاقتصاديين أن الأمن يمثل أحد أهم البنى التحتية للتنمية. ومن هذا المنظور، فإن تعزيز القدرات الدفاعية لا يُعد ضرورة عسكرية فحسب، بل يشكل أيضاً جزءاً من متطلبات النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتحقيق التنمية المستدامة في البلاد.



