الصحافة الإيرانية: بين ضغوط اللوبيات وتشدد الداخل.. إلى أي مدى تستعد طهران وواشنطن لتغيير سياساتهما؟

لا يعد نجاح مذكرة التفاهم هذه أو فشلها أمراً حتمياً أو مقدراً سلفاً، بل يتوقف على طبيعة الأداء السياسي لإيران والتوجهات العامة للسياسة الخارجية لإدارة ترامب.

ميدل ايست نيوز: مرت إيران بمسار بالغ الصعوبة خلال العام الماضي، حيث شهدت حربين وتصاعداً في حدة المواجهات مع الولايات المتحدة وإسرائيل. من هذا المنطلق، قوبل توقيع مذكرة التفاهم بین إيران والولايات المتحدة بردة فعل عاطفية متفائلة بطبيعة الحال، إذ يرى البعض أن الخطوة الرئيسية والأولية لحل الأزمة قد اتُّخذت بالفعل، وأن المسار المقبل سيكون أكثر تمهيداً وملاءمة مقارنة بالوضع الراهن. ونظراً لأن نص الاتفاق لم يُنشر بعد، ولا تزال تفاصيل المفاوضات والمساومات بين الطرفين غير معلنة، فإن الترقب سيد الموقف لمعرفة ما دار في أروقة هذه العملية الدبلوماسية. ومع ذلك، تبرز في الوقت الحالي تساؤلات جوهرية تتطلب الإجابة عنها ارتباطاً بعامل الزمن.

يقول الخبير في الشؤون الدولية، رحمن قهرمان بور، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن السؤال الأول والأهم يتمثل في معرفة ما إذا كانت مذكرة التفاهم هذه تشكل مجرد هدنة مؤقتة وفرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف لكلا الطرفين تمهيداً لاستئناف الصراع، أم أنها تمثل تحركاً حقيقياً نحو حل المشكلات التاريخية العالقة بينهما. وتوجد في الولايات المتحدة وإيران على حد سواء قوى ترحب بحل هذه الأزمة وتفكيك العقد التاريخية، غير أن تجربة العقدين الماضيين تظهر أن كفة القوى المعارضة لدى الطرفين كانت هي الأرجح والأقوى دائماً. وبناءً على ذلك، يثور التساؤل حول مدى إمكانية تحول هذه المذكرة إلى اتفاق مستدام وشامل على المدى الطويل، ومع الأخذ في الاعتبار معطيات العقدين الأخيرين وطبيعة الاصطفاف السياسي للقوى في طهران وواشنطن، يبدو أن الإجابة بنعم تتطلب التريث، إذ لا تزال معالم المشهد غير واضحة بعد.

ويأتي السؤال الثاني ليتناول مدى استعداد الولايات المتحدة للقبول بالتغييرات في إيران وسياستها الخارجية، وما إذا كانت ستتخلى عن برنامجها الطموح الذي يخضع بشكل رئيسي لضغوط اللوبي اليهودي. وفي المقابل، يبرز الجانب الآخر من المعادلة والمتعلق بالمدى الذي تبدي فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية استعداداً لتغيير سياستها الخارجية وتوجهاتها العامة. ويكتسب هذان السؤالان أهميتهما من ارتباطهما الوثيق ببعضهما البعض؛ وتؤكد تجربة الاتفاق النووي أنه على الرغم من التقدم الذي أحرزته إيران والولايات المتحدة في علاقاتهما الثنائية، إلا أنهما فشلتا في نهاية المطاف -بسبب صعود التيارات المتشددة إلى السلطة والتحركات التخريبية الإسرائيلية- في تحويل ذلك الاتفاق إلى ركيزة أساسية لإحداث تغييرات كبرى في السياسة الخارجية. يبدو أن الوضع الراهن يشابه الماضي إلى حد كبير، إذ لا تزال القوى الداعية لإحداث تغييرات استراتيجية في العلاقات الإيرانية الأمريكية تفتقر إلى النفوذ الكافي في السياسة الداخلية.

ويرتبط التساؤل الثالث بطبيعة الرد الإسرائيلي المتوقع؛ إذ من المقرر إجراء انتخابات الكنيست الإسرائيلي في شهر أكتوبر المقبل، ومن المرجح أن يقدم بنيامين نتنياهو على مغامرات عديدة بعد الهزيمة التي مني بها جراء التفاهم الإيراني الأمريكي، لاسيما وأن هذا الكيان بذل جهوداً حثيثة في الأيام الأخيرة لمنع توقيع المذكرة في اللحظات الأخيرة. في الواقع، إذا تمكنت إيران من كبح جماح نتنياهو عبر إدارة ترامب، فإنها ستكون قد حققت نجاحاً كبيراً في هذه الأزمة؛ لأن المعادلات التي تضم ثلاثة أطراف بمتناقضات ومصالح متضاربة نادراً ما تصل إلى نقطة توازن مستقرة.

ويبقى القول إن الأيام المقبلة ستكشف عما إذا كان الدور المتميز الذي لعبه حلفاء أمريكا الجدد في الشرق الأوسط -وتحديداً دول مجلس التعاون وفي مقدمتها الإمارات والسعودية وقطر- سيستمر أم لا. وقد أثبتت هذه الدول في الأزمة الأخيرة وخلال صياغة مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران امتلاكها لجرعات ضغط وقنوات تأثير قوية في واشنطن تمكنها من الحيلولة دون تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة. ويتطلب الأمر مراقبة ما إذا كانت هذه الدول، وخاصة الإمارات وقطر، ستحافظ على رغبتها في أداء هذا الدور، وهل ستتيح لها إسرائيل المساحة الكافية للقيام به أم ستعرقله.

وتمثل هذه النقاط حزمة الأسئلة المصيرية المحيطة بمستقبل الاتفاق والتي تغيب عنها الإجابات الحاسمة في الوقت الراهن. وتدفع التجارب السابقة نحو عدم الإفراط في التفاؤل، وفي الوقت ذاته لا يمكن تبني موقف تشاؤمي مطلق منذ الآن؛ إذ تتركز الأهمية البالغة على طبيعة التحولات التي ستشهدها الساحتان الداخلية في إيران والولايات المتحدة خلال الشهرين المقبلين، والتي ستحدد مسار ومصير مذكرة التفاهم.

في الداخل الإيراني، تبرز الحاجة الملحة لإطلاق حوار نقدي بين السلطة والمجتمع من جهة، وبين المؤسسات الحاكمة ذاتها من جهة أخرى، لتقييم أحداث العام المنصرم؛ حيث يسهم الوصول إلى قراءة واقعية لتطورات العام الماضي في اتخاذ قرارات مصيرية بعيداً عن الأجواء الانفعالية.

يندرج رسم خارطة طريق تحظى بالإجماع في السياسة الخارجية الإيرانية المستقبلية كعامل آخر بالغ الأهمية؛ حيث تلوح في الأفق عوامل متعددة قد تحول هذه المذكرة إلى مسار جديد محفوف بالتوترات. ومن الأهمية بمكان رصد طبيعة المصالح الأمريكية والروسية والصينية في أي تفاهم مستقبلي بين طهران وواشنطن ومدى إمكانية تحويله إلى اتفاق مستدام؛ إذ لا يمكن لإيران العبور بهذا التفاهم نحو الاستقرار دون مراعاة مصالح القوى الإقليمية والدولية.

في الختام، لا يعد نجاح مذكرة التفاهم هذه أو فشلها أمراً حتمياً أو مقدراً سلفاً، بل يتوقف على طبيعة الأداء السياسي لإيران والتوجهات العامة للسياسة الخارجية لإدارة ترامب؛ وإذا ما أخذت هذه المعطيات بعين الاعتبار، يصح الأمل في أن تمهد المذكرة الطريق للوصول إلى اتفاق شامل ومستدام.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى