تشابهار.. كيف تحول الميناء الإيراني إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى؟

كشف ميناء تشابهار الإيراني على خليج عُمان تقاطعاً اقتصادياً واستراتيجياً تتداخل عنده حسابات الهند وإيران وأفغانستان وآسيا الوسطى والولايات المتحدة والصين.

ميدل ايست نيوز: يكشف ميناء تشابهار الإيراني على خليج عُمان تقاطعاً اقتصادياً واستراتيجياً تتداخل عنده حسابات الهند وإيران وأفغانستان وآسيا الوسطى والولايات المتحدة والصين.

فالميناء يوفر للهند ممراً إلى أفغانستان وآسيا الوسطى بعيداً عن باكستان بحسب “بلومبرغ”، بينما تضغط العقوبات الأميركية على قدرة إيران على تطويره، في حين يكتسب موقعه أهمية إضافية لقربه من ميناء “غوادر” الباكستاني المدعوم من الصين، وفقاً لدراسة أعدتها جامعة “يال” الأميركية.

ما هو ميناء تشابهار وأين يقع؟

يقع ميناء تشابهار في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرق إيران، ويطل على خليج عُمان، ليكون المنفذ البحري الإيراني الوحيد المُطلّ مباشرةً على المحيط الهندي. وبحسب مركز الدراسات الهندية للشؤون الدولية (ICWA)، فإن الميناء يُعدّ الأقرب إلى الهند من بين الموانئ الإيرانية، ما يوفر وصولاً مباشراً وفعّالاً لناقلات البضائع الكبرى.

يتألف الميناء من محطتين رئيسيتين: “شاهد بهشتي” التي تديرها الهند حالياً، و”شاهد كلانتري”. وبحسب الصفحة الرسمية لوزارة الموانئ والشحن والممرات المائية الهندية، تعامل ميناء تشابهار في السنة المالية 2023-2024 مع 60088 حاوية نمطية و1.9 مليون طن متري من البضائع السائبة، مع خطط توسعة تصل إلى 12.5 مليون طن في مراحل لاحقة. وتضم بنيته محطة حاويات بطول 640 متراً وعمق 16 متراً، ومحطة متعددة الأغراض بطول 600 متر وعمق 14 متراً.

وأوضح مركز الدراسات الاستراتيجية الروسي “فالداي” (Valdai Club) أن تشابهار هو المنفذ الإيراني الوحيد ذو الوصول المباشر إلى المحيط الهندي، مما يجعله عصب الممر التجاري الدولي بين الشمال والجنوب.

كيف أثّرت حرب إيران على مشروع الميناء؟

ذكرت شركة “كي إل إن لوجستيكس” (KLN Logistics) في تقرير خلال مارس الماضي أن كبرى شركات الشحن، من بينها “إم إس سي” و”سي جي إم” و”سي إم إيه سي جي إم” و”هاباغ-لويد” (Hapag-Lloyd) وميرسك (Maersk)، اتخذت إجراءات طارئة تضمنت تحويل مسارات السفن وإلغاء محطات في موانئ خليجية.

في المقابل، رصد “معهد دراسة الحرب” (ISW) في تقرير صدر أبريل 2026 أن ثلاث سفن عادت أدراجها قرب ميناء تشابهار بعد اقترابها من خطوط الحصار الأميركي، ما يكشف عن حجم الضغط الذي يمارسه النزاع على حركة الملاحة في محيط الميناء.

بيد أن السفير الإيراني لدى الهند محمد فتح علي صرّح لصحيفة “تايمز أوف إنديا” في أبريل 2026 بأن “العمل على ميناء تشابهار سيتسارع بصورة أكبر بعد انتهاء الحرب”، مُشيراً إلى أن مشروع الميناء مستمر خلال النزاع ولن يتوقف.

ماذا استثمرت الهند في تشابهار وماذا تخسر إن انسحبت؟

وقّعت الهند مع إيران في مايو 2024 اتفاقية تشغيل مدتها عشر سنوات بين شركة “إنديا بورتس غلوبال” (India Ports Global Limited – IPGL) الحكومية ومنظمة الموانئ والملاحة الإيرانية، وفقاً لما أعلنته “رويترز”.

بموجب الاتفاقية، التزمت الهند باستثمار 120 مليون دولار في تطوير البنية التحتية لمحطة “شاهد بهشتي”، إلى جانب تسهيل ائتماني بقيمة 250 مليون دولار، ليبلغ إجمالي الالتزام 370 مليون دولار.

أفاد وزير الموانئ الهندي سرباناندا سونووال في رده على استفسار برلماني في مارس 2025 بأن حجم البضائع المناولة في الميناء ارتفع بنسبة تجاوزت 82% خلال خمس سنوات، مُسجلاً 22.32 مليون طن في السنة المالية 2024-2025، مُقارنةً بـ12.24 مليون طن عام 2020-2021. كما كشفت وزارة الشؤون الخارجية الهندية في رد برلماني في نوفمبر 2024 أن الهند سلّمت بالفعل معدات ميناء بقيمة نحو 24 مليون دولار لتشابهار.

في حال الانسحاب، قدّرت تقارير “بيزنس ستاندرد” (Business Standard) في أبريل 2026 أن نيودلهي تخاطر بخسارة استثماراتها المباشرة البالغة 120 مليون دولار في المعدات، علاوة على فقدان نفوذها الاستراتيجي في ممر يربطها بآسيا الوسطى وأفغانستان وروسيا دون المرور بباكستان. لذا، بحسب مصادر حكومية رفيعة نقلتها قناة “إن دي تي في” في يناير 2026، فإن “الانسحاب من الميناء ليس خياراً”.

لماذا يستحق الميناء هذا التنافس بين قوى كبرى؟

يقع تشابهار على مسافة 140 كيلومتراً غرب ميناء غوادر (Gwadar) الباكستاني الذي تموّله الصين بنحو 62 مليار دولار ضمن الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، وفقاً لمركز “ستيمسون” (Stimson Center) الأميركي. هذا التقارب الجغرافي يجعل تشابهار ورقة استراتيجية مباشرة في مواجهة التمدد الصيني، وبوابة بديلة للهند نحو آسيا الوسطى.

وأفادت وكالة “إنديا سي تريد نيوز” (India Sea Trade News) في ديسمبر 2025 بأن روسيا تستكشف شراكة في تشابهار بهدف ربطه مباشرة بالممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب (INSTC)، الممتد 7200 كيلومتر عبر إيران وروسيا.

وبحسب ما نقلته “سبوتنيك إنديا” عن شركة “آر زد دي لوجستيكس” الروسية (RZD Logistics)، في فبراير 2025، أدى تخفيض تكاليف الشحن عبر هذا الممر بنسبة 56% إلى ارتفاع حجم البضائع بمعدل 1.7 مرة، فيما بلغ إجمالي الشحن عبره 26.9 مليون طن عام 2024 بزيادة 19%.

من جهته، وصف وزير الشؤون الخارجية الهندي جاي شانكار الاتفاقية بأنها “ستفتح الطريق أمام استثمارات أكبر وروابط اتصال أوسع تخرج من هذا الميناء”، في إشارة إلى طموح نيودلهي في تحويل تشابهار إلى مركز للإمداد والتجارة مع أوروبا عبر روسيا وآسيا الوسطى.

كيف تؤثر العقوبات الأميركية والضغوط الجيوسياسية على تطويره؟

شكّلت العقوبات الأميركية على إيران عائقاً متكرراً أمام تطوير تشابهار؛ حيث أفادت صحيفة “ذا هندو بيزنس لاين” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أصدرت في فبراير 2025 توجيهاً بمراجعة أو إلغاء الإعفاءات التي تُتيح لإيران راحة اقتصادية أو مالية، بما فيها تلك المرتبطة بتشابهار.

وأصدرت وزارة الخزانة الأميركية في أكتوبر 2025 تمديداً مشروطاً حتى 26 أبريل 2026 لإتاحة الفرصة لنيودلهي للانسحاب المنظم، وهو ما أكدته وزارة الشؤون الخارجية الهندية في بيان رسمي لوسائل الإعلام في يناير 2026. ولجأت نيودلهي إلى مسار بديل تمثل في نقل حصتها في كيان التشغيل وهي شركة “إنديا بورتس غلوبال تشابهار فري زون” (IPGCFZ) إلى شريك إيراني محلي، مع وضع بنود تعاقدية تُمكّنها من استعادة الملكية متى تغيّر المشهد السياسي، بحسب “بيزنس ستاندرد” في أبريل 2026.

في أغسطس 2024، أشار معهد الأبحاث الهندي “إيكرير” (ICRIER) كذلك إلى إشكالية بنيوية إضافية، وتتمثل في أن إيران محرومة من منظومة “سويفت” للمعاملات المصرفية الدولية، مما يُفضي إلى تعقيدات مالية مزمنة تُثبّط شركات الشحن والخدمات اللوجستية حتى في ظل الإعفاءات الرسمية.

ما التوقعات المعقودة على الميناء، وكيف يمكن أن يغير حسابات آسيا؟

وصف وزير الشحن الهندي سونووال الميناء بأن أهميته “تتجاوز كونه مجرد ممر بين الهند وإيران؛ إذ يمثل شرياناً تجارياً حيوياً يربط الهند بأفغانستان ودول آسيا الوسطى”. وبحسب بنك التصدير والاستيراد الهندي (Exim Bank)، فإن الإمكانات التجارية الكامنة بين الهند وآسيا الوسطى عبر هذا الممر تبلغ نحو ملياري دولار لم تُستثمر بعد.

على صعيد الكلفة اللوجستية، أوضح مركز “فالداي” (Valdai Club) أن الطريق عبر تشابهار يخفض تكاليف نقل البضائع من الهند إلى روسيا بمعدل خمسة أضعاف مقارنة بالطرق التقليدية.

فيما أفاد معهد “غلف ريسيرش سنتر” (Gulf Research Centre) في أغسطس الماضي بأن الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب أرخص بنحو 30% وأقصر مسافةً بنحو 40% من الممرات التقليدية ويسهّل على السفن تجاوز مسار السويس. أما إتمام الممر، فيرتبط بخط سكة حديد راشت-أستارا (Rasht-Astara) الذي تستثمر فيه روسيا 1.6 مليار يورو ومن المُتوقع اكتماله عام 2028، مما سيربط تشابهار بشبكة السكك الحديدية الأوروبية مباشرة، وفق مركز “توب سنتر” (TOP Center).

أما في سياق الدول المحيطة، فتُعدّ أفغانستان المستفيد الأبرز؛ إذ يُخفف تشابهار من اعتمادها على ميناء كراتشي الباكستاني، فيما تستطيع دول آسيا الوسطى الحبيسة من جميع جهاتها -مثل أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان- استخدامه بوابةً بحرية رئيسية نحو المحيطات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الشرق - بلومبرغ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى