الصحافة الإيرانية: حذار من التأخير في استخدام ورقة هرمز
في ظل غياب أي مؤشرات جدية على تقدم المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، تتبلور ملامح أزمتين متوازيتين، داخلية وخارجية، مرشحتين للتفاقم والتحول إلى أزمة أوسع نطاقاً.
ميدل ايست نيوز: في ظل غياب أي مؤشرات جدية على تقدم المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، تتبلور ملامح أزمتين متوازيتين، داخلية وخارجية، مرشحتين للتفاقم والتحول إلى أزمة أوسع نطاقاً.
وكتب الدبلوماسي الإيراني السابق، كوروش أحمدي، لموقع صحيفة شرق الإيرانية:
1- حالة من الضبابية والتعليق باتت السمة الغالبة للوضع داخل إيران هذه الأيام. إذ إن البطالة، وتعطّل أو ضعف نشاط المؤسسات الاقتصادية، والتضخم الناتج عن الحرب، يمكن أن يؤدي، في حال استمرار شبح حرب ثالثة في الأجواء وفقدان الأمل بالمفاوضات، إلى حلقة مفرغة من موجات جديدة من البطالة وارتفاع أكبر في التضخم. ووفق الإحصاءات الرسمية، فإن حالة الركود بدأت في الربع الأول من عام 2025، أي قبل الحرب التي استمرت 12 يوماً.
2- بالتزامن مع ذلك، ومع توقف مرور الأسمدة والمواد الأولية المرتبطة بها عبر مضيق هرمز، يواجه العالم خطر اندلاع أزمة غذائية–مالية خطيرة، خاصة في دول الجنوب العالمي.
يركز الكاتب في هذا المقال على محاولة الولايات المتحدة تحميل إيران مسؤولية أزمة غذائية–مالية محتملة في دول الجنوب العالمي. ويؤكد أن على المسؤولين في إيران الانتباه إلى أن المشكلات الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز على المستوى العالمي لا تمس الولايات المتحدة وأوروبا بالدرجة نفسها، بل تطال بشكل أكبر دول الجنوب العالمي. ففي مجال الطاقة، لا تعتمد إسرائيل والولايات المتحدة على نفط الخليج. إذ تحصل إسرائيل على احتياجاتها المحدودة من النفط والغاز من أذربيجان وكازاخستان وغيرها، بينما لم تعد الولايات المتحدة تعتمد على نفط الخليج بعد زيادة إنتاج النفط الصخري لديها.
بل إن الولايات المتحدة استفادت من نقص النفط والغاز خلال الشهرين الماضيين، حيث ارتفعت صادراتها من النفط الخام إلى 5.48 ملايين برميل يومياً. وبينما كانت صادرات النفط الأمريكية تعادل 27 ناقلة نفط كبيرة في الفترة نفسها من العام الماضي، فقد ارتفعت إلى 70 ناقلة في الفترة الحالية. كما زادت صادرات النفط الأمريكي إلى آسيا بنسبة 30 في المئة خلال الشهرين الماضيين، في حين كانت الأسواق الآسيوية تعتمد تقليدياً على نفط الخليج. كما تتزايد اعتماد أوروبا تدريجياً على بعض المنتجات النفطية الأمريكية، خصوصاً وقود الطائرات والغاز.
أما الأزمة في المجال الغذائي–المالي فهي أكثر تعقيداً. فتعطّل تصدير الأسمدة ومواد إنتاجها من الخليج، إلى جانب ارتفاع أسعار البنزين والديزل المستخدمين في الزراعة، يزيد من خطر ارتفاع التضخم خلال الأشهر المقبلة، ويؤدي إلى ردود فعل من البنوك المركزية عبر رفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم. وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع الفائدة سيؤثر سلباً على الاستثمار والتنمية في الغرب وبقية العالم.
ورغم أن الناخبين الأمريكيين يتأثرون عادة بارتفاع أسعار البنزين، وأن زيادة تتراوح بين 25 و30 في المئة قد تضر بموقع الجمهوريين في انتخابات الكونغرس، فإن المشكلة الأكبر تبقى في التضخم وارتفاع أسعار الفائدة.
ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة أقل عرضة لهذه الأزمات مقارنة بمناطق أخرى، خصوصاً الأسواق الآسيوية ودول الجنوب العالمي، نظراً لامتلاكها مزايا هيكلية مهمة. إذ إن نحو 15 في المئة فقط من الأسمدة المستخدمة في الولايات المتحدة تعتمد على إنتاج الخليج، بينما يتم تأمين البقية محلياً أو من كندا وترينيداد. كما أن معظم المزارعين الأمريكيين قاموا بتخزين جزء كبير من احتياجاتهم قبل الأزمة. ومع ذلك، وبما أن سوق الأسمدة عالمي، فإن ارتفاع الأسعار سيؤثر أيضاً على الولايات المتحدة، لكن بالنسبة لها تكمن المشكلة في التضخم وأسعار الفائدة، بينما تظهر في بقية العالم كأزمة إنسانية وأمن غذائي، خاصة في ظل ضعف الإدارة والإنتاج المحلي وغياب أنظمة الحماية الاجتماعية في الجنوب العالمي.
في السياق ذاته، يرى ترامب في ذهنه البسيط أن الولايات المتحدة محصنة بل ومستفيدة من الأزمة. كما يعتبر أن التراجع دون الحصول على تنازلات بشأن اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة وتصفير التخصيب في إيران سيكون بمثابة انتحار سياسي له. ولذلك، وفي غياب ضغط حاد على الاقتصاد الأمريكي من إغلاق مضيق هرمز على المدى القصير، يصعب توقع تراجعه، إذ يعتقد أن خسائره السياسية في حال التراجع دون مكاسب لا تختلف عن خسائر استمرار الحرب حتى الخريف.
يختتم المقال بالتأكيد على أن إدراك المسؤولين الإيرانيين لحجم الأزمات الداخلية والخارجية واتخاذ قرارات مناسبة مسألة بالغة الأهمية. فإيران كانت محقة في اتخاذ إجراءات في مضيق هرمز أثناء تعرضها لهجوم، لكن استمرار ذلك لفترة طويلة، كما حدث في قضايا سابقة مثل احتجاز الرهائن والحرب مع العراق، لن يكون في صالحها، بل سيلحق ضرراً كبيراً بالجنوب العالمي أيضاً. ومع أن مفاوضات قاليباف–فانس أثارت بعض الأمل، إلا أن المسار عاد مجدداً إلى النهج السابق، ما يستدعي، في ظل مزيج من الحصار الاقتصادي والمشكلات الداخلية وتداعياتها على الجنوب العالمي، إعادة التفكير في سياسات جديدة.
اقرأ المزيد:
الصحافة الإيرانية: يجب تحويل ورقة هرمز إلى مكسب سياسي بأفضل وجه



