هل تواجه صناعة النفط الإيرانية خطر «انفجار من الداخل» خلال أيام؟

يمكن تفسير «الانفجار من الداخل» بوصفه ضغطًا ماديًا واقتصاديًا تمارسه واشنطن لدفع طهران إلى خيارات صعبة. وتراهن الولايات المتحدة على أن قطع شريان العائدات وخلق تحديات فنية في الحقول قد يفرض تغييرًا سياسيًا.

ميدل ايست نيوز: أثار الادعاء الأخير لدونالد ترامب، رغم صياغته بلهجة تهديدية، تساؤلًا جديًا في عمقه حول القدرات الفنية والقيود الواقعية لصناعة النفط الإيرانية. فهل ما وُصف بـ«الانفجار من الداخل» يمثل سيناريو محتملًا في قلب الحقول النفطية، أم أنه مجرد توصيف مبالغ فيه يحمل ضغوط اقتصادية ولوجستية؟

وحسب تقرير لموقع اقتصاد24 الإيراني، أطلقت تصريحات ترامب الأخيرة موجة من النقاشات الفنية والاستراتيجية. وبخطاب يحمل نبرة تهديد، زعم الرئيس الأميركي أن البنى التحتية للطاقة في إيران ستتعرض لـ«انفجار» خلال أيام. ولم يكن المقصود هجومًا عسكريًا مباشرًا على المنشآت النفطية، بل اختناقًا فنيًا. ولتحديد ما إذا كانت هذه العبارات مجرد أداة ردع بلاغية أم تعكس مأزقًا ماديًا حتميًا، يتعين الابتعاد عن الضجيج السياسي والإعلامي والتوجه إلى أعماق الأرض، حيث تتحكم ضغوط السوائل وسلوك المكامن في المعادلة. الحديث هنا يدور حول الأنابيب والمضخات وصمامات الأمان التي تعمل تحت ضغط حصار غير مسبوق.

هل يرتد المكمن النفطي؟

ترتكز فرضية ترامب على ظاهرة تُعرف في صناعة النفط باسم «احتباس السوائل». ومع إنتاج يومي يتراوح بين 2 و3.5 ملايين برميل، تضخ إيران تدفقًا مستمرًا في شرايين صناعة مصممة للعمل دون توقف. إذ إن النظام قائم على الحركة الدائمة، وأي انقطاع مفاجئ يهدد توازنه. وعندما تُغلق منافذ التصدير، تلجأ إيران إلى مخزونات التخزين الساحلية والاستراتيجية كخط دفاع أول. وتُقدَّر طاقة هذه الخزانات بين 40 و90 مليون برميل، ما يجعلها، في حال توقف الصادرات كليًا، أشبه بساعة رملية تمتلئ بسرعة.

تبدأ الأزمة الفعلية عندما تصل هذه الخزانات إلى حدها الأقصى. عندها تتراكم الضغوط داخل المنظومة. فالنفط الخام، رغم مظهره السائل، خليط معقد يضم الشموع والراتنجات، والأهم «الأسفلتين». ومع تباطؤ التدفق أو توقفه بسبب غياب منفذ تصريف، تبدأ هذه المكونات الثقيلة بالانفصال عن الطور السائل والترسب على جدران الأنابيب وأعمدة الآبار. وتؤدي هذه الترسبات دورًا مشابهًا لتراكم الدهون في الشرايين، فتسد المجاري.

في هذه الحالة، يتحول ضغط المكمن الطبيعي، الذي يدفع السوائل إلى السطح، إلى عامل ضغط على جدران البئر ومعداتها بدلًا من تفريغه في الناقلات. ويمكن لهذا الضغط الإضافي أن يلحق أضرارًا جسيمة بعوازل الآبار والأنابيب الداخلية، وفي الحالات الحادة يسبب ظاهرة «هجرة الجزيئات» في الطبقات المنتجة، ما يؤدي إلى انخفاض دائم في نفاذية المكمن وتراجع تدريجي في إنتاجية البئر.

مخاطر الانفجار ومفارقة الأمان

إذا استمر الإنتاج دون وجود منفذ تصدير، فإن أوعية الضغط وخطوط الأنابيب ستواجه تحديات تتجاوز الانسداد. فالغازات المصاحبة للنفط، التي تُفصل وتُدار عادة بصورة منتظمة، قد تتجمع في حال توقف الجريان على شكل كتل غازية تُحدث تقلبات ضغط حادة. ورغم وجود أنظمة حماية مثل صمامات تنفيس الضغط وأنظمة الإغلاق الطارئ لمنع الانفجارات الفيزيائية، فإن التشغيل لفترات طويلة عند الحدود القصوى للضغط يرفع مخاطر إجهاد المعادن وحدوث أعطال مفاجئة.

بالتالي، فإن «الانفجار من الداخل» الذي تحدث عنه ترامب لا يعني بالضرورة انفجارًا دراميًا، بل قد يشير إلى انهيار هيكلي لمنشآت يتطلب ترميمها تقنيات متقدمة واستثمارات بمليارات الدولارات. وتجد إيران نفسها أمام مفارقة: إما وقف الإنتاج بما يحمله من أضرار للمكامن وخسائر فورية في الإيرادات، أو مواصلة الإنتاج مع تحمل مخاطر تآكل البنية التحتية.

أدوات إيران في معركة النفط

غير أن الطرح القائل بقرب انهيار المنظومة الإيرانية يواجه تشكيكًا عند فحص المعطيات الميدانية وصور الأقمار الصناعية وبيانات تتبع الناقلات:

أولًا: الخزانات غير المرئية ذات السقف الثابت. جزء كبير من الاحتياطيات الاستراتيجية يُخزن في خزانات لا يمكن للأقمار الصناعية التجارية قياس تغيرات حجمها بسبب طبيعة تصميمها، ما يحجب القدرة الفعلية للتخزين عن الرصد الخارجي.

ثانيًا: أسطول الظل والتخزين العائم. تمتلك إيران واحدًا من أكبر أساطيل ناقلات النفط في العالم. وقد جرى رصد ما لا يقل عن 17 ناقلة عملاقة من فئة VLCC قرب جزيرة خارك، بطاقة استيعابية إجمالية تتراوح بين 5 و8 ملايين برميل. وتعمل هذه الناقلات كمخازن عائمة تزيد من هامش المناورة في ظروف الانسداد.

ثالثًا: تقنيات إدارة المكامن. يتمتع المهندسون الإيرانيون بخبرة في تقنيات مثل خفض تدفق الآبار عمدًا للحفاظ على توازن الضغط، وإعادة حقن الغاز المصاحب في المكمن لتثبيت الضغط. وتتيح هذه الإجراءات تقليص الإنتاج إلى الحد الأدنى دون إغلاق الآبار كليًا أو إلحاق ضرر بالطبقات الجيولوجية.

في هذا السياق، يُفهم «الانفجار من الداخل» بوصفه ضغطًا ماديًا واقتصاديًا تمارسه واشنطن لدفع طهران إلى خيارات صعبة. وتراهن الولايات المتحدة على أن قطع شريان العائدات وخلق تحديات فنية في الحقول قد يفرض تغييرًا سياسيًا. إلا أن المؤشرات المتاحة تفيد بأن إيران، عبر أسطولها البحري وخزاناتها غير المرصودة وأنظمة الأمان المتقدمة، بعيدة عن سيناريو انهيار خلال أيام.

ردود طهران؛ تهديد مقابل تهديد

جاءت الردود الإيرانية حاسمة سياسيًا. فقد كتب إسماعيل سقاب أصفهاني، نائب مسعود بزشكيان، في منشور أعاد فيه نشر مقابلة عبر منصة إكس باللغتين الفارسية والإنجليزية: «سنرد على أي عمل حربي. وإذا تعرض أي جزء من بنيتنا التحتية، بما في ذلك آبار النفط، لأضرار نتيجة الحصار، نضمن إلحاق أربعة أضعاف الضرر بالبنية التحتية ذاتها في الدول الداعمة للمعتدي».

من جهته، أكد مظلومي، عضو لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، أن «دورة النفط الإيرانية غير قابلة للتهديد»، مشددًا على تمتعها بقدر كافٍ من الصمود أمام تهديدات الرئيس الأمريكي. وأضاف أنه «في ذروة الحصار البحري لم تتوقف صادرات النفط، بل ارتفعت». واعتبر أن الولايات المتحدة اعتمدت دائمًا على نهج الضغط والتهديد دون أن تحقق أهدافها المرجوة.

كما كتب محسن رضائي على منصة إكس: «لا توجد دولة قادرة على إغلاق صادرات النفط الإيرانية»، مضيفًا أن على الرئيس الأمريكي «معالجة الفوضى في حكومته واقتصاده وقواته المسلحة بدل إطلاق التصريحات».

السيناريو الواقعي لصناعة النفط الإيرانية

تشير المحصلة الفنية والوقائع الميدانية إلى أن رواية «الانهيار خلال ثلاثة أيام» لا تستند إلى أسس هندسية صلبة بقدر ما تنطلق من منطق الضغط السياسي. فصناعة النفط الإيرانية، رغم القيود الجدية التي تواجهها والتوازن الهش بين الإنتاج والتخزين والتصدير، تمتلك أدوات لإدارة الأزمات تجعل احتمال الانهيار المفاجئ مستبعدًا. والمعركة الدائرة ليست انفجارًا ماديًا بقدر ما هي صراع استنزاف طويل الأمد، يُستخدم فيه الضغط الفني والاقتصادي كوسيلة لتعديل الحسابات السياسية دون بلوغ نقطة سقوط فوري.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى