هل ينجح علي الزيدي في الحفاظ على زخم العلاقات بين أنقرة وبغداد؟
قد يسهم السجل التجاري وسمعة علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي المكلف، في مجال البراغماتية الاقتصادية في الحفاظ على زخم العلاقات بين تركيا والعراق.
ميدل ايست نيوز: قد يسهم السجل التجاري وسمعة علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي المكلف، في مجال البراغماتية الاقتصادية في الحفاظ على زخم العلاقات بين تركيا والعراق الذي تكرّس خلال ولاية سلفه، رغم أن محدودية تجربته السياسية تضفي قدراً من عدم اليقين.
فقد كلّف الرئيس العراقي نزار آميدي، يوم الاثنين الماضي، علي الزيدي بتشكيل الحكومة بوصفه مرشحاً توافقياً عن ائتلاف «الإطار التنسيقي» الشيعي، في خطوة عُدّت مقبولة لكل من واشنطن وأنقرة. وبعد اتصال هاتفي جرى يوم الخميس بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزيدي، بادرت أنقرة الجمعة إلى تهنئة رئيس الوزراء المكلف، معربة عن أملها في الإسراع بتشكيل الحكومة الجديدة.
وقالت صحيفة دنياي اقتصاد الإيرانية، إن تركيا ترى في الزيدي شريكاً أكثر ملاءمة مقارنة بسابقيه، إذ يُرجّح أن يمنح نهجه التجاري والعملي فرصة أكبر للحفاظ على المسار الإيجابي القائم في العلاقات الثنائية، وهو مسار تعتبره أنقرة حيوياً لتأمين ممرات التجارة، واحتواء التهديدات الأمنية العابرة للحدود، وتوسيع نفوذها الاقتصادي في المنطقة.
وبحسب تقرير لموقع «المونيتور»، فإن أولوية تركيا إزاء الحكومة العراقية الجديدة تتمثل في صون الزخم الذي تحقق خلال رئاسة محمد شياع السوداني، وهي مرحلة شهدت تقدماً في معالجة ملفات خلافية مزمنة، ولا سيما في مجالي الأمن وتقاسم المياه.
وكان العراق قد حظر في مارس 2024 أنشطة حزب العمال الكردستاني (بي كي كي)، من دون تصنيفه رسمياً منظمة إرهابية، ما قرّب موقف بغداد من رؤية أنقرة حيال التنظيم. كما اتخذ البلدان خطوات للحد من الخلافات الممتدة لعقود بشأن المياه، عبر اتفاق وُقّع خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بغداد في أبريل 2024. وفي نوفمبر 2025، دخل الاتفاق حيز التنفيذ من خلال آلية تمويل تقضي بتخصيص عائدات صادرات النفط العراقي إلى تركيا لتمويل مشاريع بنى تحتية مائية في العراق تنفذها شركات تركية.
وظلت قضية المياه من أبرز مصادر التوتر بين أنقرة وبغداد، إذ يحمل العراق السدود التركية على نهري دجلة والفرات مسؤولية شح المياه، بينما تشير تركيا إلى تهالك البنى التحتية العراقية وضعف كفاءة أنظمة الري. كما سرّع السوداني الجهود الرامية إلى تنفيذ «مشروع طريق التنمية»، الذي يهدف إلى ربط موانئ جنوب العراق على الخليج بأوروبا عبر تركيا من خلال شبكة طرق سريعة وسكك حديد. ويُعد المشروع محور طموح أنقرة للتحول إلى مركز ترانزيت رئيسي يربط الخليج بأوروبا. وتبلغ كلفة المشروع نحو 20 مليار دولار، ويربط ميناء الفاو في البصرة، الذي لا يزال قيد الإنشاء، بتركيا عبر ممر بطول 1275 كيلومتراً.
آفاق تجارية قوية
يرى محمد آلاجا، الباحث المستقل المقيم في أنقرة والمتخصص في الشأن العراقي، أن الخلفية التجارية للزيدي قد تدفع بتسريع مشروع طريق التنمية، لا سيما في ظل شبه توقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وقال إن موارد العراق الطبيعية قد تصل إلى الأسواق العالمية عبر تركيا. وشهد المشروع بالفعل تسارعاً في وتيرة تنفيذه؛ إذ وقعت مجموعة موانئ أبوظبي العام الماضي مذكرة تفاهم أولية مع الشركة العامة لموانئ العراق لتطوير ميناء الفاو والمنطقة الاقتصادية المخطط لها. وقد دخل الميناء حيز التشغيل جزئياً، فيما لا يزال المشروع بكامله قيد الإنجاز.
وفي يونيو 2025، وافق البنك الدولي على حزمة تمويل بقيمة 930 مليون دولار لتطوير وتحديث شبكة السكك الحديدية، ما يوفر دعماً إضافياً لمشروع طريق التنمية. وأدت التوترات الإقليمية الجارية إلى إبراز أهمية إنشاء ممرات تجارية بديلة، في ظل إغلاق مضيق هرمز، لكنها في الوقت نفسه ألحقت أضراراً ببنية الخليج التحتية وأثرت على القدرات المالية لبعض المستثمرين المحتملين، ما يرفع احتمالات تأخر المرحلة الأولى من المشروع المستهدفة للإنجاز في 2028.
وإلى جانب طريق التنمية، يُتوقع أن تسهم خبرة الزيدي التجارية في توسيع العلاقات الاقتصادية بين تركيا والعراق. وقال حسن الجنابي، السفير العراقي السابق لدى أنقرة، إن الزيدي يبدو مركزاً على الإنجازات الاقتصادية، مضيفاً أنه في حال نجاحه في تشكيل حكومة مستقرة، فإن العلاقات الثنائية ستتجه نحو تعاون اقتصادي أسرع يعود بالنفع على البلدين ويدعم استقرار المنطقة وأمنها.
ويُعد العراق أكبر شريك تجاري لتركيا بين جيرانها البريين، فيما تحتل تركيا المرتبة الثانية بين شركاء العراق التجاريين. ووفق بيانات وزارة التجارة التركية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 14.8 مليار دولار في عام 2025. غير أن هذا التفاؤل الاقتصادي يظل محاطاً بعوامل سياسية غير محسومة. فبينما توحي خلفية الزيدي التجارية بنهج عملي يركز على الاقتصاد، فإن غياب سجل سياسي واضح له يثير قدراً من الغموض.
وأشار الجنابي إلى أن العراقيين لا يعرفون الكثير عن رئيس الوزراء المكلف سوى أنه رجل أعمال شاب وناجح راكم ثروة كبيرة خلال العقدين الماضيين من دون حضور سياسي ملحوظ. ويزيد غياب الوضوح بشأن مواقفه السياسية من الضبابية المحيطة بالقضايا الحساسة بين أنقرة وبغداد، وعلى رأسها الوجود العسكري التركي في شمال العراق. إذ تحتفظ تركيا بنحو خمسة آلاف جندي وعشرات القواعد العسكرية هناك، وهو حضور تعرض لانتقادات متكررة من شخصيات في «الإطار التنسيقي»، من بينهم نوري المالكي، بدعوى المساس بالسيادة الوطنية. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الزيدي سيتمكن من حشد الرصيد السياسي اللازم لمواجهة هذه الاعتراضات داخل الائتلاف.



