الصحافة الإيرانية: واشنطن في مأزق استراتيجي بشأن إيران
أدّت الضغوط المتراكمة والقيود البنيوية إلى تقليص هامش الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة في مواجهة إيران إلى أدنى مستوى.

ميدل ايست نيوز: أدّت الضغوط المتراكمة والقيود البنيوية إلى تقليص هامش الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة في مواجهة إيران إلى أدنى مستوى. التطورات الأخيرة كشفت المسار ذاته الذي جرى التحذير منه سابقاً في التحليلات البنيوية بشأن موقع واشنطن. فمنذ أسابيع تعيش المنطقة حالة بين السكون والحركة؛ لا تهدأ تماماً ولا تتجه نحو نهاية واضحة. كل موجة تنحسر تعقبها أخرى، ومع هذا المدّ والجزر يتشكل تدريجياً مشهد قد لا يبدو جلياً للوهلة الأولى، لكنه يحمل في طبقاته العميقة رسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة تواجه في تعاملها مع إيران قيوداً ليست ظرفية، بل نتاج مسار طويل تبلور عبر الزمن، وقد بدأ يظهر بوضوح على أرض الواقع.
وقال حامد نقي لو، الخبير في السياسة الخارجية، في مقال لصحيفة شرق الإيرانية إن التحليل الأخير لصحيفة «تلغراف» ليس سوى أحد مؤشرات هذا التحول في زاوية النظر. فقد كتبت الصحيفة أن ترامب عالق بين خيارين مكلفين: مواصلة الهجمات أو القبول بتأجيل غير محدد للملف النووي. وإشارتها إلى انخفاض تدفق النفط عبر مضيق هرمز بنسبة 95 في المئة ليست مجرد رقم، بل تعبير عن قيود استراتيجية تواجهها الولايات المتحدة. غير أن الأهم هو أن هذه الصورة لم تتشكل فجأة.
في مقالي «قوة عظمى في فخ التاريخ» الذي نُشر سابقاً، جرى تفسير هذه القيود بصورة بنيوية، من دون ربطها بحدث محدد. أوضح المقال أن الولايات المتحدة تواجه فخاً تاريخياً في تعاملها مع إيران؛ فخاً يضيّق نطاق خياراتها ويحوّل كل قرار إلى كلفة. واليوم يعيد تحليل «تلغراف» رسم الخطوط ذاتها بلغة خبرية، ما يؤكد أن التحليل السابق لم يكن تحذيراً غامضاً، بل توصيفاً لمسار واقعي.
كما شدد المقال على أن إيران ليست مجرد فاعل تفاعلي، بل تمكنت عبر مزيج من الأدوات الميدانية والاقتصادية والجيوسياسية من رفع كلفة اتخاذ القرار بالنسبة لواشنطن. واليوم تركز تحليلات دولية، من خلال تسليط الضوء على دور مضيق هرمز والضغوط الاقتصادية الناجمة عن تراجع تدفق النفط، على النقطة نفسها. هذا التقاطع ليس مصادفة، بل يعكس انتقال التحليل البنيوي إلى صدارة الخطاب الإعلامي الدولي.
غير أن المسألة لا تتعلق فقط بأدوات إيران، بل أيضاً بنمط من تآكل القوة الأميركية في المنطقة؛ تآكل لا يعني ضعفاً مطلقاً، بل تقلص القدرة على الاختيار. فواشنطن واجهت في السنوات الأخيرة تراكم التزامات واسعة مقابل تراجع في القدرات الاستراتيجية، ما جعل كل قرار يتجاوز أثره ساحة المواجهة المباشرة. هذا هو النمط الكامن الذي أشارت إليه التحليلات السابقة، حين بدت معادلة واشنطن تجاه إيران أعقد من أن تُختزل في خيار بسيط.
في هذا السياق، يمكن فهم احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى خطوة قصيرة وحادة، ليس بدافع الرغبة في التصعيد، بل سعياً لكسر هذا الفخ البنيوي. ففي محطات مشابهة، اتجهت واشنطن إلى ضربة سريعة لإعادة تعريف المشهد. وإذا حدث ذلك، فلن يكون هدفه تحقيق نصر حاسم، بل تعديل المعادلة ومحاولة استعادة زمام المبادرة.
غير أن مجرد التفكير في هذا الخيار يعكس قيوداً لا قوة. فإذا احتاجت قوة عظمى إلى صدمة سريعة للخروج من مأزق، فذلك إقرار بعجز عن إدارة مسار طويل الأمد، ومحاولة للهروب من استنزاف متواصل عبر تغيير مفاجئ في الاتجاه. هذه النقطة كانت حاضرة ضمنياً في التحليل السابق، حتى وإن لم تُطرح بصورة مباشرة.
في المقابل، تحركت إيران في هذه المعادلة بدرجة أعلى من الثبات؛ ليس بهدف حسم معركة، بل لزيادة كلفة القرار على الطرف المقابل. تقليص تدفق النفط، وإدارة مستويات التوتر في نقاط مختلفة من المنطقة، والحفاظ على قدرات الردع، كلها عناصر في هذه الاستراتيجية. ونتيجة لذلك، باتت الولايات المتحدة في كل مرحلة تواجه معادلة أكثر تعقيداً وهامشاً أضيق للاختيار.
في المحصلة، ما يظهر اليوم في التحليلات الدولية هو امتداد للمسار الذي طُرح في «قوة عظمى في فخ التاريخ»: واشنطن تجد نفسها في فخ تاريخي يجعل كل حركة مكلفة. التحليلات الجديدة تعيد صياغة هذه الحقيقة بلغة مختلفة، مؤكدة أن التحذير السابق لم يكن تنبؤاً بعيداً، بل توصيفاً دقيقاً لمسار بات واضح المعالم، وأن المشكلة لا تكمن في التكتيكات بقدر ما تكمن في البنية المقيدة التي تشكلت منذ سنوات وبلغت اليوم لحظة اختبارها الحاسمة.



