الصحافة الإيرانية: أردوغان في أزمة عميقة.. سلطوية داخلية ومخاطر إقليمية متصاعدة

بسبب اتساع الفجوة الناتجة عن الأزمات الاقتصادية، يشعر أردوغان بأن مواجهة خصومه في الانتخابات المقبلة أصبحت أكثر صعوبة وتعقيداً. فالأدوات التي اعتمدت عليها أنقرة خلال سنوات حكمه فقدت فعاليتها.

ميدل ايست نيوز: يمسك رجب طيب أردوغان السلطة في أنقرة منذ أكثر من 20 عاماً. ويجد نفسه اليوم في حالة أزمة أعمق من أي وقت مضى. في السياسة الخارجية يتصرف أردوغان عادة بمرونة، بينما يتجه في السياسة الداخلية نحو نهج سلطوي متصاعد. وفي السياسة الخارجية سعت تركيا إلى تبني مقاربة دبلوماسية مرنة متعددة المسارات ومتمحورة حول إدارة الأزمات بدلاً من الاعتماد على محور استراتيجي واحد. ومع بداية عام 2026، برز سؤال أساسي: هل ستتحول هذه المرونة إلى ميزة استراتيجية أم ستؤدي إلى زيادة التوترات والتكاليف على البلاد؟ داخل تركيا، يواصل أردوغان وحزب العدالة والتنمية الذي يحكم منذ عام 2002، السير بخطى متسارعة نحو السلطوية خلال العقد الأخير. وقد ترسخ هذا المسار عبر تعديلات دستورية وسجن المعارضين السياسيين والصحفيين المستقلين ونشطاء المجتمع المدني.

الصراع مع المعارضة

وكتبت صحيفة شرق الإيرانية في مقال، إن الضغط على المعارضة التركية بعد اعتقال أكرم إمام أوغلو اتخذ طابعاً غير مسبوق، وأصبح خلال العام الماضي محور السياسة الداخلية لأردوغان. وقد دفع الصراع بين الحزب الحاكم والمعارضة ممثلة بحزب الشعب الجمهوري، والذي يعد إمام أوغلو أبرز وجوهه وهو معتقل حالياً، آلاف المتظاهرين إلى الشوارع مراراً بين أبريل 2025 ومايو 2026.

وخلال العام الأخير، لم يكن المواطنون العاديون هم الأكثر عرضة للخطر بقدر ما كانت البلديات والمسؤولون المحليون. ويبرر القضاة الاعتقالات بتهم مثل الفساد المالي والإداري وتزوير الشهادات التعليمية. والمثير أن جميع هؤلاء ينتمون إلى حزب الشعب الجمهوري. بالنسبة لأردوغان، فإن مواجهة المعارضة تعني إقصاء منافس أصبح انتخابه رئيساً لبلدية إسطنبول حدثاً مفصلياً. هذا المسؤول الذي يتهمه أنصار أردوغان بالتوجه الغربي والسعي لإعادة تركيا إلى رؤية مصطفى كمال أتاتورك، قد يقضي بقية حياته في السجن بسبب اتهامات يصفها منتقدوه بأنها ملفقة.

وترى الحكومة التركية أن ما يثير الاستفزاز هو أن إمام أوغلو، حتى من داخل السجن، لا يزال يحشد أنصاره، إذ يدفعهم إلى الشارع مع كل جلسة محاكمة أو بيان أو رسالة صوتية.

وبسبب اتساع الفجوة الناتجة عن الأزمات الاقتصادية، يشعر أردوغان بأن مواجهة خصومه في الانتخابات المقبلة أصبحت أكثر صعوبة وتعقيداً. فالأدوات التي اعتمدت عليها أنقرة خلال سنوات حكمه فقدت فعاليتها، فيما وضع التضخم الحاد والأزمة الاقتصادية البلاد في حالة طوارئ سياسية. ولا يزال اعتقال عدد كبير من أعضاء المعارضة مستمراً بمساعدة قضاة يواجهون انتقادات واسعة داخل المجتمع التركي. ومع ذلك يدرك أردوغان أن البنية الاجتماعية لتركيا لن تواصل التساهل معه إلى ما لا نهاية.

تراجع الحريات الاجتماعية

ورغم أن المؤشرات والأرقام تشير إلى تراجع كبير في الحريات الاجتماعية وتأثير الإعلام، فإن أردوغان، بوصفه قائد دولة بحجم تركيا، يتعرض لقدر محدود من المساءلة الدولية. بالنسبة لعديد من الدول، يمثل بقاؤه في السلطة عاملاً للاستقرار، وأي اهتزاز فيه قد يترتب عليه تداعيات واسعة. وفي الوقت نفسه أصبحت أنقرة في قلب معادلات الشرق الأوسط، وتزداد أهميتها في الحسابات الدولية بشكل متسارع.

وفي موازاة تقييد الحريات السياسية والاجتماعية، يواجه النظام القضائي أزمة متفاقمة. ففي عام 2025 تم تسجيل 5.5 مليون قضية لدى النيابة العامة. وتُعد تركيا من أعلى دول العالم في معدلات السجن، حيث تم اعتقال أو ملاحقة عشرات الصحفيين والنشطاء السياسيين والمدنيين قضائياً. ويتهم منتقدون القضاة بالتحيز السياسي وبالخضوع المطلق لإرادة أردوغان، نتيجة القضايا الكثيرة المرفوعة ضد شخصيات من حزب الشعب الجمهوري.

وتدرك حكومة أردوغان أن الظروف الدولية والتوترات في الشرق الأوسط تقلل من أهمية الانتقادات المتعلقة بالحريات الاجتماعية، ما يمنحه مساحة أكبر لتصفية الحسابات السياسية، وهو ما استثمره خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود»، تراجعت تركيا من المرتبة 159 في 2025 إلى المرتبة 163 من أصل 180 دولة. وحذرت المنظمة من تعمق السلطوية وتزايد تهديد التعددية الإعلامية، إلى جانب توسع الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي التي لا يتردد أردوغان في فرضها.

تركيا والتهديد الإسرائيلي

تشعر أنقرة بقدر متزايد من القلق المستمر، وقد ازداد هذا الشعور بعد الهجوم الإسرائيلي على إيران. وخلال عامي الحرب في غزة، سعى أردوغان إلى تقديم نفسه كقائد إقليمي في مواجهة سياسات بنيامين نتنياهو. وعلى الرغم من العلاقات غير الرسمية بين تركيا وإسرائيل، وصف أردوغان مراراً قصف غزة بأنه جريمة، وشبّه نتنياهو بهتلر، فيما رد الأخير بتصعيد خطابه العدائي تجاه الرئيس التركي.

وبعد الحرب التي استمرت 12 يوماً ضد إيران، صعّد المسؤولون الإسرائيليون لهجتهم تجاه تركيا، ما أثار استياء أنقرة ودفعها إلى تسريع مشاريعها العسكرية. وذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت إلى وصف تركيا بأنها «إيران التالية». ويرى بعض المنظرين أن الطروحات الإسرائيلية المتشددة حول توسيع النفوذ في الشرق الأوسط قد تمتد مستقبلاً إلى تركيا، وهو ما يثير حساسية شديدة لدى أنقرة، حتى وإن كان تنفيذه يتطلب عقوداً. وفي هذا السياق، أفادت تقارير بأن تركيا تعمل بوتيرة متسارعة على بناء أول حاملة طائرات وطنية باسم «موجم»، في رسالة استراتيجية موجهة إلى خصومها الإقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل. وبعد استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات F-35 عام 2019، اتجهت إلى تطوير بدائل دفاعية تعكس تحولاً في عقيدتها العسكرية مقارنة بما كانت عليه في 2019.

ورغم اعتبار ملف الأكراد في سوريا منتهياً بالنسبة لأردوغان، فإنه لا يزال ينظر إليهم باعتبارهم تهديداً أمنياً محتملاً، خصوصاً في ظل مخاوف من استغلالهم من قبل إسرائيل ضد تركيا.

عواقب الحرب ضد إيران

أدت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير إلى تغيير ميزان القوى الإقليمي بشكل يتجاوز حدود إيران نفسها. وبينما تتركز النقاشات حول التصعيد والانتقام وبقاء النظام ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، فإن التداعيات غير المباشرة قد تكون بنفس القدر من الأهمية. ومن بين القوى الإقليمية، من المتوقع أن تشهد تركيا ارتفاعاً كبيراً في وزنها الاستراتيجي مقارنة بغيرها.

وتتعدد مخاوف تركيا، أبرزها احتمال تحولها إلى وجهة للاجئين في حال تصاعد الاضطرابات في إيران أو توسع الحرب. ورغم اعتماد أنقرة على دبلوماسية متعددة المسارات لتقليل خسائرها الدولية، فإن تداعيات الحرب تظل مصدر قلق أساسي لها. ويدرك أردوغان أن نتنياهو ينظر إليه كخصم رئيسي، وقد ينتقل إليه بعد إيران. وتتعامل أنقرة مع هذا الاحتمال بجدية كبيرة. وفي حين تعتبر واشنطن وتل أبيب أن هدفهما هو إضعاف إيران، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تركيا ستستفيد، إذ قد تتحول بوصلة المخاطر نحوها إذا تحققت أهدافهما. ولهذا تسعى أنقرة في الكواليس إلى لعب دور في إنهاء الحرب ضد إيران.

التنافس العالمي

أصبح مجال المنافسة بالنسبة لتركيا متعدد الأبعاد خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يعد يقتصر على التوازنات العسكرية، بل يشمل قيود التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والمواد الخام الحيوية والبنية التحتية الرقمية وأنظمة العقوبات والقدرات الدفاعية الصناعية مثل إنتاج الذخائر والدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية. ويمنح هذا الوضع تركيا قوة تفاوضية أكبر، لكنه في الوقت ذاته يشكل عامل ضغط كبير عليها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى